تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن العنف و«المجتمعات الآمنة»: ماذا فعلت بنا شهادات العنف الجنسي؟

ريم عوني أبو زيد
16 دقيقة قراءة
عن العنف و«المجتمعات الآمنة»: ماذا فعلت بنا شهادات العنف الجنسي؟
A woman walks past a mural depicting anti-sexual harassment message and reading "Safe streets against harassment" at a highway in Cairo, Egypt, September 3, 2018. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh تصوير: رويترز/عمروعبدالله دلش

مثلهن مثل غيرهن، بالتجربة يتعلمن أن الشارع خطر. يعتادن الخطوات السريعة في الشارع، يتأهبن عند مرور ذكر بجوارهن في السوبرماركت أو المترو، حياة يومية من الخوف والتأهب وتوقع الخطر. لا أحد يستطيع العيش على مدار اليوم في تأهب، ولذلك يسعى البعض منا لتخيل دائرة آمنة، يتجسد الخطر في كل ما هو خارجها. 

في هذه الدائرة رجال، زملاء عمل وأصدقاء ورفاق، نثق في آرائهم التي تبدو داعمة لنا، نحترم عملهم ونسعى لهم من أجل الاستشارة والعمل المشترك، نكف عن التأهب في وجودهم، ثم تأتي الصدمة. تنفجر الدائرة فجأة كبالونة هواء، ويتضح أن الخطر كان بداخلها، وبعد الصدمة يأتي السؤال: هل كانت المشكلة في تصوراتنا نحن عن هذه الدائرة «الآمنة»؟ 

أعتقد أن هذا ما شعرت به صاحبات الشهادات التي نشرتها منصة «دفتر حكايات» مؤخرًا لتتهم أفرادًا من أوساط نخبوية بالعنف الجنسي. 

تشارك تلك الشهادات في موجات الحكي التي اجتاحت المجال العام لتكشف عن استغلال هؤلاء الأفراد للسلطة والمكانة الاجتماعية في أوساطهم للتعدي على فتيات أقل خبرة وسنًا بشكل متكرر. جَمَع عاملان أساسيان بين صاحبات الشهادات: إحساسهن بخيانة المعتدي لثقتهن فيه، ورعبهن من الحديث بشكل علني عن الاعتداء خوفًا من تكذيب وانتقام تلك الأوساط أو المجتمعات منهن. 

كلهن افترضن حسن النية والسلوك في المعتدين كونهم ينتمون لمجتمعات تُعرف بتقدميتها. أتحدث هنا عن مجتمعات صغيرة تُقدم لنا بصفتها النخبة الثقافية بين مجتمعات أوسع، في الفن والصحافة والعمل الحقوقي. هؤلاء الذين يدعون السعي لتغيير المجتمع الأوسع. أتحدث عن رواد صحافة الاستقصاء في الوسط الصحفي الأكبر، وعن السينما المستقلة في المجتمع السينمائي، وعن الحقوقيين وليس القطاع الواسع من المنظمات غير الحكومية. أولئك الذين يبحثون عن زوايا أكثر تقدمية وقيم تريد دفع المجتمع للأمام، والافتراض بأن تلك القيم انسحبت على أفرادها، هو سبب أساسي للصدمة والغرابة التي تتحدث عنها الشهادات. أتحدث عن صحفيات وسينمائيات وحقوقيات، ظنن جميعًا أنهن في مساحات آمنة وسط زملاء مهنة واحدة، أو وسط رفاق نهج سياسي واحد. 

من هنا يأتي الحديث عن مفهوم «المساحات الآمنة» للنساء في مجتمعاتنا، والتساؤل عن فرضية ارتباط الأمان بمجتمعات بعينها، وعن استغلال أفراد تلك المجتمعات لمكانتهم لممارسة العنف ضد النساء، والأهم، التساؤل إذا ما كان ممكن عمليًا بناء دوائر آمنة للنساء؟ 

يسعى هذا المقال للتفكير حول الأسباب التي جعلت من المجتمعات (المهنية، والمنظمة، والنخبوية) أماكن غير آمنة للنساء، آخذًا في الاعتبار الاختلاف البنيوي بين تلك الدوائر الضيقة ومجتمعاتها الأوسع، الذي يضع معايير أخلاقية واضحة، يقدمها هو الآخر باعتبارها قمعًا هدفه حماية النساء. ويسعى المقال كذلك للبحث في طرح تلك المجتمعات الضيقة لنموذج بديل للعيش دون وضع أي قواعد، وبالتالي وقوع أفراده بين الرغبة في التحرر والفشل في التخلص من آثار تقليدية المجتمع الأوسع، وهو وضع لا يخدم سوى الرجال في تلك المجتمعات. 

أسئلة عن العنف في مجتمعاتنا

تشابه رد فعل كل من تم الإشارة إليهم في الشهادات بشكل كبير، بغض النظر عن المجتمع الذي ينتمي إليه كل واحد. فأصبح الأمر عبارة عن تفاعل اعتيادي، صار جزءًا من دورة حياة الشهادات. تخرج الشهادة من خلال منصات التواصل الاجتماعي مُجهلة بدون ذكر اسم صاحبتها أو المعتدي، وبشكل لحظي يتم تداولها بشكل واسع ويتسع الحديث عنها في المجال العام حتى يخرج المعتدي طواعية لنفي ما لحق به. يبدأ النفي في التطور، الدفاع عن النفس، مذكّرًا بمكانته الاجتماعية وسط مجتمعه النخبوي، ثم التهديد والوعيد بتفعيل القانون ومقاضاة صاحبة الشهادة. يصمت في النهاية المعتدي حين تتوالى الشهادات تباعًا لدعم صاحبة الشهادة الأولى. تكرر هذا مع كل من الصحفي هشام علام والسينمائي إسلام عزازي والمدون الحقوقي وائل عباس بأشكال وطرق مختلفة. وكل هؤلاء بالمناسبة تطوعوا وكشفوا عن هوياتهم بأنفسهم.

هذا هو الموقف الفردي، وهو مفهوم في سياق محاولة الإفلات من الجريمة، ولكن هل اختلف كثيرًا رد فعل المجتمع المحيط؟ هل تصرف المجتمع المحيط هذا كـ«مساحة آمنة» حقًا؟

تتشكك الأدبيات النسوية من فكرة وجود مساحات آمنة للنساء، خاصةً في المجتمعات المغلقة مثل مجتمعنا المصري. وبالتالي، فالإجابة السريعة والبسيطة عن سؤال وجود المساحات الآمنة هي: لا، ليس هناك مساحات آمنة للنساء في مصر. وهو ما أظهرته موجة الشهادات الحالية، والتي بيّنت أن النساء معرضات للعنف الجنسي في كل مساحات حياتهن. سواء كانت طفلة في إطار الأسرة أو في المؤسسات التعليمية أو مراهقة في الشارع أو عاملة أو فنانة أو سياسية أو حقوقية. تعرض النساء للعنف الجنسي لا يرتبط بأي سياق ظرفي أو مكاني، النساء مُعرضات للعنف لمجرد وجودهن في مصر، ولا يحميهن طبقة اجتماعية ما أو مستوى تعليمي محدد. كل تلك الفرضيات هزمها المجتمع المصري.

ترى النسوية، سارة أحمد، أن المجتمعات المنغلقة والذكورية تسعى دائمًا للتطبيع مع العنف، وخاصة العنف ضد النساء، لتتعايش معه كظاهرة طبيعية تصبح مع مرور الوقت أمرًا واقعًا لا يستدعي التململ. هذا ما يجعل العنف الجنسي جزءًا لا يتجزأ من تجربة النساء في تلك المجتمعات، وهو الأمر غير البعيد عن تجربة العديد من المجتمعات النخبوية في مصر. يحدث هذا التطبيع من خلال اتفاق ضمني وغير معلن عن القيم التي تحكم العلاقات الاجتماعية، ويقود سلوك الفرد في داخل المجتمع وخارجه محتكمًا لموازين القوى غير المتوازنة بين الجنسين. في هذا السياق، أي تفاعل نسوي يُنظر له بعين الانتقاد، فهو يسعى لإزعاج هذا المجتمع بكشف تواطئه. وهو الأمر الذي يفسر العديد من ردود أفعال تلك المجتمعات تجاه الشهادات. 

تفسّر الفرضية النافية لوجود المساحات الآمنة طريقة تفاعل نقابة الصحفيين وعدد من المؤسسات الصحفية، المُفترض كونها «آمنة» مثل مؤسسة أريج، التي يتعامل معها هشام علام بشكل مهني، مع حملة الشهادات الموجهة ضده. فعلى الرغم من أن الشهادات اتهمت تلك الجهات ضمنيًا بخلق بيئة عمل عدائية للنساء، إلا أن ردود الأفعال تباينت بين التجاهل التام أو الشك في نوايا من ورائها، أو الاحتكام للقانون الجنائي والقضاء دون اتخاذ أي إجراء للتحقق من الوقائع المنشورة. في حالة علام، ومع انتشار الشهادات ضده، وبعد محاولته البائسة لتشويه مدونة «دفتر حكايات»، اختفى المتهم عن مجتمعه الضيق، بعد أن نفت «أريج» حدوث أي انتهاكات في أي من فعالياتها، ثم وعدت بإجراء تحقيق، لم نسمع عن بدئه حتى اليوم.

استمر هذا الوضع حتى هذه اللحظة. ومع غياب المحاسبة ومع خفوت موجة الشهادات ضده، قد يعود علام لممارسة مهنته بشكل طبيعي في أي وقت. 

هذه كانت طريقة تعامل المجتمع الصحفي مع أحد أفراده المتهمين بارتكاب جرائم عنف جنسي تجاه عدد واسع من النساء، مستغلًا مكانته كصحفي بشكل منهجي. لم تكن تلك أول مرة يُحبط المجتمع الصحفي محاولات الصحفيات الحديث عن العنف في مجتمعهم، فسبقتهم مؤسسة «دويتشه فيله» حين تحايلت على اتهام العديد من الصحفيات ليسري فودة بالاعتداء الجنسي عليهن، وعقدت له حفل وداع عند استقالته. 

لم يختلف رد فعل المؤسسات السينمائية بشكل كبير. في حالة المخرج إسلام عزازي، وعلى الرغم من الحملة المنظمة التي شهدت خروج عدد كبير من الشهادات المتتالية تتهمه بالاعتداء الجنسي على نساء بشكل متزامن مع الاحتفاء بمشاركته في مهرجان دولي، فإن إدارة مهرجان القاهرة لم تتعامل بالشكل المأمول مع ذلك، واكتفى منظموه بإلغاء الندوة الخاصة بفيلم المتهم، تلك التي كان من المفترض أن يظهر ويناقش فيها الجمهور، ولم يستجيبوا للمطالب بمنعه من حضور أي من فعاليات المهرجان، بل حتى أنه حضر الحفل الختامي، ليؤكد لنا أن جماعته تتعايش معه ومع الجرائم المتهم فيها بشكل طبيعي. هذا الأمر الأخير، هو بالضبط ما استغله المتهم لمصلحته، واستخدمه ليدفع الاتهامات عنه.

وكذلك، تفسر فرضية غياب أي مساحات آمنة للنساء تدافع البعض من المجتمع السينمائي للدفاع عن إسلام عزازي ضد الشهادات. وهنا أتحدث عن أفراد ذوي مكانة في الوسط السينمائي والثقافي، ومعروفين بمواقفهم السياسية التقدمية. هؤلاء وجدوا دورًا في الهجوم على أحد أهم آليات الحراك النسوي الحالي، والتشكيك في مصداقية الشهادات ودورها في الوصول للعدالة. حتى أن أحدهم قال إن الحراك النسوي هو محاولة اغتيال لمخرج مرموق بإلصاق التهم جزافًا في وقت يخرج فيه فيلمه المنتظر للجمهور، وهو الأمر الذي أضر، ليس به فقط، بل وجميع العاملين بالفيلم. فأصبحت الشهادات أداة اغتيال معنوي تستهدف أفراد المجتمع السينمائي بشكل جماعي، وبالتالي وجب الهجوم عليها. في حقيقة الأمر، حملت تلك ردود الأفعال خطابًا شديد الذكورية، يتنصل من الاتهامات الموجهة لإسلام عزازي وكأنما كانت موجهة لكل أفراد مجتمعه، وتقوم بمحاسبة الضحية على ظروف تعرضها للتعدي، وعن سلوكها حين كانت تحت تأثير الرهبة والصدمة مما فعله المتهم بها.

قد يفسر البعض أن ردود الفعل الفردية الدفاعية عن إسلام عزازي كانت بسبب الفارق الجيلي بين هؤلاء وبين صاحبات الشهادات، بل ومعظم القائمين على الحراك النسوي الحالي. على اعتبار أن هذا الفارق الجيلي جعل من الخطاب الراديكالي والآليات الحديثة التي يعتمد عليها الحراك أمرًا مبهمًا لهم، ولذلك لم يستطيعوا التفاعل معه بالشكل المناسب، وذلك قد يشفع لهم عدم قدرتهم على استيعاب دور هذا الحراك في فرز المجتمعات والتحدث عن حتمية تغيير المعايير القائمة وموازين القوى التي تعايشوا معها لسنين، وبالتالي شعروا بالتهديد من تلك الشهادات. لكني لا أتحدث هنا عن الشهادات ومصداقيتها في عيون هؤلاء، سواء الجهات المنظمة أو الأفراد. ولا أتحدث كذلك عن مسؤولية تلك المجتمعات في إقصاء المتهمين من أفرادها دون التحقيق والتدقيق. ولكن، أليس غياب المحاسبة بشكل مطلق، كما هو واقع، هو أحد خصائص المجتمعات المطبعة مع العنف؟

أشارت الشهادات أيضًا إلى غياب المساحات الآمنة للنساء في المجتمع الحقوقي. تأخرتُ في الحديث عن هذا، وفضلتُ فصل ذلك المجتمع عن غيره لسببين أساسيين، أولهما شخصي، فأنا منحازة بدرجة كبيرة لهذا المجتمع لارتباطي به بشكل سياسي وعضوي لسنوات عديدة. والسبب الآخر هو أنني أعتقد أن طريقة تعامل المجتمع الحقوقي مع الشهادات اختلف بشكل كبير عن غيره من المجتمعات. 

تفاعل هذا المجتمع مع شهادات تتهم عددًا من أفراده بممارسة العنف الجنسي على فترات متباعدة، كان آخرها شهادات «دفتر حكايات» ضد وائل عباس، فكان رد فعل المؤسسات المكونة لهذا المجتمع مُحبِط في بعض الأحيان ومقبول في أحيانٍ أخرى. أذكر من تلك الشهادات واحدة كتبتها صاحبتها وأرسلتها لعدد من الشخصيات الموثوق بهم عبر الإيميل، تتهم فيها الحقوقيين محمود بلال وخالد علي بالتعدي الجنسي عليها. كان ذلك قبل تطور آلية الشهادات وخروجها بهذا الشكل المنظم عبر منصات معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي. تحدثت تلك الشهادة عن وقائع الاعتداء التي تعرضت له صاحبتها، وتلوم عددًا من المؤسسات الحقوقية على تجاهل كون بيئة العمل بها سامة للنساء. شغلت تلك الشهادة حيزًا كبيرًا من تفكير القائمين على المؤسسات الحقوقية، وكان جزء كبير منه مختص بتجنب مثل تلك الأزمات في المستقبل. 

أدى النقاش حول كيفية خلق بيئة عمل آمنة للنساء إلى تبني المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لسياسة داخلية ضد التمييز والعنف الجنسي. طرحت هذه السياسة عددًا من الإجراءات التي يتم اللجوء إليها في حالة تعرض أحد العاملين أو المتعاملين مع المبادرة للتحرش الجنسي، من أجل الحصول على حقوقهم. تسعى السياسة لتجنب وقوع مثل تلك الممارسات من خلال خلق ثقافة مؤسسية رافضة للعنف ضد النساء بشكل عام. من خلال تلك الإجراءات، تستطيع المُبلغة عن واقعة العنف الجنسي أن تتقدم بشكوى للجنة مؤقتة لتسمع لها وتبت في تفاصيلها، وتستمع كذلك للمتهم قبل الوصول للقرار. تنحاز تلك السياسة بشكل واضح للمُبلغات، وتربط العلانية، سواء في الإجراءات أو نتيجة التحقيق الداخلي، برغبتهن وتقديرهن الشخصي. بدأت المبادرة العمل بتلك السياسة في عام 2018، وسعت لتشجيع العديد من المنظمات الحقوقية مثل مؤسسة حرية الفكر والتعبير، كما تشجعت مؤسسات صحفية تقدمية مثل «مدى مصر» لتبني سياسات مثيلة، وكذلك أعلن موقع «المنصة» عن «سياسة وآليات مناهضة التحرش والتمييز وتعزيز العدالة» على موقعه الإلكتروني في مارس الماضي، شرطها أن «تكون قابلة للتنقيح والتطوير لضمان حماية أكبر للضحايا».

تساهم تلك السياسات في خلق أطر بديلة للعدالة عن الإطار التقليدي من خلال قضاء الدولة، وهو الإطار الذي أثبت تحيزه ضد النساء على مدار سنين طويلة، وبالتالي تخرج تلك السياسات من الحيز الضيق لتصور الدولة للعدالة في حالة تلك الانتهاكات إلى سياق أوسع وأعمق يضمن للضحايا مقدارًا أكبر من حقوقهن. 

على الرغم من مرور أكثر من عامين على صدور سياسات المبادرة للتعامل مع قضايا العنف الجنسي، لكن تكاسلت منظمات حقوقية أخرى عن تبنيها، أو العمل على وضع إجراءات بديلة تكفل بيئة عمل آمنة للنساء. وهو الأمر الذي ظهر أثره في أولى فترات الحكي الحالية، والتي اتهمت محمد ناجي، أحد الباحثين البارزين في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، بالعنف الجنسي وتهديد ضحاياه بشبكة علاقاته في المجتمع الحقوقي في حالة التحدث عما تعرضن له. 

تم فصل ناجي عن العمل بعد اعترافه، وأعلنت المؤسسة عن تكوين لجنة تقصي حقائق، للبت في الوقائع التي تم ذكرها في الشهادات، ولم تعلن حتى الآن عن نتيجة تحقيقها. 

حدث هذا أيضًا في حالة مؤسسة «بلادي» التي أتُهم مديرها، محمد حسانين، باستغلال منصبه للتعدي على النساء. قامت المؤسسة بتعيين أحد الموظفين المقربين لحسانين لتولي التحقيق في الأمر، ولم تتخذ أي إجراءات أخرى، ولم تعلن عن نتيجة التحقيق حتى يومنا هذا. 

يختلف موقف ناجي وحسانين قليلًا عن موقف الحقوقي/المدون وائل عباس، الذي تم اتهامه في الموجة الأخيرة للشهادات لكونه لا يرتبط بأي من المنظمات الحقوقية بشكل وظيفي، ووجوده في هذا المجتمع لا يتعدى كونه أحد النشطاء السياسيين المتعاطفين مع عمل تلك المنظمات والمتعاملين معها بشكل وظيفي غير ثابت. غير أنه لم تقم أي من المنظمات الحقوقية بالتفاعل مع تلك الشهادات بشكل مؤسسي، لتعلن وقف التعامل مع عباس وتدعو للتحقيق معه، وهو الأمر الذي كان من الممكن حدوثه في حالة تبنيهم للسياسات الداخلية المناهضة للعنف ضد المرأة.

في المقابل، أعلنت مؤسسة «المنصة» الصحفية وقف التعامل مع عباس مهنيًا، واتخذت عددًا من الإجراءات ضده لمخالفته القواعد المهنية، بعد ثبوت انتحاله لمقالات وكتابات أخرى دون الإشارة لمصدرها. تزامن هذا الإجراء مع خروج الشهادات ضد عباس. لم تستطع «المنصة» اتخاذ إجراء بسبب الاتهامات الواردة في الشهادات بسبب محدودية نطاق سياسة المؤسسة المناهضة للعنف الجنسي، والتي تطبق على العاملين الثابتين، دون أن تشمل المتعاونين من خارج المؤسسة، وربما تكون هذه مناسبة لإجراء نقاش داخلي لتطوير السياسة، وإظهار قدر ضروري من المرونة يتفاعل مع ما يكشف عنه الواقع.

آليات لخلق مساحات آمنة للنساء

في حقيقة الأمر، ممارسة العنف ضد النساء لا يحدث بمعزل عن الإطار السياسي السلطوي والاجتماعي المنغلق، فكلاهما يخلق بيئة خصبة للقيم الذكورية أن تنفذ إلى المجتمعات المختلفة وحتى النخبوية، التي ترى في الحقيقة أن التعايش والتطبيع مع العنف استراتيجية مناسبة للاستمرارية والاستقرار. 

كان بديهيًا أن تتبنى تلك المجتمعات نفس أطر التفكير السلطوية التي تستخدمها الدولة، فهي في النهاية منتفعة بأشكال عديدة من الوضع الاجتماعي الذي يعطيهم الكثير من الامتيازات الذكورية، ما تجلى في محاولاتهم استدعاء (والاستنجاد) بالدولة في حالة تهديد الحراك النسوي لهم. ما يعني أن تلك المجتمعات تفسر مفهوم العدالة من نفس منظور الدولة الضيق، الذي هزم النساء مرارًا وتكرارًا.

علينا أن نتذكر أن أحد أهم مطالب الحراك النسوي الحالي هو تعديل قانون الإجراءات الجنائية، لضمان قدر أكبر من العدالة للنساء في حالة لجوئهن للقضاء بسبب تعرضهن للعنف الجنسي. فمنذ اللحظة الأولى، يوجه هذا الحراك خطابه للدولة، ويتبع استراتيجية تسعى لتغيير القانون، ظنًا أن هذا قد يضمن مساحات أوسع من الأمان والحماية للنساء، وهو الأمر الذي انتقدته العديدات من الناشطات النسويات، اللاتي رأين في الاشتباك مع الدولة أمرًا غير مجدٍ لقضايا النساء في مصر. ولكن مع عدم تجاوب الدولة بشكل فوري أصبح من الصعب الحديث عن حل شامل لذلك العنف. وهو ما يجعل أي حديث عن دور المجتمعات المهنية والمؤسسات نخبويًا، يسعى إلى خلق واحات من الأمان في حياة مجموعات محددة من النساء، وتختص بمجالات هي الأخرى محددة جدًا في حياتهم. 

هنا، أطرح التحرك على مستويين، على مستوى الحراك النسوي الواسع، وعلى مستوى آخر داخل المجتمعات النخبوية. فقد يضمن الحراك النسوي دعمًا قاعديًا يساهم في إحراج مجتمعات استراحت مع كونها عدائية تجاه النساء، ولكن ليس من الممكن إحداث تغيير حقيقي داخل تلك المجتمعات من دون تنظيم عضوي في شكل مجموعات نسوية تعمل من أجل تحسين أوضاع النساء بها. 

هذا يعني أن استمرار موجات البوح في اجتياح المجال العام هو أمر مفصلي للضغط على المجتمعات المطبعة مع العنف ضد النساء. فالشهادات تكشف تواطؤ تلك المجتمعات مع المعتدين وتوجه أصابع الاتهام للقائمين على مؤسسات حيث تغيب آليات للشكوى تعمل على إنصاف النساء. وبالتالي، فإن استمرار مدونة مثل «دفتر حكايات» يُحرج تلك المجتمعات ومؤسساتها ويضغط عليهم للتفاعل مع مطالب الحراك. هذا غير أن الشهادات تتبنى خطابًا راديكاليًا كان من الصعب جدًا تبنيه بأي شكل آخر. فمثلًا، من المستحيل أن تتبنى إحدى المؤسسات النسوية حملة واسعة الانتشار تتحدث عن تفاصيل ووقائع العنف الجنسي بمثل تلك الدقة والأريحية. والتجهيل في هذا الإطار خلق فرصة ذهبية أمام منظمي الحراك لتقديم خطاب نسوي للحديث عن منطقة شديدة الحساسية. هذا الخطاب الراديكالي شديد الأهمية في سياق الضغط على مجتمعات استراحت مع طابعها الذكوري وتعايشت مع العنف ضد النساء. 

مفهوم طبعًا أن الاعتماد على الشهادات ليس استراتيجية مثالية للحراك النسوي، إنه هدف دائم وسهل لحملات التكذيب والتشكيك من قبل المعتدين ومؤيديهم. ففي العديد من المرات كانت مصداقية الشهادات محل جدال، وهو الأمر الذي استغله متهمون مثل هشام علام ووائل عباس لتكذيب التهم الموجهة إليهم. خروج الشهادات بهذا الشكل، مُجهلة ومن خلال منصات مستقلة هي الأخرى مُجهلة على السوشيال ميديا، انتقص من جديتها لدى المجتمعات المهنية، ومن احتمالية التفاعل معها. على الرغم من ذلك، تظل الشهادات آلية محورية في الحراك النسوي، ولابد من تطويرها لتكون عملًا سياسيًا منظمًا، مثل ما حدث في الحملة المنظمة ضد إسلام عزازي، التي تزامنت مع موعد عرضه لفيلمه الروائي الأول في مهرجان القاهرة. وهو الفيلم الذي وصفه عزازي بأنه نسوي!

هكذا، نشرت «دفتر حكايات» الشهادة الأولى ضده قبل عرض الفيلم ببضع أيام لتجذب شعبية وتنتشر بشكل سريع على السوشيال ميديا. ومع محاولة عزازي التنصل من الوقائع المذكورة في الشهادة، خرجت شهادات أخرى لتؤكد قيام عزازي باستغلال مكانته في الوسط السينمائي للوصول لهؤلاء النساء، ضحايا ممارسته للعنف. بجانب الشهادات كانت هناك حملة إلكترونية تخاطب القائمين على مهرجان القاهرة لمنع فيلم عزازي من المشاركة في المسابقة، ومنعه هو شخصيًا من حضور حفل عرض الفيلم والختام. لعب التوقيت دورًا هامًا في تطوير آلية الشهادات من كونها مساحة للبوح فقط إلى أن أصبحت حملة سياسية منظمة.  

ولكن، على الرغم من تسييس دور الشهادات في الحراك، إلا أن المجتمعات المهنية لا تزال ترفض التفاعل معها بشكل جدي. وخير مثال على هذا هو تجاهل القائمين على مهرجان القاهرة التجاوب مع مطالب الحراك، والسماح لعزازي بالتواجد بشكل طبيعي في المهرجان. فلماذا لا تزال تلك المجتمعات المهنية عصية على التفاعل؟ 

إجابتي لهذا السؤال هي غياب أو ضعف التنظيم العضوي النسوي في تلك المجتمعات. والفرضية هنا هي أن هذا التنظيم هو الآلية الأساسية لفرض مطالب الحراك النسوي بشكل جدي. ولذلك فإن غياب التنظيم النسوي في المجتمع السينمائي، وضعفه في المجتمع الصحفي، على عكس المجتمع الحقوقي، ساهم في إعطاء قيم مثل الشللية، قدرة على التحكم في تفاعل تلك المجتمعات مع الشهادات. تسعى مجموعات النسوية للضغط على مجتمعاتها من أجل إعادة ترتيب موازين القوى بين الجنسين، بما يعطي مساحة للنساء في التعبير عن الانتهاكات التي يتعرضن لها. كذلك، تساعد تلك المجموعات على وضع أطر مؤسسية للتحقيق والمحاسبة في حالات العنف ضد النساء، بما يضمن سبل تفاعل سريعة لا تتحامل على النساء وتعمل في إطار الانحياز لخلق بيئة عمل آمنة لهم، وهو الأمر الذي يتطلب تنازل تلك المجتمعات عن بعض امتيازاتها من أجل منع مثل تلك الممارسات.

تجربة مجموعة «صحفيات مصريات»، تعد مثالًا جيدًا لعمل المجموعات النسوية التي تهدف لتغيير الإطار الحاكم لمجتمع الصحفيين من خلال مأسسة حزمة من الإجراءات لمحاسبة المعتدين في حوادث العنف الجنسي. تزامن ظهور هذه المجموعة مع موجة الشهادات ضد هشام علام، وسعت للضغط على نقابة الصحفيين لتتبنى سياسات داخلية للتعامل مع مثل تلك الشهادات. تأخُر نجاح تلك المجموعة في تحقيق أهدافها لا يعود لسوء التنظيم، بل يعود لتمسك القائمين على النقابة بقيم ذكورية صلبة لم يتهاونوا فيها. ولكن، ما بدأته تلك المجموعة سوف يعود للمشهد في كل مرة تظهر شهادات ضد صحفيين جُدد حتى ترضخ النقابة وغيرها من المؤسسات لمطالبهن. 

يجب أن تعمل تلك المجموعات على طرح بديل للتفاعل أمام قطاع مهم وواسع من أفراد مجتمعاتها من الرجال المتعاطفين مع الحراك النسوي، والذين توقف رد فعلهم حتى الآن عند حد شتيمة الشخص المتهم بالعنف الجنسي، وربما قطع علاقتهم به. تطرح هذه المجموعات بديل لتفاعلهم مع الحراك، وهو العمل بشكل فعال على تغيير قواعد بيئة مجتمعهم الذكورية، والاشتراك بالفعل في جعل ذلك المجتمع أكثر أمانًا في المجمل، وليس فقط في سياق الشهادات التي تصف حالات فردية. فهذه المجموعات النسوية تسعى لتفعيل جهد واهتمام الأفراد غير المتهمين بالعنف الجنسي، للتأكيد على المسؤولية الجماعية لإحداث التغيير المطلوب لخلق مجتمع وبيئة كاملة آمنة للنساء. 

في نهاية الأمر، يستوعب التنظيم النسوي مطالب الحراك الحالي من خلال إطار العمل من أجل عدالة متكاملة للنساء، وهو الأمر الذي يتطلب الحديث عن أطر بديلة للعدالة عن ذلك تطرحه الدولة. هذه الأطر البديلة تفصل المجتمعات النخبوية عن الأطر السياسية والاجتماعية السائدة في مجتمعنا الأوسع، والتي تفرض سيطرتها على مفهوم العدالة داخل تلك المجتمعات الضيقة. وبالتالي، تكون السياسات والإجراءات التي يتم وضعها داخل المجتمعات نتاج تفاعل عضوي حول مفهوم كل مجتمع عن العدالة الجندرية بداخله، وهو الأمر الذي يخلق «الكود» المناسب والمعلن للتعامل مع حوادث العنف ضد النساء. 

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).