تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

لدى بورديو ما يحدثنا عنه: قراءة في محاضرات «كوليج دو فرانس»

تامر موافي
15 دقيقة قراءة
لدى بورديو ما يحدثنا عنه: قراءة في محاضرات «كوليج دو فرانس»
بيير بورديو

لا يحتاج أي منّا إلى تعلم أدوات علم الاجتماع ليمارس حياته اليومية. غالبيتنا العظمى في الواقع متوافقون مع محيطهم الاجتماعي ويجيدون التحرك فيه والتفاعل معه ومع الآخرين فيه دون الحاجة للتوقف في أي وقت لمحاولة فهمه.

لا ينفي ذلك بأي شكل صور المعاناة المختلفة التي نتعرض لها جميعًا، ومصدرها هو المحيط الاجتماعي ذاته. ولكن مرة أخرى، تُسلم الغالبية العظمى بأن المعاناة بصورها هي جزء طبيعي من الحياة، وتتصرف وفق آليات التعامل مع المعاناة، بإزاحتها أو تبريرها أو تقديم تنازلات معينة لتجنب تفاقمها بين تلك الأمور التي يمارسها الناس بشكل يكاد يكون تلقائيًا.

ولكن يختلف الأمر عند بعضنا عندما يفتقدون الاعتياد السائد للمعاناة ولا يرونها جزءًا طبيعيًا من الحياة ينبغي قبوله والتعايش معه. يدرك هؤلاء أولًا أن غالبية صور المعاناة ليست فردية، ولكنها متكررة، وبالتالي لا تتعلق أسبابها بظروف شخص بعينه، ولكنها تتعلق بظروف اجتماعية سائدة، بعضها تفرضه السلطة والبعض الآخر يستمد قدرته على الاستمرار من عناصر في ثقافة المجتمع نفسه. ومن بين هؤلاء من يسعون إلى التغيير بسبل مختلفة ووفق توجهات متنوعة، فيصبحون نشطاء سياسيين أو حقوقيين، أو يمارسون سعيهم إلى التغيير من مواقع عملهم، خاصة إذا كان يتيح لهم مخاطبة الرأي العام كالصحافة أو الإعلام أو الكتابة الأدبية بأشكالها والفن بصوره. منهم أيضًا كثيرون يدعمون مواقف غيرهم دون الانخراط المباشر في عمل يهدف للتغيير، ولكن ساحات النقاش العام التي تتيحها اليوم شبكات التواصل الاجتماعي، تسمح لهم أيضًا باستخدام أصواتهم للدفاع بقدر أو بآخر عن قناعاتهم التي تتعلق معظم الوقت بالحاجة إلى تغيير الظروف الاجتماعية.

هؤلاء جميعًا يقفون في حيرة أمام حالة الاعتياد السائدة في المجتمع تجاه أوضاع قاسية وظالمة، يستهلك أذاها حياة غالبية الناس ويسحقها. وهم أيضًا من يستشعرون ضرورة أن يكتشف الناس أسباب معاناتهم ويواجهونها ويتخلصون منها. ولكن ثمة سؤالان أساسيان لا يمكن أن يتحول هذا الشعور إلى سعي حقيقي دون إجابتهما: الأول، هو عن الأسباب الحقيقية المنشئة للمعاناة السائدة والتي تعمل على استمرارها؛ والثاني هو لماذا لا يعتاد الناس معاناتهم فقط، بل يتقبلونها ويبررونها وفي أحيان كثيرة يبدو أنهم متواطئون في العمل على استمرارها ورفض مواجهتها؟

 لقد قدم لنا عشرات المفكرين في مجالات تتراوح بين الفلسفة والعلوم الإنسانية باختلافها والفكر الاقتصادي إجابات جزئية أو تطمح إلى الكمال على أحد هذين السؤالين أو كليهما. ولكن حقيقة أن الممارسة العملية التي انبنت على فهمنا لهذه الإجابات لم تنجح في تحقيق تقدم حقيقي ملموس في اتجاه التخلص من المعاناة الاجتماعية لغالبية البشر، تعني أن هذه الإجابات إما كانت خاطئة أو قاصرة بشكل أو بآخر. ثمة مع ذلك افتراض آخر وهو أن هذين السؤالين ليس ثمة إجابة (نهائية صحيحة) لأي منهما، وربما ما نحتاج إليه ليس أن يقدم أحدهم لنا إجابة مسبقة تفصيلية، أو نموذجًا جاهزًا للحل، طالما تظل الإجابات المسبقة والنماذج الجاهزة دائمًا إما غير متوافقة مع الواقع على الأرض أو متأخرة زمنيًا عنه. وربما يكون هذا تحديدًا هو السبب في أن السعي إلى إيجاد الإجابات وبناء النماذج قد فقد الجاذبية التي كانت له في الماضي. وينعكس ذلك في حقيقة أن أحدًا من المفكرين والفلاسفة البارزين منذ النصف الثاني للقرن الماضي، لم يغامر بطرح مثل هذه الإجابات أو النماذج، وبدا عمل معظمهم متواضعًا ومحدودًا في نطاقه، مقارنة بالإنجازات الفكرية الضخمة لمفكري عصور سابقة. ولهذا أيضًا اتهم كثير من هؤلاء المفكرين بالانعزال عن الواقع وافتقاد أفكارهم للبعد الأخلاقي وإدارتهم ظهورهم لمعاناة البشر العاديين. في المقابل فإن بإمكاننا النظر إلى أعمال كثير من هؤلاء بطريقة مختلفة، لنجد أن ما انشغلوا به كان محاولة صنع أدوات لتفكيك الواقع وفهمه.

يمكن بالتأكيد أن نرى ذلك في أعمال ميشيل فوكو وجاك ديريدا، ببذل بعض الجهد. ولكننا لا نحتاج لبذل أي جهد لنراه في أعمال بيير بورديو، قبل أي شيء لأنه قد أفصح بوضوح عن طبيعة عمله كما يراه.

فيلسوف مارق

بيير بورديو الذي ولد في عام 1930 في أقصى الجنوب الغربي في فرنسا في بيئة ريفية تكاد تكون منعزلة ولأسرة متواضعة في مكانتها الاجتماعية وقدراتها الاقتصادية، توفي في بداية عام 2002، بعد وقت قصير من تقاعده وتخليه عن كرسي الأستاذية في الكوليج دو فرانس، المعهد العلمي الأكثر مكانة في فرنسا وبين الأبرز في العالم كله.

طوال عقود سابقة على وفاته صعد نجم بورديو ليصبح المثقف الأبرز في فرنسا في التسعينات، وهي مكانة لا تقارن إلا بمفكرين مهيمنين على المشهد الثقافي الفرنسي في زمنهم مثل جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار. ولكن لفترة أطول من تلك كان بورديو أكثر انعزالية وخفاءً، منذ اختار في وقت مبكر من مسيرته أن يدع الفلسفة التي درسها إلى مجال علمي يعد حينها أدنى بكثير منها في المكانة الأكاديمية وهو علم الاجتماع. وفي حين أن فرنسا قد شهدت توجهًا عامًا من كبار مفكريها إلى الاهتمام بالعلوم الإنسانية في أعقاب عام الاحتجاجات العمالية والطلابية الكبرى (1968)، إلا أن أكثرهم كان اهتمامهم من موقع الفيلسوف الذي يستكشف حدود المعرفة الممكنة لهذه العلوم، وهم في ذلك أقرب لممارسة فلسفة نقدية على خطى إيمانويل كانط، منهم إلى التورط في ممارسة البحث العلمي التجريبي بشكل مباشر. هكذا يمكن أن نرى أعمال فوكو بصفة خاصة دون أن ننتقص من أهميتها، فهو في النهاية أحد صناع الأدوات الكبار في عصره وربما أهمهم من حيث الأثر الذي تركه من بعده.

اختار بورديو أن يعمل أولًا بالإثنوجرافيا (وصف الأعراق البشرية)، في لحظة قادته فيها ظروف حياته إلى العيش في الجزائر عشية حرب الاستقلال، وعاد إلى فرنسا ليمارس العمل بعلم الاجتماع على أنه إثنوجرافيا للمجتمع الفرنسي، وهو ما يعكس تمرده على الفصل الاستعماري في مضمونه بين علم دراسة الشعوب غير الأوروبية (المستَعمَرة)، وبين علم مستقل لدراسة المجتمعات الأوربية نفسها. ولم يتخذ بورديو لنفسه مكانة الفيلسوف المعني بنظرية المعرفة وفلسفة العلوم، وإنما انخرط في العمل العلمي التجريبي بجمع البيانات وعمل الاستبيانات وبناء النماذج الإحصائية إلى آخر أدوات العمل البحثي الميداني.

مع ذلك لم يتوقف بورديو يومًا عن تطوير نظريته الاجتماعية التي تتكون من عدد من الأدوات النظرية لتنظيم وتحليل البيانات التي يوفرها البحث الميداني. في واقع الأمر كانت تلك الأدوات بالنسبة له مع العمل الميداني وجهان لعملة واحدة لا يكتمل البحث العلمي دون أي منهما. ومن خلال هذا التصور العملي كانت نظريته الاجتماعية بالأساس نقدًا للأسس التي قامت عليها النظريات الاجتماعية والفلسفية السابقة عليه. من جانب آخر ربما يكون اختيار بورديو لدور العالم الذي يعمل بصفة مستمرة لينتج أبحاثًا عملية ويكتب تأملاته النظرية فيها، بدلًا من دور الفيلسوف المنعزل في صومعته يجاهد تأملاته المطولة وقراءاته المستفيضة سعيًا إلى تقديم خلاصة تأملاته هذه في عدد محدود من الأعمال، هو أحد أسباب غزارة إنتاجه بشكل فاق جميع معاصريه. فأعمال بورديو التي كتبها، مستقلًا أو بمشاركة زملاء أو تلامذة له، تبلغ عشرات الكتب ومئات الأوراق البحثية وتعد بالآلاف إذا ما أخذنا في الاعتبار ما تُرجم منها إلى عديد من اللغات.

السبب الأهم لهذه الغزارة في الإنتاج هو أنه من موقعه كعالم اجتماع تلامست أعماله، بل عادة ما تدخلت في عشرات المجالات العلمية والفكرية الأخرى، ومثّلت إسهامات مميزة فيها. غزارة إنتاج بورديو واتساع المجالات التي تطرقت إليها أعماله، دفعت بعض دارسيه إلى التحذير من المغامرة بالقول إن بورديو لم يتحدث عن هذا الأمر أو ذاك أو أنه لم يلامس تلك القضية بشكل مباشر أو غير مباشر، فليس من بين دارسيه من أمكنه أن يلم بشكل تام بكل ما كتبه أو صرح به بوسيلة ما، في محاضرة، أو حوار صحفي أو إذاعي أو تليفزيوني. ويضاف إلى ذلك أنه بعد تسعة عشر عامًا من وفاة بورديو لا يزال بعض أعماله يأخذ طريقه إلى النشر و/أو إلى الترجمة إلى لغات أخرى. ومن يعتمدون على ترجمات أعماله إلى لغة يمكنهم القراءة فيها مثل الإنجليزية، لا يزال عدد ضخم من أعماله بعيدًا عن متناولهم.

بالنسبة للمهتمين ببورديو داخل الأكاديميا وخارجها، يعد صدور عمل ينشر لأول مرة له حدثًا هامًا، فثمة دائمًا جديد لم يسبق لبورديو أن حدثنا به، حتى إن بدا للوهلة الأولى أن هذا العمل لا يقدم إلا تكرارًا لأفكار سبق له أن قدمها في أعمال أخرى كثيرة، وهذا هو الحال مع سلسلة المحاضرات التي ألقاها بورديو في الكوليج دو فرانس في نهاية عام 1982 وبداية عام 1983، والتي نشرت ترجمتها الإنجليزية لأول مرة هذا العام (Bourdieu 2020).

هذا الحدث في ذاته يبرر تقديم مراجعة لهذه المحاضرات كما هو معتاد مع الأعمال الهامة الصادرة حديثًا، ولكني لا أسعى هنا إلى فعل ذلك، بل اخترت أن أحاول تقديم قراءة تفصيلية بعض الشيء لهذه المحاضرات، وهو بالتالي ما يستدعي تقديم مبررات له، تجيب أولًا عن سؤال: لماذا بورديو، الآن وهنا؟ ثم لماذا هذه السلسلة من المحاضرات وليس أي من أعماله، سواء كان دراسة ذات جانب عملي، أو عملًا نظريًا؟

بورديو، الآن وهنا

يخبرنا مايكل جرينفل في مقدمة السيرة الفكرية لبورديو «بيير بورديو: الفاعل المشاغب»، أن بورديو قد اعتبر «أن أي تحليل علمي-اجتماعي هو تدخل في العالم الحقيقي. وينطوي هذا الفهم على أن ما نكتشفه عن العالم تكمن فيه إمكانية تغييره. وبهذا المعني، يقدم علم الاجتماع الخاص به أدوات للتأثير في السياسات الاجتماعية». ويضيف جرينفل أن ما سعى بورديو إلى أن يقدمه إلى كل من يهتم بتبني منهجه العلمي هو أن تكون أدواته النظرية «[مصدرا] للتحرر من القوى الاجتماعية التي تحدد حياتنا». (Grenfell 2004)

لا يمكن لكثير منا ممن يعيشون الآن في ظلال أنقاض ثورة مهزومة أن يتخلى عن مسعى مواجهة مظاهر المعاناة هنا في مجتمع يبدو أنه يسحق بإصرار شديد الفئات الأكثر ضعفًا فيه، بينما ينسحق تحت وطأة قمع قديم متجدد. سواء كان منا من يسعى إلى تحرير سجناء الرأي، أو حتى إلى توفير ظروف سجن آدمية لهم ولغيرهم من السجناء بصفة عامة، أو من يسعى إلى تحرير النساء من تضييق خناق العنف المتصاعد ضدهن في البيوت والشوارع وأماكن العمل ودوائرهن الاجتماعية المختلفة، أو من يسعى إلى وقف العنف والتمييز ضد الأقليات الدينية أو العرقية، إلى آخر قائمة طويلة من القضايا ذات النطاقات المتباينة بين السعة والضيق. هؤلاء جميعًا إما أدركوا بالفعل، أو في سبيلهم إلى إدراك، أن ما يواجهونه ليس السلطة أو عناد رجل الشارع العادي، بل القوى الاجتماعية المنشئة للسلطة ولعناد رجل الشارع. هذه القوى الاجتماعية هي ما يشكل حدود حياتنا الاجتماعية كما نعرفها بالشكل الذي ينشئ مسببات المعاناة ويحفظ استمراريتها. فإذا ما أخذنا ما يدعيه بورديو حول نظريته الاجتماعية وأدواتها بجدية، فهي على الأقل تستحق أن ننظر في أمرها، ليس كحل سحري بالتأكيد، فبورديو نفسه لم يدع أنها كذلك أو حتى قريبة من أن تكونه، ولكن كأدوات للفهم قد تضع أقدامنا على بداية سبل لم نستكشفها سابقًا، قد تقودنا إلى أن تكون ممارساتنا أكثر فعالية في مستقبل منظور.

ما يؤهل بورديو لأن نأخذ ادعاءه بجدية، هو أنه يطلقه من موقع عالم الاجتماع المنخرط في العمل البحثي الميداني على أرض الواقع. لقد شكل أدواته النظرية من خلال هذا العمل الميداني، واستخدمها بالفعل في تحليله وقراءته للواقع من خلال البيانات التي أنتجها عمله. وهو مع ذلك لا يطرح علينا نموذجًا جاهزًا وشموليًا يدعي صلاحيته لكل زمان ومكان وإنما يقدم مجموعة من الأدوات التي بها يمكن بناء نماذجنا الخاصة بمجتمعاتنا هنا والآن.

إلي جانب ذلك تتكامل أدوات بورديو التي يقدمها في صورة مفاهيم (الهابيتوس، الحقل، رأس المال..)، في بناء نظري يقودنا إلى ممارسات مختلفة لعمليات البحث والقراءة للمجتمع، وبصفة خاصة تنبهنا هذه الممارسات إلى ضرورة أن يطبق الباحث أدواته على موقعه الاجتماعي أولًا، ويعني ذلك قبل أي شيء أن يتخلى الباحث (أو الناشط) عن موقعه الخيالي خارج المجتمع، والذي يظن أن بإمكانه أن ينظر منه إلى المجتمع بشكل موضوعي محايد. لا مكان في نظرية بورديو لموقع موضوعي محايد، وهو لا ينفي هذا الموقع بصورة نظرية فقط، بل يصر على إدماج الموقع الاجتماعي للباحث في عمله كشرط لأن تكون المعرفة المنتجة من خلال بحثه موضوعية. وطبق بورديو هذه الممارسة الانعكاسية بنفسه، فهو على سبيل المثال في دراسته للحقل الأكاديمي الذي ينتمي إليه، لم يغفل أن يسجل موقعه في هذا الحقل (Bourdieu 1984)، ومع كراهيته المعلنة للسير الذاتية قدم في نهاية حياته دراسة علمية-اجتماعية لمسيرته الشخصية (Bourdieu 2008).

قيمة أدوات بورديو النظرية تكمن إلى أكبر حد في كونها، مثل غيرها من الأدوات العلمية، قابلة للاختبار. لقد استخدمها بورديو بنفسه في عدد كبير من الدراسات التي تفاوتت في نطاقها وحجمها، ويمكن من خلال مراجعة هذه الدراسات أن نحكم على مدى نجاح أدواته في تقديم قراءة مقنعة ومفيدة عمليًا للحقول الاجتماعية التي تناولها في سياقيها الزمني والمكاني. كما يمكننا بالتأكيد اختبار هذه الأدوات بصورة كاملة أو محدودة، في دراسات علمية-اجتماعية أو حتى في قراءات سريعة لموقف أو واقعة. حاولت ذلك بالفعل في قراءة محدودة لموقف شيخ الأزهر عندما اشتبك في النقاش مع رئيس جامعة القاهرة عن تجديد الخطاب الديني، ثم في محاولة قراءة أسباب الضجة التي أثارها نشر دورية عالم الكتاب لصورة الروائي أحمد مراد على غلافها.

هذه القراءات التي أعترف أنها محدودة وغير علمية بشكل صحيح، حاولت فيها إبراز حقيقة أن أفعال وردود أفعال الأشخاص يحكمها توجهات ينشئها الموقع الذي يشغله كل منهم في حقل اجتماعي له قواعده الخاصة به، والتي تعيد تشكيل القواعد التي يفرضها الحقل الأكبر الذي يحتويها. فلا يمكننا فهم رد فعل شيخ الأزهر من خلال المؤثرات السياسية العامة الفاعلة في حقل السلطة، ولكن من خلال ترجمة هذه المؤثرات وفق قواعد يفرضها الحقل الديني وموقعه فيه. كما لا يمكن فهم ردود أفعال المثقفين إلا من خلال الصراع للحفاظ على استقلالية حقل الإنتاج الثقافي التي تمنح رأس مالهم الثقافي قيمته. لا تحول أي من هذه القراءات الفاعلين الاجتماعيين إلى مجرد أدوات تنفذ ما يمليه عليها موقعها الاجتماعي، ولكنها تفسر الخيارات التي يتيحها لهم هذا الموقع، والتي يحكم عملهم في نطاقها بناء كل منهم الشخصي.

الهابيتوس والحقل في الكوليج دو فرانس

قدم بورديو مفهومًا «الهابيتوس» و«الحقل» في عشرات من أعماله، سواء في إطار تطبيقها في دراسات اجتماعية تتناول حقلًا بعينه أو من خلال دراسات نظرية عرض فيها هذه المفاهيم وغيرها في إطار نظريته الاجتماعية حول الممارسات والمنطق العملي. ولكن ما يميز سلسلة المحاضرات التي نُشرت ترجمتها الإنجليزية هذا العام هو:

  • أولًا سياقها التعليمي. فالكوليج دو فرانس معهد علمي مختلف عن غيره حيث يلتزم بتقاليد خاصة به من أهمها، أن الأساتذة به يقدمون محاضرات عامة يمكن لأي شخص أن يحضرها، وهم في هذه المحاضرات ملتزمون بإطلاع جمهور الحاضرين على تطور عملهم البحثي ونتائجه. بخلاف ذلك لكل أستاذ مطلق الحرية في اختيار ما يحدّث به جمهوره، بل حتى في اختيار الاسم الذي يطلقه على كرسي أستاذيته. وبالنسبة لبورديو فقد اختار أن يقدم في السنوات الأولى لتدريسه في الكوليج عرضًا لنظريته حول ممارسة علم الاجتماع، ومن ثم فهو قبل أي شيء يطرح أدواته النظرية بالصورة التي يرى أن بإمكان متلقيها أن يتعلم بها كيف يعيد استخدامها بنفسه.
  • ثانيًا، ولأن بورديو يعلم أن محاضراته مفتوحة للجميع فهو يخاطب جمهورًا لا يضم متخصصين في علم الاجتماع فقط، بل يضم أيضًا متخصصون في مجالات أخرى متعددة، وإضافة إلى ما يفرضه العرض الشفاهي من لغة أبسط مما يمكن استخدامه في الكتابة، فإن اعتبارات الجمهور غير المتخصص فرضت على بورديو محاولة تقديم مفاهيمه بأبسط سبيل ممكن، وهو ما لا يتوفر بأي حال في كتاباته التي تتميز بتعقيد لغتها إلى حد اعترف هو نفسه بأن يجعل قراءتها عملًا مجهدًا حتى للمتخصصين.

من جانب ثالث، يهدف بورديو في محاضراته إلى عرض مختصر لمفاهيمه النظرية، وفي هذا العرض يشير باستمرار إلى أعمال أخرى له يمكن أن يجد من يهتم مزيدًا من المعلومات فيها. المحاضرات إذن بشكل ما تمثل مدخلًا إلى عالم بورديو شديد الاتساع وخارطة توضح مسارات مختلفة يمكن للمهتم تتبعها خلال هذا العالم.

يبدو ما سبق أقرب إلى دعوة للقارئ أن يقرأ سلسلة المحاضرات بنفسه، وهذا بالتأكيد صحيح لمن يمكنه ذلك، ولكن إلى جانب أن هذه القراءة لمحاضرات بورديو تستهدف القارئ الذي لا يمكنه الوصول إليها أو قراءتها بنفسه، فيبررها أيضًا أنها تحاول تجنيب القارئ بعض المشاكل في هذه السلسلة، فالنمط الشفاهي للمحاضرات مع كونه يؤدي إلى جعل لغة بورديو أبسط، لكنه لا يلغي تعقيدها بشكل كامل، ولكن ما هو أهم من ذلك يؤدي هذا النمط الشفاهي ببورديو إلى استطرادات كثيرة ومسهبة تؤدي أحيانًا إلى انقطاعات محيرة في تسلسل عرضه لأفكاره.

إضافة إلى ذلك يؤدي ضيق الوقت المتاح لبورديو به إلى أن يختصر عرضه أحيانًا بشكل يصعب معه فهم فكرة هنا أو هناك، كما أنه تخلى في أحيان كثيرة عن استخدام أمثلة توضح أفكاره بشكل أكبر وأحال مستمعيه إلى كتاباته المنشورة للوصول إلى هذه الأمثلة وغيرها. ومن ثم فما أحاول تقديمه في هذه القراءة يحاول أولًا التقاط المفاهيم الأساسية وعرضها بأبسط صورة ممكنة مع تخطي الاستطرادات المسهبة التي تعيق تسلسل الأفكار وتخرج عن الموضوع، مع دعم هذا العرض بما تقدمه كتابات بورديو الأخرى من إيضاحات تكميلية قد تكون ضرورية.

إضافة إلى ذلك فإن أحد أهدافي في هذه القراءة هو محاولة ربط مفاهيم بورديو بـ(هنا والآن) كلما أتيحت الفرصة، فالغاية الأساسية لهذه القراءة هي الدعوة إلى قراءة بورديو واستخدام أدواته في بحثنا اليومي عن الإجابات في مواجهة القوى الاجتماعية التي ترسم مصائرنا بشكل لا نرتضيه، ونسعى إلى مقاومته بكل وسيلة ممكنة. لا أدعي بالطبع أولية في ذلك المسعى، ومن ثم فكل ما آمله هو أن أقدم إضافة متواضعة في حدود المتاح لي.

الخطوط العامة لسلسلة المحاضرات وقراءتها

قدم بورديو هذه المحاضرات في الفترة من 5 أكتوبر 1982، وحتى 25 يناير 1983. عدد المحاضرات هو 13 محاضرة، استغرقت كل منها ساعتين. حاضر بورديو في الكوليج دو فرانس طوال الفترة من عام 1981، وحتى عام 2001، حيث قدم محاضرته الأخيرة في مارس من ذلك العام. في الأعوام الخمسة الأولى قدم بورديو محاضراته تحت عنوان علم الاجتماع العام، في حين تعرضت محاضراته في كل عام تالي لدراسة موضوع أو حقل اجتماعي بعينه. في المحاضرات التي تقدمها هذه القراءة يقدم بورديو مفهوم الهابيتوس، ويعني بشكل مختصر مجموعة التوجهات السلوكية التي تغرسها في الشخص تجاربه الاجتماعية في فراغات وحقول اجتماعية مختلفة، وتتم ترجمتها إلى خيارات سلوكية في المواقف المختلفة تتوافق مع طبيعة الموقف بشكل يبدو وكأنه يعكس قراءة واعية له، ولكنه في الواقع تلقائي في معظمه؛ ومفهوم الحقل ويعني فراغًا اجتماعيًا له استقلالية نسبية يتشكل من إعادة ترجمة القوى الاجتماعية السائدة في الفراغ الاجتماعي الأكبر، حسب رأسمال اجتماعي محدد يتنافس الداخلون في هذا الحقل على مراكمته. وتخلق هذه الترجمة قوى خاصة بالحقل تنشئ مواقع في علاقات تراتبية بين بعضها البعض يمكن أن يحتلها أشخاص يحدد كل موقع الصفات التي تؤهل أي منهم لشغله، كما تحدد العلاقات بين المواقع طبيعة وصورة الصراعات الناشئة في الحقل بهدف تعظيم نصيب كل شاغل موقع فيه من رأس المال المميز للحقل. مع ضرورة التعرض لمفهوم رأس المال لتقديم مفهوم الحقل إلا أن بورديو لم يقدم عرضه الكامل لهذا المفهوم في ذلك العام وأجل العرض التفصيلي له إلى الأعوام التالية.

من الطبيعي تمامًا أن تبدو التعريفات المقدمة لمفهومي الهابيتوس والحقل في الفقرة السابقة مستعصية على الفهم إلى حد كبير، فكلا المفهومين لا يمكن تقديم تعريف له يكون مختصرًا وواضحًا في نفس الوقت والأهم من ذلك أن مثل هذا التعريف يظل قاصرًا أيضًا. وبالتالي فالتعريفين السابقين ضروريان فقط لتقديم محتوى سلسلة المحاضرات في عبارة مختصرة في حين سيكون دور أكثر من مقال تال أن يقدم عرضًا أوضح لكلا المفهومين كما قدمهما بورديو في محاضراته وبالعودة عند الحاجة إلى كتابات أخرى له ولغيره. في الوقت الحالي لا يسعني إلا أن أشكر القارئ الصبور الذي وصل إلى هذه السطور وأدعوه إلى قراءة المقال التالي في وقت قريب.

المصادر

Bourdieu, Pierre. 1984. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Cambridge, Mass: Harvard University Press.

———. 2008. Sketch for a Self-Analysis. Chicago: University of Chicago Press.

———. 2020. Habitus and Field. Cambridge, UK Medford, MA: Polity Press.

Grenfell, Michael. 2004. Pierre Bourdieu, Agent Provocateur. London New York: Continuum.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
فؤاد حلبوني

فالتر بنيامين وسؤال المستقبل

«فكرة خوض الحياة كأننا على شفا الموت، بطريقة تشحذ الذات والجسد نحو الاستعداد الدائم للموت كأنه لحظة عابرة»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).