تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

فانتوماس و الوطنية المصرية: قراءة ساخرة

أشرف الشريف
3 دقيقة قراءة

شخصية فانتوماس في فيلم مطاردة غرامية، إنتاج سنة 1968، و التي أداها الفنان حسن مصطفى كنت أراها دائما تعبيراً درامياً كوميدياً عن تيار ما بعد الحداثة (كانت سنوات صعوده في هذه الفترة قبل أن يضمحل تدريجيا و يخفت تأثيره في دوائر الفكر و البحث الغربية الآن).

فهو بلا جنسية أو هوية واضحة و اسمه و هيئته -و إن كانا غير مصريين بشكل قاطع- لكنهما يحتملان انتماءات عديدة لا حصر لها. بل إنه يستخدم أسماء أخرى أثناء الفيلم و قد ذكر صراحة على لسان أبطال الفيلم أنه أتى من بلد لا يعرفه أحد منهم. و فانتوماس بلا مشروع إنساني و بلا تصورات أخلاقية مطلقة، لكنه يرفع راية المتع الصغرى التي يجب أن يسعي وراءها مخدومه منير (فؤاد المهندس) في علاقات نسائية عشوائية الطابع، لا يجمعها ذوق أو ميول محددة، و لا تبدو آفاق محددة لهذه العلاقات سواء كانت آفاق إيروتيكية أو عاطفية أو اجتماعية. و تدور العلاقات مع مضيفات طيران ينتمين لجميع جنسيات العالم، و يتعاملن مع شقة منير و كأنها صالة ترانزيت يتبادلن معه فيها تبادل عاطفي شديد السيولة، و لكنه يبقي مبهم و غير مفهوم.

بل إن فانتوماس جعل منير يتعلق بأحذية النساء لا بأجسادهن أو شخصياتهن في تطبيق عملي لما تكلم عنه "الما بعد حداثيون" من اغتراب الإنسان عن ذاته في ظل عمليات الحداثة، و تشيئ رغباته الواعية و اللا واعية و هو و إن كان يستفيد مادياً من إبقاء منير في هذه الدوامة، إلا أنه يمتلك شغفاً حقيقياً بهندسة علاقات منير و يستمتع بشكل خاص بأداء هذه المهمة بل، و يبلغ ذروه تألقه حين ينجح في استقطاب الطبيب النفسي (عبد المنعم مدبولي) ممثل النظرية النقدية ذات المقولات الكبرى ذات المفاهيم المتمايزة أرسطياً ("انا مش قصير قزعة، أنا طويل و أهبل")، و لكنها مهزومة مقدماً بسبب حرمان الدكتور خشبة العاطفي (المعادل لعدم التحقق الإنساني و السوسيو-اجتماعي للأنساق التحررية و النقدية الكبري) فيستقطبه فانتوماس إلى داخل نفس الدائرة.

و أعداء فانتوماس الألداء هما منى حبيبة منير (شويكار) و صديقه سامي (محمود عزمي) ممثلا تيار الوطنية المصرية و الانتماء القومي الهوياتي (خطاب الهوية الوطنية لدولة ما بعد الاستعمار في مصر) الذي ذكر صراحة- علي لسان سامي- أنه بعيداً عن مدى التعاطف مع إخلاص أو خيانة منير لمنى، لكن هي و سامي لن يرضيا أن يصير "ابن بلدهما" لعبة في يد الأجانب و عملائهم (في إشارة لفانتوماس). و ربما تكون هذه النقطة تحديداً (فانتوماس كتعبير عن خطر الاختراق الخارجي و بالأخص الاختراق الصهيوني و الإمبريالي) هي التي ألحت على أذهان صناع الفيلم وقت إنتاجه في فترة ما بين حربي 67 و 73 في مصر.

و فانتوماس -مهما كان حماسه لمتعته الخاصة في هندسة علاقات منير و خلق هذا العالم الغريب- يبقى بلا مشروع كلي و بلا مطلقات تستدعي النضال و التضحية فهو لا يصمد طويلا أمام هجوم سامي و مني عليه و يتجنب خوض أي معارك تتطلب مجهودات كبيرة، بل يُفضل الرحيل و يرفض كل دعوات منير للبقاء و الصمود و يحمل حقيبته و مظلته و يترك المنزل و يقف في محطة أتوبيس هزلية في شارع خال من البشر بحثاً عن متعة جديدة في موقع آخر. و عندما يسأله الدكتور خشبة "طب إنت رايح فين دلوقت؟"، فانتوماس يجيب "إلي عالم آخر و زمان آخر". فيرد الدكتور خشبة "أيوه تمام.. بس يعني فين يعني؟". جدل ديريدا و هابرماس...

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).