تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

على البنك المركزي الدفاع عن الجنيه.. الاحتياطي موجود من أجل ذلك 

محمد رمضان
13 دقيقة قراءة
على البنك المركزي الدفاع عن الجنيه.. الاحتياطي موجود من أجل ذلك 
Employees speak on phones at an exchange office in downtown Cairo June 5, 2014. Egypt's currency black market is under threat from two directions, as aid from wealthy Gulf states promises to ease a dollar shortage and an increasingly confident central bank engineers a gradual depreciation of the Egyptian pound. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh (EGYPT - Tags: POLITICS BUSINESS)

بدأت الحرب في الشرق الأوسط. وعلى وقع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، والصواريخ والمسيرات الإيرانية، تأثر الاقتصاد المصري طبعًا كما هو متوقع. ظهر ذلك جليًا في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، والذي ارتفع من 46.6 جنيه في منتصف فبراير الماضي إلي ما يقرب من 52.2، أمس، بنسبة ارتفاع بلغت 12% خلال أقل من شهر، حتى تاريخ كتابة هذا المقال.

في مصر، البلد التي يمر فيها التضخم عبر سعر الصرف بسهولة، بما يعني توقع أثر تضخمي قادم في الأشهر المقبلة. وحتى إذا كانت حربًا قصيرة، فإن ذلك يعني انتقال ولو جزء من هذا الأثر. كذلك ثمة ضغوط خارجية أخري تتعلق بتضخم عالمي متوقع بعد ارتفاع سعر البترول لما فوق مئة دولار، وهو ما يتوقع أن يؤثر على تكلفة الواردات المصرية على مدار الأشهر المقبلة بفعل زيادة أسعار الطاقة وزيادة أسعار نقل البضائع بحكم الاضطرابات البحرية لمسارات الطاقة العالمية، وبالأخص في مضيق هرمز.

لكن إلى جانب عوامل الهشاشة الكثيرة، تمثل الأموال الساخنة أحد أبرز هذه العوامل. خلال الفترة الماضية، تخارج ما يقرب من 4-5 مليارات دولار حسب التقديرات، من استثمارات الأجانب في أذون الخزانة. غير أن  البنك المركزي لم يتدخل هذه المرة لدعم سعر الصرف، كما حدث في المرات السابقة في 2020 و2022. هناك من يدافع عن استراتيجية «المركزي» بترك سعر الصرف مرنًا، والسماح للجنيه بالانخفاض من أجل إدارة أفضل لعملية خروج الأموال الساخنة في مصر، وتجنب انخفاض الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي كما حدث في المرات السابقة.

تبدو الفكرة صحيحة نظريًا، وهي فكرة منتشرة بشكل واضح داخل القطاع المالي والبنكي، والذي ينظر للأزمة على أنها أزمة إدارة نقدية أكثر منها عوار هيكلي داخل البنية الاقتصادية. يتحدى هذا المقال السردية التي تري في المرونة السعرية للصرف هدفًا أسمى للسياسة النقدية، وهو شيء يتناقض مع جوهر سياسات استهداف التضخم التي يعلن «المركزي» أنها تشكل أساس سياسته النقدية، ويجادل بأن الأزمة الحالية تتطلب فحصًا لهذه الحالة المكثفة من الاعتماد على الأموال الساخنة، والتي تكشف مشكلة أعمق في إدارة الاقتصاد في مصر، وليس فقط في السياسة النقدية.

أجادل في هذا المقال بضرورة تدخل «المركزي» لدعم سعر العملة، وضد ما يتم ترويجه بأن رد فعل «المركزي» تجاه الأزمة يجب أن يرتكز على إدارة خروج الأموال الساخنة، من خلال تخفيض سعر الصرف فقط، لأن هذا يعيد إنتاج الأزمة نفسها.
الخسائر الاقتصادية من الأموال الساخنة لا تختفي في الفراغ، لأن خروج تلك الأموال له تكلفة سلبية على الاقتصاد، سيعاد توزيعها فقط من خلال خفض قيمة الجنيه. الأصل بالمشكلة في مصر هي وجود الأموال الساخنة بتلك الكثافة داخل الاقتصاد، وليس إدارة خروجها فقط. الحفاظ على الاحتياطي النقدي لا ينبغي أن يكون هدف السياسة النقدية في مصر، بل هدفها يجب أن يكون محاربة التضخم وبالأخص التضخم المستورد عبر تخفيضات سعر الصرف. هذا التضخم، حتى بالمعنى الاقتصادي والنقدي المباشر، يمثل ضريبة غير مباشرة على المواطنين، تفرضها الدولة من أجل توزيع خسائر الحرب الحالية، والناتجة بالأساس عن الهشاشة الاقتصادية الهيكلية.

كثافة الأموال الساخنة وليس تخارجها هي المشكلة

لفهم معضلة الأموال الساخنة، يجب أن نبدأ من أن مصر تقدم واحدًا من أعلى العوائد الحقيقية على استثمارات الحافظة (الأموال الساخنة) في الأسواق الناشئة، وهو ما حافظ على جاذبية تلك الأذون السيادية المصرية طيلة الفترة الماضية. بنهاية سنة 2023، كانت حيازة الأجانب من أذون الخزانة في حدود عشرة مليارات دولار، لترتفع خلال أربعة أشهر فقط بنهاية شهر أبريل 2024 إلى 35 مليار دولار.

كان الحدث الجوهري في تلك الفترة هو صفقة «رأس الحكمة»، والتي كانت بمثابة الإنقاذ المالي للأزمة الاقتصادية في مصر. ومن أجل استمرار تدفق تلك الأموال الساخنة، ارتكبت الحكومة المصرية والبنك المركزي نفس الخطأ، وهو الإبقاء على سعر الفائدة البنكي وسعر الفائدة الحقيقي (أي الفارق بين سعر الفائدة والتضخم) في مستوى مرتفع من أجل إبقاء الأذون المصرية أكثر جاذبية. ابقي «المركزي» طوال أكثر من عام بعد صفقة «رأس الحكمة» على معدل الفائدة عند مستوى 27.75% في المتوسط بين شهري مارس 2024 وأبريل 2025، حينما خفض «المركزي» سعر الصرف للمرة الأولى بواقع 2%. واستمرت التخفيضات بوتيرة أبطأ بسبب مطالبات صندوق النقد باستمرار سياسات التشديد النقدي خوفًا من ارتفاع التضخم. بعد أكثر من عام، انخفض معدل الفائدة إلى 19-20%.

رغم هذا، لم تنخفض العوائد على أذون الخزانة بنفس الوتيرة. بعد ما يقرب من عام من بدء «المركزي» في خفض الفائدة، لا يزال معدل الفائدة على أذون الخزانة مرتفعًا، حيث سجل في بداية مارس الحالي، مع التوترات الإقليمية حوالي 24% للأذون استحقاق عام. غير أنه، وخلال كل تخفيضات الفائدة بعام 2025، لم ينخفض العائد على أذون الخزانة لنفس مستوى سعر فائدة البنوك (الكوريدور). أدني نقاط انخفاضه كانت في فبراير الماضي بواقع 22% على الأذون استحقاق عام. وطوال تلك الفترة، كان هناك فارق واضح بين معدل الإقراض بين البنوك (الكوريودر)، وهو المعدل الاسترشادي في الاقتصاد، والعائد المرتفع على أذون الخزانة.

يعني ذلك عمليًا أن مستثمري الأموال الساخنة حصلوا على الكثير خلال 2025، وهي سنة انخفض فيها سعر الدولار عالميًا، ما ساهم في ارتفاع سعر الجنيه، كما حافظ «المركزي» على فائدة حقيقية إيجابية مرتفعة طوال تلك المدة، عبر الامتناع عن خفض الفائدة بدرجة تساوي انخفاض التضخم. ساهمت تلك الفائدة الحقيقية المرتفعة في زيادة حيازة الأجانب من أذون الخزانة المصرية، والتي وصلت بنهاية 2025 إلي ما يقرب من 42 مليار دولار (أي أن حوالي خمس الدين المحلي تقريبًا مملوك للأجانب).

خلال الأزمات الماضية للأموال الساخنة، استمر «المركزي» في الدفاع عن استقرار سعر الصرف بشكل ما. خلال أزمة 2022، تدخل من أجل إخراج الأموال، فيما ظل سعر الصرف ثابت تقريبًا. كان هذا بالفعل يعني خسائر يتحملها الاقتصاد، ويحصل عليها المستثمر، وكان ذلك بالفعل خاطئًا. كتبت وقتها مقالًا نشره «مدى مصر» في 2023 يدافع عن عدم الإبقاء على سعر صرف ثابت وقت تخارج الأموال الساخنة. لكن ذلك لا يعني التخلي كليًا وبسرعة عن الجنيه في موجة التخارج الحالية، وبالأخص مع طبيعة الأزمة المتعلقة بتهديد إمدادات الطاقة العالمية، ومن ثم ارتفاع أسعار البترول الذي يمثل بجانب الغاز ما يقرب من ربع الواردات المصرية خلال السنوات الماضية حتى الآن. 

تشير التقديرات إلى أن حجم التخارج حوالي 4-5 مليار دولار خلال الفترة التي بدأت من منتصف فبراير 2026، وهو رقم سوف يتزايد إذا استمرت الحرب وحالة عدم اليقين. بل أن زيادة سعر الدولار عالميًا إلى جانب الموجة التضخمية قد تدفع البنك الفيدرالي الأمريكي للتريث بشكل أكبر في خفض الفائدة ومن ثم المزيد من الارتفاع للدولار أمام بقية العملات في العالم. وهنا يجب على «المركزي» التوقف عن إدارة خروج الأموال الساخنة، والدفاع عن الجنيه من أجل الآثار المحتملة طويلة المدى على الاقتصاد، وأهمها عودة التضخم المحلي للارتفاع، خاصة أن أسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، ولا يوجد هامش كبير لمزيد من الرفع. يعني ذلك عمليًا أن السبيل الوحيد للتحوط ضد التضخم المحلي القادم سيكون عبر تثبيت سعر الصرف والدفاع عنه.

يروج حاليًا أن «المركزي» يجب أن يحافظ على مرونة سعر الصرف، ويترك ببساطة سعر الصرف يمتص صدمة التخارجات دون أن يؤثر ذلك على الاحتياطي النقدي. يسمح ترك «المركزي» للدولار بالارتفاع مقابل الجنيه، وبالأخص مع بيئة عدم يقين عالمية رفعت مؤشر الدولار أمام كل العملات، إلى تجنيب بعض الخسائر الناجمة عن خروج الأموال الساخنة. فحين ينخفض سعر صرف الجنيه عند الخروج، يعني ذلك دولارات أقل عند خروج الأموال خارج مصر، وهي خسائر يتحملها المستثمر المتخارج.

غير أن هذا الخطاب المتعلق بأن المرونة السعرية للصرف تحافظ على مكاسب للاقتصاد المحلي في وقت التخارج، بمنطق تحميل جزء من الخسائر للمستثمر، هو خطاب مضلل. الفائدة المدفوعة على الأذون تقدر حاليًا بـ23% في المتوسط. يعني ذلك أنه لكي يحقق مستثمر الأموال الساخنة خسارة، فينبغي أن يرتفع سعر الدولار أمام الجنيه بنسبة مماثلة (23%)، أي يقفز لمستويات 55 جنيه لكل دولار أو أعلى من ذلك، على حسب كل مستثمر دخل عند أي نقطة في سعر الصرف. وبالتالي، ما حدث هو عملية إعادة توزيع للخسائر. وتشمل تلك الخسائر بالطبع التضخم المستورد الذي يتسبب فيه ارتفاع سعر الصرف. 

لكي نفهم إذا ما كان تصرف «المركزي» صحيحًا علينا طرح الكثير من الافتراضات، والتي يمكن من خلالها تقدير حجم الفوائد المتحققة من تحريك سعر الصرف في مقابل تثبيته. تحرك السعر خلال الشهر الماضي كما أسلفنا من 46-52 جنيه لكل دولار، ما يعني تقريبًا ستة جنيهات زيادة في سعر الصرف. خرج المستثمرون في مراحل مختلفة من تلك الزيادات. في المتوسط لنفترض أن الزيادة في سعر الصرف كانت عند ثلاثة جنيهات وهي نقطة متوسطة حدث تخارج قبلها وبعدها. ثلاثة جنيهات زيادة في سعر الصرف تمثل حوالي 6.5% ارتفاع، وهي خسارة محققة للمستثمر لحظة التخارج.

لنفترض أن المستثمر اشترى إذن خزانة لسنة وحصل على متوسط عائد 23%، فإن ما يحصل عليه (وذلك بعد خصم 6.5% التي زادها الدولار) هو 16.4% من العائد الأصلي. وإذا كان السند لستة أشهر، يصبح متوسط الفائدة في حدود 11.5%. يعني ذلك أن صافي العائد الذي تحقق حوالي 5% خلال ستة أشهر. وبالتالي، فإن مستثمري الأموال الساخنة لا يتحملون فعلًا خسارة بسبب تحريك سعر الصرف، وإنما فقط تتقلص مكاسبهم، خصوصًا أن معظم هؤلاء المستثمرين يفضلون في المعتاد استثمارات سريعة دخولًا وخروجًا (ثلاثة أشهر في المعتاد)، بما يقلص تأثير تحرك سعر الصرف على استثماراتهم.

ولهذا، فإن المكسب الذي يُنتظر من إدارة عملية التخارج عبر السماح بتحرك سعر الصرف يتضاءل مقارنة بالخسائر التي يتسبب فيها التضخم المستورد المُنتظر، والذي قد يدفع «المركزي» للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول من أجل الحفاظ على جاذبية أذون الخزانة المصرية لمستثمري الأموال الساخنة في المدة المقبلة، وبالأخص مع زيادة التوترات الإقليمية. هذه الفائدة المرتفعة قد تتسبب في مزيد من الركود الاقتصادي، يزيد من الاعتماد على الأموال الساخنة أكثر، ليصبح الأمر كله بمثابة دائرة مغلقة يصعب الهروب منها.

مرونة سعر الصرف وسيلة وليست غاية

يدافع الكثيرون عن بقاء «المركزي» علي الحياد، وترك سعر الصرف للانخفاض، من منطلق عدم تكرار أخطاء المحافظ السابق للبنك، طارق عامر، والذي اختار الدفاع عن الجنيه، لينخفض على إثرها الاحتياطي النقدي من 40 مليار دولار إلى 33 مليار دولار.

هناك فارق كبير بين لحظة بداية الأزمة في 2022 واللحظة الحالية. وقتها، كان حجم تخارج الأموال الساخنة هائلًا، يُقدر بحوالي 20 مليار دولار في غضون أسابيع قليلة. لهذا كان اختيار عامر بالحفاظ على ثبات سعر صرف الجنيه إشكاليًا، لأنه في النهاية حافظ على مكاسب المستثمرين دون أن يتمكن من ضمان استقرار سعر الصرف على مدى أطول، ليضطر في النهاية لتعويم جديد تسبب في موجة تضخمية كبيرة لاحقًا. أي، وكما يقول المثل، «لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن».

يختلف هذا عن اللحظة الحالية. بدأ خروج الأموال الساخنة قبل حوالي ثلاثة أسابيع. ورغم هذا، لا تتجاوز تقديرات حجم التخارج أكثر من 4-5 مليار دولار من إجمالي 42 مليار دولار. وبالتالي، فإن مخاطر تدخل «المركزي» الآن عبر الاحتياطي لإدارة عملية التخارج لا تحمل نفس درجة الخطر الذي كانت تحمله لحظة 2022.

اليوم يسمح «المركزي» ومحافظه حسن عبدالله للجنيه بالانخفاض أمام الدولار، دون أن يتضح ما إذا كان هناك أي تدخل من جانبه لإدارة هذه العملية. آخر قيمة معلنة لحجم الاحتياطي الأجنبي تبلغ 52.7 مليار دولار، في فبراير الماضي. وفي كل الأحوال، ننتظر إعلان قيمة الاحتياطي نهاية الشهر الجاري لنفهم على وجه التحديد ما إذا استخدمه «المركزي» في احتواء حركة سعر الصرف. عدم التدخل على الإطلاق سيعني مشكلة اقتصادية كبيرة تتجاوز مسألة إدارة تخارج الأموال الساخنة. إذا كان خروج خمسة مليارات دولار فقط من الأموال الساخنة تسبب في فقدان الجنيه أكثر من 7% من قيمته، فإن استمرار خروجها قد يعني انهيارًا أكبر بكثير لسعر الصرف. في النهاية، سيصبح تدخل «المركزي» حتميًا في كل الأحوال.

تتعلق تلك المشكلة بجوهر نظام سعر الصرف في مصر، وما إذا كان حرًا بالكامل أم مدار ضمن نطاقات سعرية. والحقيقة أنني أميل للتفسير الثاني، إذ أن الحفاظ على المرونة السعرية بالاتفاق مع صندوق النقد تم بالفعل داخل نطاق حركة كبير نسبيًا بين 45-55 جنيهًا، أي هامش حركة بنسبة 22% للجنيه. ومن ثم، فإن هذا النطاق الكبير يوحي بالمرونة السعرية. تدخل «المركزي» في السوق للدفاع عن الجنيه هو شيء ضروري، لكن يتحدد بالنطاق الذي يحدده «المركزي». ومن ثم فإن القول إن «المركزي» يجب أن يبقى على الحياد ليس حقيقيًا في أي نظام لسعر الصرف. فحتى عندما تحقق المرونة، تبقي للبنوك المركزية أدوار داخل سوق النقد الأجنبي.

بشكل عملي، أمام «المركزي» الآن خياران. الأول الإبقاء على سعر الصرف دون تخفيض عبر استخدام الاحتياطي الأجنبي، وبالتالي يتحمل الاقتصاد المحلي تكلفة تخارج الأموال الساخنة بالكامل. في هذه الحالة، يمكننا تجنب التأثير التضخمي لانخفاض قيمة الجنيه. الثاني السماح بانخفاض سعر الصرف لنقل جزء من تكلفة التخارج إلى المستثمر الأجنبي، ولكن ذلك يضمن حدوث موجة تضخمية جديدة، وبذلك تتحول المرونة إلي أداة لتقاسم الخسائر.

في النهاية، الخسائر تبقى موجودة حتى إذا لم تتخارج الأموال الساخنة بسبب الفائدة المرتفعة التي تدفعها مصر. الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة يظل مصدر هشاشة هيكلية، لأن نفس الآلية التي تسمح بتحميل المستثمر جزءًا من الخسارة قد تنقل أيضًا آثار الصدمة إلى الاقتصاد المحلي عبر التضخم وارتفاع تكلفة الواردات. ومن ثم، فإن إدارة مثل هذه اللحظات لا تتعلق فقط بحركة سعر الصرف نفسها، بل بمدى قدرة الاقتصاد على تقليل اعتماده على التمويل قصير الأجل وتعزيز مصادر أكثر استقرارًا للعملة الأجنبية.

لا يمكن اعتبار تحويل جزء من خسائر التخارج إلى المستثمرين عبر انخفاض سعر الصرف استراتيجية مستدامة بحد ذاتها. فهذه الآلية تعمل فقط طالما ظل الاقتصاد قادرًا على تحمل الآثار الجانبية لانخفاض العملة، وعلى رأسها التضخم المستورد وارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج. بعبارة أخرى، فإن سعر الصرف هنا لا يمتص الصدمة بقدر ما يعيد توزيعها داخل الاقتصاد. فبينما يخسر المستثمر الأجنبي جزءًا من القيمة الدولارية لأصوله، يتحمل الاقتصاد المحلي في المقابل ارتفاعًا في الأسعار وتآكلًا في القوة الشرائية. لذلك فإن الاعتماد المتكرر على هذا الأسلوب قد يتحول من أداة لإدارة الصدمات إلى قناة لنقلها إلى الداخل. المشكلة الأعمق لا تكمن في كيفية إدارة لحظة التخارج نفسها، بل في نموذج التمويل الذي يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأموال الساخنة في المقام الأول. فطالما ظل جزء معتبر من التمويل الخارجي يعتمد على تدفقات قصيرة الأجل تبحث عن فارق الفائدة، ستظل السياسة النقدية محكومة بمحاولة الموازنة بين جذب هذه الأموال ومنع آثار خروجها. ومن ثم، فإن معالجة جذور الهشاشة تتطلب تقليل الاعتماد على التمويل قصير الأجل وتوسيع قاعدة مصادر العملة الأجنبية الأكثر استقرارًا، سواء عبر الصادرات أو الاستثمار طويل الأجل، بدلًا من الاكتفاء بإدارة تقلبات التدفقات المالية عبر سعر الصرف.

الأسوأ في تلك الاستراتيجية هو محاولة تقديس «الاحتياطي النقدي»، كأن هذا الاحتياطي موجود فقط من أجل أن يظهر في المؤشرات الكلية، ويتم التفاخر بوجوده أمام مؤسسات التمويل الدولية، ووكالات تقييم الديون والذي تعتمد عليه كمؤشر للقدرة على الاستمرار في دفع الديون. غير أنه من الناحية الاقتصادية لا ينظر لاحتياطي النقد الأجنبي على أنه مجرد مؤشر على قوة الاقتصاد أو القدرة علي السداد، بل كأداة بيد صانع القرار وبالأخص «المركزي» للتعامل مع الصدمات الخارجية وتقلبات التدفقات في الاستثمارات طويلة وقصيرة الأجل. ويصبح هذا الدور أكثر إلحاحًا في حالة الدول النامية والتي على عكس الاقتصادات المتقدمة، لا تمتلك أسواق عملة عميقة بمعنى توفر السيولة من العملات الصعبة، ولديها بالفعل مستويات أعلى من انتقال تقلبات سعر الصرف إلى التضخم المحلي، فضلًا عن الهشاشة الجديدة بالاعتماد على الأموال الساخنة.

يصبح إذًا ترك سعر الصرف يتحرك بحرية كاملة في لحظات الهلع المالي كما يحدث حاليًا محفوفًا بمخاطر انتقال الصدمة الاقتصادية سريعًا إلى الداخل عبر التضخم الناتج عن ارتفاع تكلفة الواردات. حتي صندوق النقد نفسه يدفع باتجاه تدخل البنوك المركزية في تلك اللحظات، ويقول إن هذا التدخل قد يكون مبررًا في حالات اختلال سوق الصرف لمنع المضاربات والدولرة الواسعة. ومن ثم، فإن استخدام الاحتياطي كمبدأ ليس انحرافًا عن معايير الحرية والمرونة لسعر الصرف بقدر ما هو أداة لتحقيق الاستقرار الكلي ومنع ارتفاع كبير لسعر الصرف يؤثر على كل شيء في الاقتصاد.

من الناحية النظرية، لا يُنظر إلى احتياطيات النقد الأجنبي في أدبيات الاقتصاد الكلي المفتوح بوصفها مجرد مؤشر على قوة الاقتصاد، بل كأداة سياساتية أساسية للتعامل مع الصدمات الخارجية وتقلبات تدفقات رأس المال. الاقتصادات الناشئة، بخلاف الاقتصادات المتقدمة، غالبًا ما تواجه أسواق صرف أقل عمقًا، ومستويات أعلى من انتقال تقلبات سعر الصرف إلى التضخم المحلي. ومن ثم، إعادة إنتاج أسس الهشاشة الاقتصادية وهي تضخم مرتفع، يستلزم سعر فائدة مرتفع ويجذب المزيد من الأموال الساخنة في لحظات الاستقرار لتغادرنا في لحظات الاضطرابات. 

في هذا السياق، يصبح الدفاع عن الجنيه في لحظات الأزمات جزءًا من وظيفة البنك المركزي في إدارة الاستقرار الاقتصادي، وليس مجرد محاولة للحفاظ على مستوى أسمي معين لسعر الصرف. فحين يحدث تخارج سريع للأموال الساخنة، يكون السؤال أمام صانع السياسة النقدية هو: من سيتحمل تكلفة الصدمة؟ في النهاية، هناك تكلفة للاعتماد المكثف على الأموال الساخنة، هل سيتحمل الاحتياطي جزءًا من التكلفة لتثبيت الجنيه وبالتالي الحيلولة دون ارتفاع التضخم، أم سيترك الأمر كليًا ليتحول إلى تضخم محلي وضريبة غير مباشرة ندفعها جميعًا بسبب الاعتماد على الأموال الساخنة من الأساس.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).