تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

في ذكرى “يناير”: تدوينة: الثورة اللي فاتتني.. وعنبر العسكري

يارا سلام
4 دقيقة قراءة

في نفس اليوم كل سنة بتجيلي نفس الأفكار؛ ما عنديش أي ذكريات أشاركها. في كل مرة أبقى قاعدة مع أصدقاء بيفتكروا بحنين لحظات السعادة والانتصار بابقى أنا ساكتة؛ علشان ما عنديش ذكريات عن الفترة دي مشتركة معاهم.

في الـ١٨ يوم كنت قاعدة في جامبيا باتفرج على الثورة من التليفزيون. لما خلصت الشغل اللي كنت باعمله برة رجعت في مارس ٢٠١١، وقتها صديق بعتلي يقولّي: "فاتتك الثورة". كان فيه ناس كتير قطعت إقامتها خارج مصر ورجعت خلال الـ١٨ يوم علشان تبقى موجودة وما تفوتهاش الثورة. مش عارفة إيه اللي خلاني ما أرجعش وقتها زي باقي الناس، توصلت في النهاية إلى إن قراري بعدم الرجوع كان نتيجة مجموعة من الظروف الشخصية، وأقنعت نفسي بحجة أي كلام، إنه يمكن لو كنت حضرت الفترة دي كان حصلي حاجة، كنت اتصبت أو مُت. قلت لنفسي: كل حاجة بتحصل لسبب ما مش لازم أفهمه دلوقتي.

لما رجعت قعدت كام شهر عقبال ما استوعبت اللي بيحصل، وأوقات كتير حسيت إني غريبة في وسط أهلي وأصحابي اللي جمعتهم حالة مشتركة صعب حد يفهمها إلا اللي مر بيها. بعدين عديت بأيام فهمت فيها ليه كنت حاسه إني غريبة، أيام افتكرت فيها إن الدنيا لازم تقف عند اللحظة دي. أول مرة شميت غاز، أول مرة جريت من العساكر، كلها لحظات كانت غريبة عليّا، وغالبًا فيه حاجة مشتركة اتخلقت وقتها بيني وبين كل اللي كانوا موجودين معايا ساعتها، ما حدش هيفهمها غيرنا حتى لو إحنا ما نعرفش بعض.

الشارع والغاز والجري مساحتنا المشتركة الكافية للتعارف ولخلق تجربة حميمية مشتركة. أول مرة شُفت مدرعة كانت وأنا باحاول أروح ماسبيرو في أكتوبر ٢٠١١، وأول مرة أدخل الكاتدرائية كان وقت عزاء شهداء ماسبيرو. أول مرة أحس إن الدنيا لازم تقف كان وأنا وصديقة السكن بنجري وسط الغاز في شارع محمد محمود في نوفمبر ٢٠١١، وأول مرة أحس بضآلتي كان وأنا باحضر التحقيقات مع واحد من المتهمين المقبوض عليهم في محمد محمود، كان بيشتغل نقاش، وهو بيتكلم مع وكيل النيابة عن الثورة. أول مرة أشوف أشخاص متعرضين لتعذيب كان وأنا باحضر التحقيقات مع المقبوض عليهم في فض اعتصام مجلس الوزراء في ديسمبر ٢٠١١. كم من لحظات الـ"أول مرة" ما يكفيش إني أحكيهم هنا.

من ساعة ما رجعت فضل عندي إحساس بالذنب إني ما رجعتش، وملازم له إحساس إني فعلا "فاتتني" الثورة، ومهما نزلت في مظاهرات ومسيرات فضلت برضه حاسه بالدين الخاص بتحدي النزول لأول مرة بشكل جمعي.

كل مرة كنت بانزل كنت باحس إني قادرة أشارك بسبب شجاعة اللي نزل في الـ١٨ يوم. إحساسي بالذنب والدين قَل شوية بعد ما اتحبست، حسيت إني خلاص باسدد دين قديم عليّا، وبادفع تمن مفروض أدفعه طالما قلت إني مآمنة بأهميته. أنا عمري ما كنت بانزل كل مسيرة أو كل مظاهرة. كنت دايمًا عارفة إن المشاركة ليها تمن، والتمن بيبقى ما بين الحبس أو الإصابة أو الموت، وكنت دايما معتقدة إن الإفلات من دفع التمن ده حظ لا يمكن الاعتماد عليه.

لغاية النهارده شايفة إن المكسب الرئيسي اللي طلعنا بيه من الثورة هو حقنا في التواجد في الشارع، واللي استخدمناه إحنا، والناس اللي ضدنا استخدموه برده. وعلشان كده كنت مقررة إن أي مظاهرة لدعم معتقلي الرأي هي اللي تستحق التمن. حسيت إن لو حقنا في التواجد في الشارع اتاخد مننا يبقى مفيش حاجة فضلت.

دلوقتي اللحظة مختلفة. حاجات كتير اتغيرت عن آخر مرة كنت في مسيرة أو مظاهرة. طول الوقت وأنا في القناطر كان بيتقالّي "الوضع اتغير، انتي مش فاهمة". رجعت تاني حاسه إني غريبة. طلعت من السجن بعد ١٥ شهر منفصلة عن كل التغيرات اللي حصلت في مصر حتى لو كانت في أخبار بتوصل في الزيارات. طلعت لقيت الأماكن اللي باحبها قفلت، والشوارع اتغيرت، والناس تعاطيها مع الأحداث اختلف، ورجعت غريبة مش فاهمني غير رفيقات عنبر "العسكري" اللي شاركنا مع بعض متابعة أخبار ٢٥ يناير السنة اللي فاتت من على الراديو. رفيقات العنبر اللي على اختلاف رؤيانا اتفقنا على إيماننا بالثورة. كل واحدة فينا شايفة إن اللي لازم يتعمل كذا، بس مفيش اختلاف على أهمية الثورة في حياتنا وفي تشكيلها للحظات مهمة فيها. الثورة غيرت فيّا، وغيّرت رؤية ناس كتير لنفسها، وشكلت علاقات كتير ما كانتش هتبقى كده من غيرها. وعلشان كل لحظات الـ"أول مرة" الثورة مستمرة. مستمرة برغم اللحظة اللي إحنا فيها دلوقتي.

الثورة مستمرة علشان فيه حاجات كتير لسه لازم تتعمل، يمكن بشكل مختلف بس لسه لازم تتعمل. يمكن الأولويات والأدوات اللي استخدمناها في الخمس سنين اللي فاتوا ما ينفعوش دلوقتي، ويمكن لازم نقبل بثقل اللحظة اللي بنعيشها دلوقتي، واللي هي سقف طموحها بقى إن الناس ما تتخطفش ولا يقتحموا عليها بيوتها، لكن ثقل اللحظة الحالية مش هينسيني اللي عشته الخمس سنين اللي فاتوا. مش هنسى إحساسي بالثورة ومش عايزة أنسى علشان التمن اللي دفعه كتير مش من حقى أتسامح فيه. الثورة مستمرة مهما قاوموا. الثورة مستمرة علشان إحنا نستحق حياة أفضل، ونستحق نعيش حياة سعيدة بكرامة وحرية، ونستحق نتعلم إزاي نخلي بلدنا أحسن.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
سناء سيف

تدوينة: ابن موت

«هكذا ينفذ براح الذات، هكذا مات شادي.»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).