عن الفخر والحداد في بلادنا
ترجم هذا النص عن موقع frieze
بالرغم من إعلان إنتهاء الحرب الأهلية اللبنانية رسميًا سنة 1990، بعد 15 عامًا من الصراع، استمرت التوترات في تقسيم المجتمع على المستوى الطبقي والطائفي. في بيروت، حيث بقيت التركيبة السكانية لأحياء مختلفة بلا تغيير واسع، استخدمت الميليشيات استنسلات الجرافيتي والملصقات السياسية على جدران المدينة لتبجيل أمراء الحرب وتعزيز الانقسامات الداعمة لسيطرتهم. باتت تلك الإشارات البصرية علامات مميزة لكل حي وانتمائه السياسي والطائفي، وبالتالي باتت علامة على من كان محل ترحيب ومن لم يكن كذلك.
شهدت فترة ما بعد الحرب تحول نفس الجدران لمساحة لنقاشات سياسية واجتماعية متنوعة: انتقادات مُجهلة للفساد الحكومي، خطاب مضاد للطائفية، شعارات نسوية ومناهضة للعنصرية، نداءات بتجنيس اللاجئين الفلسطينيين وأجندات أخرى شجعت المارة على تخيل هويات جديدة بإمكانها مقاومة الطائفية الطاغية.
في خريف 2007، وبين ملصقات رجال الميليشيات المسلحين وصور مرشحي الانتخابات التقليدية، انتشر جرافيتي يظهر رجلًا يقول: «بحبه». جرافيتي يستميت ليخلق مساحة بين هويات المدينة المتصارعة لكنه مُروَعًا من اضطهاد البنية الاجتماعية والقانونية اللبنانية، التي تجرم الرغبة الجنسية المثلية منذ ذلك الحين وحتى الآن.
حينها، كانت المقاومة المجهلة المآل الأول للطالب ذو التسعة عشر عامًا وشركائه المسؤولين عن الجرافيتي.
بينما وجدت الهويات الأخرى المعلقة على الحائط مساحة للتمثيل في الإعلام والسياسة والثقافة اللبنانية، بقيت هوية صاحب الاستنسل مُتجاهُلة. إن الإخفاء والطمس تقنيات مستخدمة من قبل الرأسمالية الغيرية والأبوية لعزل نفسها عن بدائلها. أعلم هذا لأنني كنت ذلك المراهق، والجرافيتي كان طريقتي في الخروج من الخزانة. في الأسابيع القليلة التي سبقت محو الاستنسلات من الحائط، كانت منطقة رأس بيروت ملكي. لقد ربح الكويريون الحرب الأهلية.
بعد بضعة أشهر وعدة استنسلات، وجدت نفسي أواعد طالب تصميم جرافيك من جامعة مجاورة أكبر مني سنًا، والذي شرع في كتابة أطروحته عن فن الشارع في بيروت. وعدني بأن يُريني استنسلات لم أعلم بوجودها، أخذني لزقاق ضيق في أحد شوارع الحمرا الجانبية وقادني إلى شجرة ياسمين ضخمة. ثم رفع الأغصان العطرة المعلقة ليكشف عن استنسلاية صغيرة، صممتها جنى طرابلسي، مكتوب فيها: «شم الياسمين غير مسموح به».
أصبح هذا الرجل أول رجل يكسر قلبي، وهذا الاستنسل أوحى بكلمات «شم الياسمين»، أغنية كتبتها وأصبحت معروفة باعتبارها «أول أغنية حب كويرية من العالم العربي»- أيًا كان ما يعنيه ذلك.
لاحقًا في 2017:
الآن عمري 29 عامًا، وقد استبدلت المجهولية بالروك أند رول، أقف على مسرح في القاهرة، بجانب ثلاثة من أفضل الموسيقيين في الشرق الأوسط، أمام جمهور مكون من 35 ألف شخص. معًا نُشكل فرقة مشروع ليلى. أثناء الأداء، الفرقة وأنا ننظر لبعضنا البعض بشكل مستمر ونضحك، فبالرغم من تجولنا بالعالم طوال العقد السابق، كانت هذه الحفلة تحديدًا: الجمهور يغني معنا كلمة بكلمة بصوت عالي جدًا لدرجة أننا لم نستطع سماع أنفسنا ونحن نلعب الموسيقى.
الهواء متشبع بالحب والهجر. ثم، إليكم ما حدث: اثنان في أجزاء متفرقة بين الجمهور يصعدان على أكتاف أصدقائهما ويرفعان أعلام قوس قزح. الجمهور يحتفي. (عادةً ما لا يُحكى هذا الجزء من القصة؛ الاحتفاء). فهم بالنهاية يستمعون لفرقة يتصدرها شخص مُعلن كويريته. لباقي الليلة، نشعر جميعًا بالأمان. جميعنا مرئيون. جميعنا محبوبون. هذان الشخصان هما سارة حجازي وأحمد علاء، ولليلة واحدة كانت القاهرة ملكهما. لقد ربح الكويريون الربيع العربي.
كان الأسبوع التالي ضبابيًا. في الصباح التالي على الحفلة، ونحن في طريقنا إلى المطار، بدأت تصلنا تقارير عن امتعاض في الإعلام. حمّلنا حقائبنا، ثم سمعنا شيئًا عن إصدار مذكرة حبس لفرقة لبنانية. صعدنا على متن الطائرة، أقلعنا وأمضينا الخمس ساعات التالية في صمت إذاعي. عندما هبطنا في مطار شارل دي جول في باريس، علمنا بالقبض على الراقصة الشرقية ليموندا بسبب ادعاءات حول صلتها بالفرقة. ثم بدأنا رحلتنا إلى نيويورك. عند وصولنا لمطار JFK، قالت محطات الأخبار المصرية إن آلاف من الشواذ اجتمعوا من أجل حفلة جنس جماعي ذات طقوس شيطانية في قلب القاهرة، وأن الأزهر أصدر فتوى.
تتطاير التهديدات بالقتل والشتائم في كل مكان. ثم تأتي الاعتقالات: اعتُقِل 75 شخصًا على مدار أسبوع. قُبِض على بعضهم بعد الذهاب لمواعيد غرامية وهمية أُعِدت من قبل ضباط شرطة متخفين. ثم هناك سارة وأحمد. تُدَوَر صورهما حاملان أعلام قوس قزح أثناء الحفلة على مواقع التواصل الاجتماعي، كدليل على القوى الفاسدة المُهدِدة بغزو مصر. (تُصَوَر الكويرية في الوطن العربي عادةً كتهديد خارجي، يأكل قلب الأخلاق العربية المعصومة من الخطأ من الخارج إلى الداخل).
يظهر بعض حضور الحفلة المزعومون، يؤكدون أنها كانت حفلة جنس جماعي شيطانية. الأخبار المزيفة في كل مكان. يطلب منا نشطاء على الأرض في مصر ألا نصدر أي بيانات خوفًا من احتمالية تأجيج الوضع. تستمر الاعتقالات لأسابيع؛ قصص التعذيب لا تنتهي.
سارة، على وجه الخصوص، تعرضت لوحشية لن يفهمها إلا القليل منا. فقد جسدت كل شيء بُني مجتمعنا على إسكاته: امرأة كويرية، ناشطة، وشيوعية قد خلعت حجابها. تحدثت. وبسبب حديثها، عوقِبَت بقسوة. خلال اعتقالها طوال ثلاثة أشهر، تعرضت للصعق الكهربائي بشكل متكرر، ضُرِبَت، اعتُدي عليها جنسيًا وعُذِبَت. وفي النهاية أُطلِق سراحها بكفالة وحصلت على لجوء سياسي في كندا. بعد ثلاث سنوات، في 13 يونيو 2020، وفي منتصف شهر الفخر، ماتت سارة منتحرة.
فقد الكثير من الكويريين العرب أحبابًا، وعائلات مختارة وأصدقاء ورفاق. ولكن موت سارة كان مختلفًا. اجتاح الحزن قلب المجتمع الكويري والشتات أسرع من الوباء، وصرنا نفعل ما فعلناه لأجيال: رثينا.
النظر لمن نرثيه هو أحد طرق فهمنا لمن نكون، ومن ينتمي لهذه الـ«نحن»، فكما تحاجج جوديث باتلر في حياة متداعية: قوى الرثاء والعنف (2004). في الحرب، لا نرثي أبدًا شهداء أعدائنا. بل نرثي موتانا فقط. الخطوط المرسومة في الرمل بيننا وبين الآخر هي نفس الخطوط التي تفصل قبورنا وتُحولها لساحات صراع على هوياتنا. من منا رثوا خسارة سارة علانيةً تلقوا سريعًا تهديدات بالقتل؛ آخرون وُصِموا بحزنهم، عُوقِبوا بآيات قرآنية وتذكيرات بأن الله سيرسلنا إلى الجحيم.
آخرون أُرهِبوا من قِبل الغوغاء الإلكترونية بصلوات قاسية حتى يلحق بها راثوها أو حتى لا يبدي الله لأرواحهم أي رحمة. يُقال لنا من نحن من خلال إعلامنا بمن هو غير المسموح لنا رثائه. بينما تستمر المعركة حول الرثاء، أقيمت عشرات المظاهرات والسهريات حول العالم على شرف ذكرى حجازي.
عودةً للقاهرة، بدأت مجموعة مُجَهَلة مُدونة ووردبريس تحت اسم «كويريون لا يستطيعون الحزن علانيةً (سلوان أهل العزاء». وصف المدونة بالعربية يقول: «المساحة دي مساحة لينا، مساحة بتنقل أصوات كويريين وكويريات بنحاول نوصلها لبعض وللعالم (..) شواذ وشاذات لا نملك رفاهية تغيير صورة البروفايل لفلتر ممكن يأثر على محاولات التخفي اللي مفروضة علينا عشان نعيش. مش قادرين نتكلم عن مساحة الحزن اللي بنحاول نخبيها من عيون الأهل والقريبين. بندور علي بعض ومش عارفين نتلاقى حتى ولو عشان نفكر بعض أننا حنكون بخير، أننا موجودين عشان ندعم ونحب ونسند بعض ونعيط ونحزن ونغضب في مساحات خلقناها غصب عن عين العالم.حنتكلم ونقول كل الكلمات اللي بنبلعها عشان حزننا ما يشاورش على شذوذنا (..) سارة مش مجرد اسم واحد ولا حالة واحدة».
في مراسلاتنا، كشفت لي إحدى مؤسسات المدونة أنهن لم يتخيلن أبدًا أنها سـ«تنفجر كما حدث». لقد كتبوا مسودة النص الأصلي وهم محبطين، ثم تلقوا سيل من الردود والكتابات. في الواقع، كانت الكتابات أكثر من أن تُنشر على مدار شهر، قالت لي إحدى مؤسسات المدونة «إنها تتحول لجيش صغير»، «هناك قوة في أن هذا الجيش بلا وجوه ولا أسماء، وأن كل شيء في صورته الخام».
متصفحًا عشرات المنشورات من الراثين في العالم العربي، مستكشفين ومتسلحين بحزنهم ورغبتهم، أتعرف على نفس المجهولية التي جمعت مجموعة من غير المغايرين جنسيًا، في أواخر التسعينات، على مجموعة ياهو سرية مسماة «مثليو لبنان». أعضاء هذه المجموعة، رواد قصصهم بقت غير محتفى بها، قرروا أخيرًا الالتقاء ببعضهم البعض وأسسوا أول شبكة لنشطاء الميم في المنطقة تحت اسم «نادي حر».
أتعرف على نفس المجهولية التي سمحت لي بإيجاد صوتي على جدران بيروت منذ 13 عامًا. المجهولية هي مساحة حدية للإمكانية الكويرية، بين الاختفاء الذي علينا احتماله للبقاء، والظهور الذي نحتاجه للعيش. هنا حيثُ نجد، ونُشفى ونحب بعضنا البعض كما فعل أجدادنا لأجيال. بينما لن يحكي العالم قصصنا، علينا أن نحكيها نحن، ولو خلف الأبواب المغلقة. بالخارج؛ الكتابات على الحائط: نحن هنا، لقد كنا دائمًا هنا. الكويريون سيربحون العالم.
آراء أخرى
إلى سارة التي سامحت من لا يستحق
«رفضت سارة النظام الأبوي والذكورية وانعكاساته الواضحة في واقعنا اليومي المعاش.»
ثلاث رسائل من أناركيي القرن التاسع عشر ومطلع العشرين
«بعد مرور ثمان سنوات، أطالع سير حياة وكتابات هؤلاء فأجدها تناصر روح ثوة يناير»
أشكال أخرى للعدالة: مناهضة العنف الجنسي في المجتمع المدني
«هل من السهل علينا أن نسعى للعدالة للناجيات في سياق العنف الجنسي في إطار المجتمع المدني؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد