تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

 في عالم المراقبة والخوارزميات: الجريمة لا تفيد 

أحمد ناجي
10 دقيقة قراءة
 في عالم المراقبة والخوارزميات: الجريمة لا تفيد 

1 

صباحات يوم الأحد الأمريكية هي المعادل الموضوعي لصباحات يوم الجمعة في مصر. لا مدارس، لا عمل، العائلات تذهب إلى الكنيسة أو الحدائق العامة.. ووخم جميل يغطي كل شيء.

رفعت سينا من فراشها، كان لدينا خطة أن نتناول الفطور ثم نذهب لحديقة البط والأرانب. نعيش في منزل صغير يتكون من طابقين، غرفتين في الأعلى وفي الأسفل صالة المعيشة والمطبخ وطاولة الطعام. البيت جزء من مجمع مباني يحتوي في الدور الأرضي على مكتبة لبيع الكتب ومقهى صغير، معظم الشقق في المبنى مخصصة للكتاب والفنانين الذين يأتون في منح إقامة في المدينة تبدأ من شهر وحتى ستة أشهر.

نزلت إلى الدور الأرضي وبدأت أعد الإفطار لي ولسينا، تذكرت إيميل يجب أن أرسله قبل أن نخرج، بحثت عن اللاب توب حيث أضعه على الطاولة لم أجده، صعدت إلى الأعلى، بحثت في الغرفة.. لا أثر للاب توب أو حقيبته، أثناء بحثي نظرت إلى العلبة حيث نحتفظ بالمفاتيح، فلم أجد مفتاح السيارة، تعاظمت الشكوك داخلي.

أخذت مفتاح السيارة الاحتياطي من مكانه السري، ثم نزلت إلى الجراج فلم أجد السيارة. أدركت ما حدث، صعدت مهرولًا إلى أعلى، وأنا اضغط زر الاتصال بـ911.

 

2

استقبلت موظفة الطوارئ اتصالي. أخذت كل المعلومات ثم وعدت بإرسال الشرطة. تواصلت ياسمين مع مايكل صديقنا والمحامي الجنائي، بعد دقائق كان هو وصديقته ماري في منزلنا وقد أتوا بصحبة طعام إفطار وابتسامة مطمئنة. لولا وجودهما لارتكبت الكثير من الأخطاء، أو غرقنا في حالة فزع دون قدرة على الرؤية بوضوح أو التفكير فيما يجب أو لا يجب.

يحمل مبنانا اسم «The Lucy.» في مقابله يقع مبنى المحكمة الفيدرالية وهناك تأمين دائم حولها. في المبنى نفسه لدينا عدد من الكاميرات الموزعة في الممرات، لكن يمنع القانون تركيب كاميرات تكشف المنزل لأنه اعتداء على الخصوصية. أول ما فعلته مع مايكل، نزلنا بصحبة جارنا «درو» مالك المكتبة في الدور الأرضي والذي لديه مفتاح لغرفة المراقبة حيث الشاشات والهاردات.

على الشاشات كل شيء واضح ومسجل، اللص رجل أبيض بذقن كبيرة، دخل المبنى الساعة الخامسة فجرًا. نراه يتمشى في راحة واطمئنان ثم يتجه لشقتنا، لا توضح الكاميرات كيف فتح الباب، لكن نراه بعد بضع دقائق يخرج منها بحقيبة سوداء ثم يذهب للجراج، يركب سيارتنا ويديرها، يحرك السيارة ثم يعيد إيقافها في مكانها، ثم يخرج من المبنى على قدميه، يغيب لحوالي عشر دقائق ثم يعود ومعه هذه المرة كوب قهوة ورقي. 

يدخل شقتنا، ثم نراه يخرج حاملًا أكثر من حقيبة، يركب سيارتي، يفتح الجراج بالريموت الموجود داخل السيارة، يخرج من الجراج، ويختفي عن الكاميرات.

 

3

في المنزل أسير أنا وياسمين نبحث عمّا لا نعرفه، ما الذي سرقه؟ ما المختفي من المنزل؟

هناك أشياء ومقتنيات بلا قيمة مادية كبيرة اختفت، صورة عائلية على الحائط، صور أخرى لياسمين وسينا، لعب أطفال من لعب سينا. حتى بعد أكثر من شهر على الحادثة ما زالت اكتشف أشياء صغيرة ضائعة ولا أعرف هل سرقها اللص، أم أنها ضاعت مني في مكان ما.

مايكل صديقنا المحامي، قال إن هذه الأشياء الشخصية يتم بيعها أحيانا للصوص الهويات، حيث يستخدمون الصور واسمك وبياناتك ورقم ضمانك الاجتماعي وأي تفاصيل أخرى في استخدام هويتك لأي عمل غير شرعي أو لسرقة هويتك الإلكترونية، وحساباتك على الإنترنت والبنوك.

نصحنا بضرورة تغيير كلمات السر وتأمينها، لكن لم يعد لدينا أجهزة كمبيوتر لعمل ذلك، وليس لدي سيارة حتى لأذهب لشراء واحد.

لكن شكرًا لماري صديقة مايكل قررت منحنا سيارتها لاستخدامها حتى تتضح الأمور.

 

4

وصل أول وآخر ضابط شرطة بعد حوالي 40 دقيقة من الابلاغ، كان شابًا يرتدي ملابس الشرطة الرسمية بكامل العدة. يمثل ما يطلق عليه هنا رجال الدورية، أو المعادل الموضوعي لأمناء الشرطة في مصر، مع فارق مستوى التعليم والتدريب والتسليح.

أخذ الملاحظات في «نوت بوك» صغير بحجم كف اليد، في كتفه هناك كاميرا صغيرة معلقة، صوّر بها الفيديوهات التي تظهر تفاصيل الاقتحام، ومن ضمنها صورة وجه الرجل (أو هكذا اقنعنا). استمع إلى أقوالنا وكاد أن ينصرف، قبل أن يقترح عليه صديقنا المحامي استدعاء فريق الأدلة الجنائية لرفع البصمات، خصوصًا وقد ترك اللص كوب قهوة ورقي وعقب سيجارة محترق، بتململ قام الضابط بالاتصال بالقسم والإبلاغ وجلسنا ننتظر وصولهم، بينما أوقع له على بعض الأوراق.

في الأثناء، ألمح الضابط الشاب (للمفارقة كان اللص رجل أبيض والشرطي أفريكان أمريكان) أن فريق الأدلة الجنائية لن يأتي غالبًا، اليوم، الأحد، ولديهم في العادة شخص واحد فقط هذا اليوم، ثم أشار بيديه في الهواء وقال ما معناه «ثم أنه الكريسماس، موسم السرقات واقتحام البيوت هناك الكثير يحدث في مختلف أرجاء المدينة».

انتقل الحديث بعد ذلك إلى ميزانية الشرطة، بعد بضعة أشهر هناك انتخابات على منصب «الشريف»/مدير شرطة المدينة، وألمح الضابط الشاب لخطة أحد المرشحين الطموحة لمضاعفة ميزانية شرطة المدينة لكي يكون لدينا فريق أدلة جنائية أنشط وأكبر حجمًا. بعد دقائق، تلقى اتصالًا من القسم، قال إنه سيأخذ الأدلة معه وبنفسه. أعطيته كيس من أكياس حفظ الطعام وضع فيه الكوب وعقب السيجارة، انصرف وهو يخبرنا أن أحد المحققين سيتصل بي قريبًا لمتابعة ملف القضية.

 

5

تموَّل أجهزة الشرطة المحلية من ضرائب الولاية أو المدن، بالتالي فلا توجد وزارة داخلية مركزية مثل مصر أو غالبية دول العالم. يتم انتخاب المسؤولين الكبار في جهاز الشرطة من سكان المدينة، ويحدد مجلس المدينة التشريعي المنتخب ميزانية الجهاز.

في السنوات الأخيرة، وردًا على عنف الشرطة تجاه الأقليات والمهاجرين والسود، طالب البعض بتخفيض ميزانية وتسليح أجهزة الشرطة بحجة أن العنف والجريمة في المجتمع هما رد فعل لعنف الشرطة، وتوجيه هذه الأموال لخدمة المجتمع، واستبدال ما ينفق على بناء السجون ببناء المكتبات، وتوفير الوظائف، ودعم برامج التضامن الاجتماعي، كأدوات اجتماعية جذرية للقضاء على الجريمة والعنف. أكثر من 20 مدينة كبيرة في كافة أنحاء أمريكا خفضت ميزانية أجهزتها الشرطية بشكل حاد، خاصة بعد مظاهرات «جورج فلويد».

في حديثنا العابر، وحين لاحظ ضابط الشرطة تبرمنا من عدم حضور فريق الأدلة الجنائية وتعامله مع الموضوع بخفة (غالبًا لا يتحركوا إلا إذا كانت جريمة قتل) كان يشير إلى الانتخابات القادمة على طريقة «أبجنى تجدنى». لكن هدف أمين الشرطة ليس الـ200 جنيه في جيبك، بل الـ200 مليون دولار في جيبنا، وصوتك الانتخابي.

 

6

كل شيء في المنزل يحمل آثارًا غير مرئية للاقتحام، ننظف ما هو نظيف بالفعل، لأننا نتخيل بصمة يده علي كل شيء. تحدثت مع إدارة المبنى في ذات اليوم وأصررت على تغيير قفل باب الشقة وتركيب آخر حديث، يعمل إلكترونيًا بلا مفاتيح، اشتريت وتدًا نحشره بين الباب والأرض من الخلف فيغلق الباب من الداخل، حتى الآن في الليل تداهمنا نوبات من القلق، واستيقظ للتأكد من إغلاق كل الأبواب.

عرض علينا أصدقائنا استضافتنا ليوم أو يومين إذا أردنا مغادرة المنزل، رفضنا بشكل قاطع «لن أغادر المنزل بسبب هذا المجرم، ثم أن مغادرة المنزل قد تأتي بأثر عكسي على سينا وتلاحظ أن شيء ما ليس على ما يرام».

بعدما بدأنا نتجاوز الصدمة، بدأت التهاني بالسلامة تصلنا. لاحظت سريعًا أن كل الأصدقاء الأمريكان الذين أعرفهم، أو المقيمين في أمريكا جميعهم تعرضوا للسرقة مرة واحدة على الأقل. جارتنا قالت إنها تعرضت ثلاث مرات للسرقة في ثلاث ولايات ومدن مختلفة عاشت فيها. جميعهم أكدوا أن اللص أحمق لأنه سرق السيارة لأنها ستكون الخيط الذي سيصلون إليه عبره. موظفة شركة التأمين على السيارة قالت إن سياسة الشرطة هي الانتظار لمدة أسبوعين إذا لم تظهر السيارة فسيرسلون تقديرًا لقيمتها وإذا وافقت يتم تحويل الفلوس في نفس اليوم إلى حسابي البنكي، شرحت على الهاتف أن معظم السيارات تظهر خلال أسبوعين، وخلال هذه المدة ستوفر شركة التأمين سيارة يمكننا استئجارها إذا أردت.

 

7

بعد يومين من الحادثة دق جرس الباب، وجدت مدير المبنى بصحبة محقق شرطة أبيض وأصلع، أول سؤال سأله لي: «كيف تظن أن اللص دخل إلى منزلك؟» اندهشت من سؤاله العبقري وقلت: «لا أعرف، لم أقتحم منزلًا ليس منزلي سابقًا».

بعد حوار قصير لم يتجاوز الثلاث دقائق، ختم حديثه بعدة نصائح عن ضرورة التأكد من غلق الباب قبل النوم. ثم سألني إذا كان لدي الرقم المسلسل/«سيريال نمبر» لجهازي اللاب توب. قلت ليس لدي لكن بإمكاني البحث، قال إن ما يحدث أن اللصوص يذهبون لمحلات الرهن المنتشرة في أرجاء المدينة، ويرهنون ما يسرقونه هناك، وبالرقم المسلسل يمكنه البحث ومسح محلات الرهن لمعرفة إذا كان الجهاز لديهم أم لا.

أضاف أيضًا أن السيارة تم إدخال بياناتها على «السيستم» وستظهر قريبًا بالتأكيد، فهناك شبكة من الكاميرات، بل وسيارات مسح تجوب الشوارع تابعة للشرطة لالتقاط أي سيارة مسروقة أو جاري البحث عنها.

 

8

القبضة الأمنية والقدرة على المراقبة والسيطرة والنفاذ إلى المعلومات في أمريكا لا جدال فيها، ورغم الحروب الدعائية فلا خلاف كبير في هذا المستوى بين الصين وإنجلترا وأمريكا. العالم كله يتجه نحو المراقبة الشاملة، لكن السؤال الذي يحكم قدرة القبضة الأمنية على التغلغل والفعل والتأثير هو عنصري التكلفة المالية، والسلطة القضائية.

ففي الصين مثل مصر مركزية تمويل الشرطة، تجعل تمويل عملياتها أشبه بميزانية مفتوحة، الباشا يطلب والدولة تنفذ وكلنا يجب أن نقف خلف باشا مصر، حتى لو جعنا فلا نعمة تعادل الأمان. في أمريكا باستثناء المباحث الفيدرالية تمويل الشرطة محلى، وحدود نفوذ وسلطة كل جهاز محدودة بحدود مدينته أو ولايته. لدينا مثلًا في نيفادا مناطق وأراضي خاص بالسكان الأصليين، سكان هذه المناطق من أهل أمريكا الأصليين لا يدفعون ضرائب، ولديهم سلطاتهم الأمنية ومحاكمهم الخاصة، لا تتدخل المباحث الفيدرالية إلا في حالات القتل.

بالتالي يعمل التشريع واستراتيجيات رفع كفاءة الجهاز الأمني على محورين؛ الأول تخفيض تكلفة الأمن باستخدام التكنولوجيا والتوسع في الاعتماد عليها، شبكة معلومات قوية عابرة لحدود المدن والولايات.

هكذا في ثالث يوم بعد حادث السرقة تلقيت مكالمة تليفون من مأمور قسم شرطة مدينة صغيرة في كاليفورنيا، يخبرني أنهم عثروا على سيارتي، وبداخلها «لاب توب» واحد. وقبضوا على اللص.

معجزة، في حياتي كلها 36 عامًا على هذه الأرض لم أفقد شيئًا سواء ضاع أو سرق، وعاد لي مرة آخرى.

في مصر تعرضت مرتين للسرقة، المرتين على طريقة التثبيت، يمتلك اللص في مصر شجاعة المواجهة يظهر لك بوجهه وفي قلب الشارع والمرتين في عز النهار، يشهر السلاح ويطلب بكل أدب «أي فلوس علشان جعان». في أوروبا تعرضت مرة للنشل في إيطاليا بخفة يد سرق المحفظة ولم اكتشف اختفائها إلا بعد ساعات. ضابط الشرطة استقبل بلاغي بحماس وقال إن لديهم اتفاقية تعاون مع الشرطة المصرية ويمكنني أخذ المحضر الإيطالي واعتماده في قسم الشرطة في مصر لكن غالبًا المحفظة وما فيها لن يعودا، هنا ضباط الشرطة وبقية الأصدقاء كانوا يتحدثون بثقة أن ما سرق سوف يعود، والأهم معالجة الأثر النفسي.

أخبرني صديقي الشاعر والمجرم السابق بأنه كان في السادسة عشر من عمره حين اكتشف أنه يستحيل أن تسرق أي شيء الآن في أمريكا لأنه لن يمكنك بيعه وغالبًا سيتم القبض عليك وأنت تحاول بيعه، كل هذا بفضل نظام شبكات التوثيق والمراقبة الأمنية الحديدية.

 

9

فعليًا يبدو العمل الشرطي في أمريكا أقرب لعمل «مدخلي البيانات». أصلًا الالتحاق بجهاز الشرطة هنا لا يتطلب سوى تدريب لا يستغرق أكثر من بضعة شهور. النظام الذي يتجسد في مجموعة من الكاميرات وأجهزة الكمبيوتر والسيرفرات والشبكات هو الشرطة الحقيقية، أما رجل الشرطة البشري فكل ما فعلوه هو جمع المعلومات عبر سؤالي، وإدخالها إلى الشبكة التي تراقب الجميع وتحدد موقع المشتبه به، ثم تعطي تعليمات القبض عليه.

يتوسع النظام الأمريكي في استخدام الخوارزميات في المعاملات القضائية. في بعض الولايات وفي بعض القضايا الآن بعد القبض على المتهم تتولى الخوارزميات محاكمة المتهم وتحديد مصيره. في ولايات كثيرة مثلًا أحكام الإفراج المشروط والمراقبة تحددها الخوارزميات، وهي التي تقول هذا الشخص عليه أن يسلم نفسه كل مساء لقسم الشرطة أو كل أسبوع أو كل شهر.

 

10

استعدنا السيارة وجهاز اللاب توب، هناك جهاز لا يزال مفقودًا. تخلص اللص من كل الأوراق ودفتر اليوميات والوثائق الحكومية التي كانت في الحقيبة، أهمها شهادة الإعفاء من التجنيد، التي لم أتخل عنها أبدًا مثل أي ذكر مهاجر عالق في عالم الأوراق والدفاتر القديمة، بينما المستقبل شبكة أمن وأمان تحيط بك من كل اتجاه، تغلفك الخوارزميات من كل صوب.. لكن ذلك لا يمنع نوبات القلق، والخوف، والاستيقاظ في وسط الليل.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).