صراع السرديات والخرائط.. اعتصام «القيادة العامة» نموذجًا
أنظرُ إلى الجثث وأجساد الجرحى متناثرة من حولي في صالة الانتظار في مستشفى المعلم، بينما سيارات الدفع الرباعي لقوات الدعم السريع، محملة بأسلحة ثقيلة وجنود، تعبر جيئة وذهابًا خلف الباب الزجاجي المغلق من الداخل، وصوت الرصاص يضرب أرواحنا قبل آذاننا. ألقت سحب الدخان الكثيفة، المتصاعدة أعلى الخيام المحترقة في ميدان القيادة، بظلالها على ذكرياتنا الممتدة لأسابيعٍ غمرتها أحلام الكوميونة والكرنفال، وأمل تحقيق الثورة السلمية. أدركتُ حينها هشاشة الحياة، وما احتجتُه للبقاء حتى أتمكّن من كتابة هذه السطور: أن جثث الرفاق في ذلك اليوم هي ما منعت المهاجمين من اقتحام المستشفى وقتل المئات المحتمين داخله.
في صبيحة يوم الإثنين، 3 يونيو 2019، عندما نفّذ المجلس العسكري الانتقالي مجزرة الخرطوم، تمكّنت المئات من النجاة بأعجوبة خلف الأبواب الزجاجية للمستشفى. في الخارج، قُتل أكثر من 150 شخصًا، وأُلقي بالعشرات في نهر النيل، وتعرض كثيرون، من كلا الجنسين، للاغتصاب، بينما لا زال كثيرون في عداد المفقودين حتى اليوم.
انطلق الاعتصام في 6 أبريل 2019، أمام مقرات قوات الشعب المسلحة في قلب الخرطوم، بعد نحو 16 أسبوعّا من انطلاق الثورة الشعبية ضد النظام الدكتاتوري الإسلاموي بقيادة الفريق عمر البشير. كان الاعتصام هو المرحلة الثانية مما وصفته سابقًا بـ«حركة ثوار غوريلا سلميين»، تتبنى إجراءات «إعادة أقلمة وانتشال أقلمة» يومية، أي أنها تستهدف من خلال تكتيكات «اضرب واهرب، وحرب العصابات، وحرب الاستنزاف، وبناء التضامن» شلّ وهزيمة أجهزة الدولة القمعية والأيديولوجية. في 11 أبريل، وتحت ضغط ثوار الاعتصام وتدخل كبار ضباط الجيش والدعم السريع، تنحّى البشير.
في العاشرة من مساء الليلة السابقة لفض الاعتصام، دخلتُ الميدان رفقة أصدقائي. توجهنا إلى مكاننا المعتاد بالقرب من عيادة جامعة الخرطوم (الكلينيك)، حيث عادة ما نلتقي بأصدقاء آخرين. على الرغم من إرهاصات نيّة المجلس العسكري الانتقالي لاستخدام القوة في فضّ الاعتصام، إلا أن الجو الكرنفاليّ للحرية وفرحة الرفاق منعتني، مثل كثيرين، من توقع الرعب التالي. توجهتُ قرب الفجر إلى المتراس الأخير في شارع النيل، وجدتُ الشُبان يتجمعون حول النار يغنون، بينما على بعد أمتار قليلة تقف عشرات من سيّارات الدفع الرباعي تحمل جنودًا مسلحين. وبدافع من سذاجتي أو ربما كبريائي الطفوليّ، عدتُ إلى المخيم أطمئن الرفاق باستحالة اقتحام الجيش للميدان. بعد أقل من ساعة سمعنا إطلاق نار، وشاهدنا فوضى تسود منطقة الاعتصام. تدفقت قوة مسلحة مُختلطة بشكل جماعي من منطقة شارع النيل شمالًا باتجاه الاعتصام. ورغم تأكيد الشهود في ذلك الوقت أن القوة الأولى التي دخلت الاعتصام كانت ترتدي زي الشرطة أزرق اللون، إلا أن التحقيقات الرسمية لا تزال جارية بشأن هويّة الجماعات التي نفذت الهجوم. كما أن الشرطة نفت تورطها في الحادث.
أصدر تجمع المهنيين السودانيين، أثناء ساعات العنف ضد الثوار السلميين، بيانًا بمثابة صرخة استنجاد للجيش السوداني «لأداء واجبه والدفاع عن المواطنين من ميليشيا المجلس العسكري الانتقالي». ومع ذلك، أغلق الجنود أبوابهم، ورفضوا احتماء الثوار داخل مقرات الجيش. في تلك اللحظة توجهتُ وصديقي إلى سيارته، واتصلنا بصديقاتنا لإخبارهنّ عن موقعنا بالقرب من مدخل مستشفى المعلم، الذي لجأنا إليه في النهاية. من موقعنا هذا شاهدنا الجثث والمصابين المنقولين إلى المستشفى. كان الأوان قد فات على مغادرة منطقة الاعتصام بعد حصارها من الجهة المفضية إلى منطقة بُرّي، لذا اضطررنا إلى الاحتماء داخل المستشفى. ما شاهدناه من نوافذ المستشفى كان كابوسًا لا يمكن تخيله.
حوصرنا داخل مستشفى المعلم لأكثر من عشر ساعات، نشاهد المجزرة في الخارج، وسيارات الدفع الرباعي تذرع المكان جيئة وذهابًا، تهدد بقصف المستشفى بمدافع الدوشكا. في غضون ذلك، استمرت عمليات إنقاذ الجرحى في الداخل. عُزِلت الجثث في غرفة، وفُرِزت الحالات المستعجلة في مكان آخر، بينما امتلأت صالة الاستقبال بالجرحى الذين حاول طاقم المستشفى علاجهم بمساعدة الثوار (كان بينهم طبيبات وممرضين). اجتمعنا في إحدى غرف المستشفى رفقة أصدقاء قُدامى، وآخرين التقيتُ بهم خلال أسابيع الاعتصام، نشاهد المذبحة على شاشة تليفزيون معلقة على الحائط. رنّ هاتفي، كانت أختي تسأل في ذعر عن مكاني. أخبرتُها بِحصارنا داخل المستشفى، ثم سألتُها عن أخي الأصغر الذي كان رفقتنا قبل قليل ساعة الهجوم. طمأنتني بوصوله مكان آمن خارج منطقة الاعتصام. بعدها بعثتُ برسالة إلى زوجتي في القاهرة وطمأنتها، ثم أغلقتُ الهاتف حفاظًا على البطارية التي أوشكت على النفاد، مع ما بدا أنها ستكون ساعات طوال داخل المستشفى. استلقيتُ على الأرض ونمتُ! وكأن عقلي المصدوم يرفض حقيقة الأحداث التي وقعت.
في نهاية اليوم، أصدرت قوى الحرية والتغيير (FFC)، وهي مظلة سياسية ونقابية واسعة وفرت الغطاء السياسي للحراك الشعبي، وتعمل حاضنة سياسية للحكومة الانتقالية الحالية، بيانًا أعلنت فيه عن إضراب سياسي شامل وعصيان مدني، وإنهاء المفاوضات مع «المجلس الانقلابي» (لم تشر إليه باسم المجلس العسكري الانتقالي كما اعتادت في بياناتها السابقة). جاء في البيان أن «المجزرة [بحق المدنيين] ارتكبتها قوات مشتركة تضم الجيش السوداني، وميليشيات الجنجويد [المعروفة أيضًا باسم قوات الدعم السريع]، وقوات الأمن الوطني، ومليشيات أخرى»، واعتبرت الحادثة «جريمة مدبرة نُفِّذت في الخرطوم ومدن أخرى [النهود، وعطبرة، وبورتسودان، وغيرها]». في الوقت نفسه، أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق ركن عبدالفتاح البرهان، في بيان استباقي بثه التليفزيون الرسمي، أن الجيش قرر إنهاء المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير وإلغاء كلّ الاتفاقات السابقة التي تم التوصل إليها. كما أعلن عن إجراء انتخابات عامة بعد تسعة أشهر تحت إشراف إقليمي ودولي.
لا أعرف الوقت الذي استغرقني في النوم، لكني توجهت بعد ذلك إلى الطابق الأرضي. المكان لا يزال غاصًا بالجرحى، وباب الاستقبال الزجاجي مفتوح لأول مرة. رأيتُ بعض الرفاق في ساحة المستشفى الخارجية. كان صوت الرصاص قد خمد تقريبًا، بينما لا يزال دخان الخيم المحترقة يتصاعد في سماء السودان. لقد سيطر المعتدون على الميدان وفَجَروا في تدميره. تجرأ بعضنا على الخروج إلى الشارع قبالة المستشفى. وقفنا هناك ننظر إلى أرضنا الخراب. استعدتُ لحظتها صور ومقاطع فيديو قرى دارفور المحترقة، التي تضرب منذ سنوات ذاكرتنا المعطوبة. كان الأمر كما لو أن شعار الثورة «يا عنصري ومغرور كلّ البلد دارفور» قد تحقق، لكن في مفارقة دموية ساخرة.
سألتُ صبيًا يبدو في العاشرة من عمره عن حال من كانوا معه، أخبرني «أنهم بأمان، لكن الناس ديل غدرونا يا مان». ظلت هذه العبارة عالقة في ذهني، تؤكد أن حماية المعتصمين لم تكن ضمن منظورات طرفي التفاوض (ساسة وعسكر)، أو حتى الدفاع عن المجتمع السياسي المزدهر في ميدان الاعتصام، الذي مثّل تحديًا لتشكّلات الوعي القديم، وموقعًا ثقافيًا للصيرورة الثورية. لم يفتقر الثوار إلى البصيرة السياسية التي تجعلهم يتنبأون بإمكانية فضّ الاعتصام، فقد حدثت محاولات سابقة منذ البداية استمرت طوال فترة الاعتصام، وخلال أسابيع المفاوضات السياسية بين المدنيين والعسكريين. الغدر الذي قصده صديقي الصغير هو خيانة إيماننا بالنشوة والكرنفال الذي مثله الميدان. كان فضّ الاعتصام خيانة لديونيسوسيّة كوميونة الخرطوم. خيانة للحبّ. لم نعتقد أن بمقدور أحد قتل بلابل الدوح.
في 21 سبتمبر 2019، أصدر رئيس وزراء الحكومة الانتقالية، عبد الله حمدوك، قرارًا يقضي بفتح تحقيق في مجزرة فض الاعتصام. ووجه بتشكيل لجنة تتكون من سبعة أشخاص، تضم قاضي محكمة عليا (رئيسًا) وممثلًا لوزارة العدل (مقررًا)، وأعضاء يمثلون وزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، وشخصية قومية مستقلة، ومحامييْن مستقليْن. كُلفت هذه اللجنة بالتحقيق في مجزرة اعتصام يونيو، والانتهاكات ضد المتظاهرين منذ بدء الاحتجاجات ضدّ النظام السابق في ديسمبر 2018. اُختير المحامي نبيل أديب رئيسًا لهذه اللجنة، التي ستعمل بشكل مستقل عن أي هيئة حكومية، أو قضائية، أو قانونية أخرى، شريطة أن تصدر تقريرًا بالنتائج التي توصلت إليها في غضون ثلاثة أشهر، مع إمكانية التمديد ثلاثة أشهر إضافية. الآن، وبعد 19 شهرًا منذ تشكيلها، لم تصدر اللجنة تقريرها بعد. تقول تقارير داخلية وخارجية إن حصيلة القتلى تتراوح بين 100-150، فيما تشير التقارير الطبية إلى 70 حالة اغتصاب موثقة ضد أفراد من الجنسين.
يوم الأربعاء 11 نوفمبر 2020، صدر بيان عن لجنة التحقيق التي شكلها النائب العام في نوفمبر 2019، أعلن عن «اكتشاف مقابر جماعية تشير البيانات إلى أنه من الراجح أنها تحوي جثامين لمفقودين تمّ قتلهم ودفنهم فيها بصورة تتنافى مع الكرامة الإنسانية». وعلى الرغم من عدم تحديد موقع المقابر وهوية الجثث، أشارت مصادر طب شرعي مستقلة إلى أن الجثث تعود إلى مفقودي مجزرة الخرطوم، وأنّ هذه المقابر غير المُعلّمة تضم حوالي 800 جثة. كما أصدر تجمع الأجسام المطلبية (تام) بيانًا بتاريخ 4 فبراير 2021 «بالكشف عن وجود عدد (168) جثة مجهولة الهوية بمشرحة مستشفى ود مدني التعليمي.. ولم يتم الإفصاح عن أي تفاصيل بخصوص سجلات المشرحة وتاريخ ورود الجثامين -إن تم ذلك بشكل فردي أو جماعي- ولم يتسنى الحصول على أي بيانات أو قيد تحريزي يضم صور للجثامين لحظة وصولها المشرحة، وأفادت إدارة المشرحة بأنها وردت في الفترة بين 2019 و2020م».
تحدثت في مقال سابق عن أهمية الفئات التحليلية مثل المكان والخريطة في رسم تصور سياسي نظرd لثورة ديسمبر 2018. يدفعنا هذا التصوّر إلى افتراض وجود صراع وجدل خرائطي حول مفاهيم المكان والحدود رافق تأمل السودانيين وتفكيرهم حول ثورتهم. أعني هنا بالتحديد الجدل العام المُكثّف حول مسألة حدود منطقة الاعتصام خلال الأسابيع التي سبقت المجزرة. أين تبدأ هذه الحدود؟ أين تنتهي حماية المتظاهرين؟ هل يشير الحدّ إلى تقييد الأنشطة الثورية داخله؟ هل الأنشطة خارج هذه الحدود غير قانونية وعرضة لهجمات قوات إنفاذ القانون؟
إذا كانت المواكب (13 ديسمبر 2018- 6 أبريل 2019) قد أسفرت عن إعادة ترسيم خريطة مكانيّة للمدينة، فإن الاعتصام جاء ليُعيد رسم خريطة السودان التخيُليّة. مثّل الاعتصام تعبيرًا حقيقيًا عن السودان الذي تخيّله الثوار، وتمثيلًا للتعددية التي كانت حتى ذلك الوقت مجرد لغو أيديولوجي وفانتازم ابستمولوجي لحقيقة كيف نتصور دولة ما بعد الاستعمار متعددة الثقافات. في الاعتصام كان كل السودان هناك، ليس وجودًا إقليميًا وإثنيًا، رغم وجود خيام في الميدان أعلنت انتمائها إلى مجموعات إثنية وجغرافية، لكنه وجودًا سائلًا وكرنفاليًا، يشبه الخيال الخرائطيّ للاعتصام نفسه. خلق الاعتصام خريطة نيتشوية للسودان من رسم طفلة، كيف لا والسودان نفسه يوجد لأول مرة في هذه الحالة السائلة منذ انبثاق هذا الاسم كهوية لهذا المكان/الخريطة.
هذه الخريطة الثورية الطفوليّة، بتمثيلاتها وتعبيراتها، واحتمالية وجودها على الخريطة، هي التي أثارت هلع وقلق النظام القديم، سواء وسط الجيش أو المدنيين، وأظهرت عجز خيال وإرادة الأحزاب التقليدية القديمة، التي افترضتْ (دون وكالة) أنها ستقود التغيير وتُحقّق مطالب الثورة. فهمت الأحزاب التقليدية جيدًا أن هذه الخريطة الجديدة، هذا الإعلان، هو تذويت الثورة، وولادة الذات السياسية الجديدة، وإعلان موت السودان القديم الذي تآكلت أسسه الاجتماعية والاقتصادية الشعبية منذ فترة طويلة. أما النخبة العسكرية، فيكفي أن الهتاف الأول والأخير في ساحة الاعتصام كان الدعوة لحكومة كاملة المدنية. في نهاية المطاف هذا ما قاد إلى خيانة الثالث من يونيو. يتضح عجز الخيال والإرادة في الجدل الشائن حول حدود الاعتصام أو خريطة الاعتصام. وهي حدود رسمتها اللجنة الأمنية المشتركة التي ضمت قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي.
بعد محاولة فضّ اعتصام 13 مايو 2019 (مجزرة 8 رمضان)، صعّد الثوار من دفاعاتهم حول منطقة الاعتصام من خلال توسيع مساحة المتاريس أفقيًا لتشمل شارع النيل، وشارع الجامعة، وشارع الجمهورية، وشارع المك نمر. كان مُبررهم لهذا التوسع ضرورة ثورية للتأكد من أن منطقة الميدان آمنة. أعلن المجلس العسكري الانتقالي، ردًا على هذا التصعيد، تعليق المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير لمدة 72 ساعة، بذريعة أن المتاريس أصابت المدينة بالشلل. تسبّب الضغط السياسي الناجم عن هذه الأحداث في نشوء خلاف داخل اللجنة الإعلامية لتجمع المهنيين السودانيين حول خريطة الحدود التي سيتم اعتمادها من قبل الثوار. فشل الجدل داخل تجمع المهنيين، ومن ثم لجنة الميدان، في الوصول إلى إجماع بهذا الخصوص، وتم اتخاذ قرار أحادي بإجبار الثوار على التراجع إلى ما أُطلق عليه «الحدود الأولية للاعتصام»، والتي رُسمت مجازًا في اليوم الأول (6 أبريل) قبل أن تتضاعف أعداد المعتصمين عشرات المرات.
في 15 مايو 2019، نشر تجمع المهنيين خريطة رسميّة للحدود المُعترف بها، أجبرت المتاريس الممتدة على التراجع، لتفسح المجال أمام خطوط السكك الحديدية كي تعمل مرة أخرى. أدى التراجع في أطراف الميدان إلى استبعاد مناطق بأكملها من الجغرافيا «المُحتلة» من قبل الثوار.
يمكن فهم إحدى هذه المناطق، وهي كولومبيا (تقع شمال الميدان، تحدها جروف النيل شمالًا وشارع النيل جنوبًا)، والتي طُرحت حينها على أنها قضية أخلاقية/ قانونية تتطلب تدخل قوى إنفاذ القانون، ببساطة من خلال التحول في شعار الثورة من كونها سلمية إلى مدنية. كان الشعار الأول «سلمية»، بمثابة استراتيجية نضاليّة، هدفت في الأساس إلى إعادة بناء التضامن المجتمعي بعد سنوات الانقسام الذي أصاب الأمة. وبالمثل، تطور شعار «مدنية» كاستراتيجية هدفها رسم مساحات جديدة للتضامن الوظيفي، ليس بهدف تحقيق التعايش السلمي فحسب، ولكن إنشاء موقع تزدهر فيه ذاتية سياسية جديدة. جاءت كولومبيا غامضة، مثلها وكلّ موقعٍ جديد، لا يمكن تحديدها. ربما نعيد هنا صياغة مأثور هيراقليطس، والقول «لا أحد يدخل كولومبيا مرتين». ربما كانت كولومبيا هي الخطوة الحاسمة في الانتقال من الإعلان (السلام كوسيلة لبناء التضامن) إلى التأسيس (ابتداع الكوميونة). أعطت خريطة تجمع المهنيين الجديدة لحدود الاعتصام ضوءًا أخضر ضمني للسلطات لتحديد ومعالجة المنطقة باعتبارها وكرًا لبيع المخدرات والكحول المحلي (العرقي) واستهلاكها. هنا نقف على حقيقة لا براءة المفاوضين، على الخسران. كتب جيل دولوز: «لا تزال المشكلة الأساسية للفلسفة السياسية هي تلك التي رآها سبينوزا بوضوح (والتي أعاد فيلهلم رايش اكتشافها): لماذا يقاتل الناس من أجل استعبادهم بعناد كما لو كان في الأمر خلاصهم؟». هذا مثال عملي حيث تتشابك الخريطة المادية مع التمثيلات غير المادية للطبقة والعرق. فعلى جوار نهر النيل الأزرق الذي يربط الخرطوم العاصمة ببحري، تحددت كولومبيا منطقة عشوائية على بعد أمتار فقط من الميدان الواقع جنوبها. وبسبب أن تاريخها يعود إلى عقود خلت قبل الثورة، فإن ربط حضورها المادي بتشويه قيم الاعتصام يتحدى الحقيقة. إذا لم تكن كولومبيا هي سبب فض المجلس العسكري للاعتصام، فما السبب الفعلي؟
أطلق تجمع المهنيين السودانيين، جنبًا إلى جنب مع الموقّعين على إعلان الحرية والتغيير، الدعوة إلى إضراب وطني واسع النطاق يوميّ 28- 29 مايو، ردًا على تلكؤ المجلس العسكري الانتقالي في تسليم السلطة للمدنيين. أثبت الإضراب نجاحًا هائلًا، بمشاركة جميع قطاعات المهنيين، والعمال، والحرفيين في جميع أنحاء البلاد. كما أحدث صدىً دوليًا، استقطب تضامنًا نقابيًا دوليًا. جاء فض الاعتصام ردًا على هذا العمل التضامني العُمّالي الذي خلق رابطة ثورية وتحدى الانقسام السياسي والاجتماعي. أما كولومبيا، فلم تكن سوى ذريعة استخدمها المجلس العسكري الانتقالي، وغذّتها القاعدة الأخلاقية البرجوازية لقوى الحرية والتغيير. ضحى المفاوضون المدنيون (ممثلو المنظمات التابعة لإعلان الحرية والتغيير) بكولومبيا على مذبح الأخلاق البورجوازية، وطرحوا فرضية قمعية حدَّدت مسبقًا الأخلاق الثورية بعبارات مُحتشمة (تطهرية) تقع على طرفها الذات الكولومبية، الإنسان الحرام (homo sacer).
نفترض أن هناك عدة تصورات لحدود الاعتصامات وخريطتها. يمكن تمييز ثلاثة منها هنا. خريطة المجلس العسكري الانتقالي، وخريطة المعتدلين داخل قوى الحرية والتغيير، وخريطة الراديكاليين داخل قوى الحرية والتغيير. يمكن استخدام الجدل حول حدود الاعتصام في رسم حدود هذه الرؤى الخرائطية، وتقاطعاتها، والصراع والانشطار الذي تسببت به، ولا تزال تؤثر على عملية الانتقال السياسي في السودان.
قام المجلس العسكري بفض الاعتصام بحجة إخلاء كولومبيا، ومطاردة ثوارها الذين دخلوا حدود منطقة الاعتصام. شكّل هذا الجدل نقطة تحول في الثورة نحو الأسوأ، ونتج عنه انتصار تيار المعتدلين الإصلاحي (ما يُطلق عليهم قوى الهبوط الناعم) على التيار الأكثر ثورية داخل وخارج تحالف قوى الحرية والتغيير. كانت المحصلة بائسة على جميع المشاريع السياسية التي شاهدناها مؤخرًا مثل ملفات السلام، والعدالة الانتقالية، والتطبيع، والتكوين الداخلي للحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية.
بالعودة إلى صبيحة فض الاعتصام. لا زلنا في المستشفى، نتلقى أخبارًا متفرقة عن أحداث دامية انتشرت في العديد من مدن البلاد، تصف احتلال قوات الدعم السريع لشوارع العاصمة وجسورها للسيطرة على حركة السكان، وعن ضروب العنف والإهانة التي استمرت لأكثر من أسبوع.
استؤنفت الحركة أمام بوابة المستشفى، وتجمع بعض الأشخاص في الخارج. جاء ضابط جيش برتبة نقيب، وطلب من كل صاحب عربة داخل ميدان الاعتصام أن يرافقه لجلبها أمام بوابة المستشفى. اكتشفنا لاحقًا أن هناك تفاوض يجري من أجل تسهيل خروجنا من المستشفى، وأن هذه العربات هي وسيلة نقلنا من منطقة الاعتصام. وجد صديقي سيارته وقد دُمرت بالكامل، وآثار الرصاص على هيكلها الخارجي، والمقاعد الخلفية والأمامية ممزقة بالكامل. منعني أفراد الجيش من مرافقة صديقي بسبب ضفائر الراستا، بمزاعم أنها قد تستفز أفراد قوات الدعم السريع، فمن المعروف أن أعضاء الجماعات المسلحة الدارفورية اشتهروا بهذه الضفائر. سمعتُ لاحقًا عن قصص لأشخاص تم استهدافهم لهذا السبب.
أصاب الإرهاق كثيرين في أجسادهم وأرواحهم بدرجات متفاوتة. لا يتساوى الجميع في التعامل مع صدمة تجربة الاقتراب من الموت، ومع منظر الجثث المحتجزة في غرفة مغلقة بجوارك لأكثر من عشرة ساعات، ومع صدمة الخوف من الرعب. لا يزال بعضنا يتلقى العلاج النفسي بسبب اضطرابات ما بعد الصدمة، منهم سماح التي كتبت لي قائلة:
«كانت مذبحة الخرطوم من أصعب اللحظات في حياتي. أن يحيط بي الموت، والدمار، والأذى، هو أكثر مما يمكن لأي شخص تحمله. هي لحظات لا أحب استعادتها، لكن لا أستطيع نسيانها أيضًا. عدتُ إلى القاهرة بعد المجزرة لأبدأ رحلة علاج نفسي، بعد تشخيصي باضطراب ما بعد الصدمة. رأت الطبيبة النفسية ضرورة دخولي مستشفى الأمراض النفسية مدة أسبوعين للمراقبة وعلاج الهلوسة البصرية والسمعية المصحوبة بانهيارات هستيرية، وقلق، وأرق مستمر. رفضتُ ذلك، ولا زلتُ أتناول العقاقير».
مثَّل الاعتصام المسافة اللازم قطعها في الطريق بين الثورة والدولة. مسافة يمكن فهمها من خلال مصطلحات الكوميونة والكرنفال. نشوة نهاية القديم واختبار بناء الجديد. المكان المناسب للتفكير في مسألة التنظيم الضروري لتحقيق هذا الانتقال. جاء فضّ الاعتصام قطيعةّ حادة لهذه العملية، أو ربما تغذيتها بأفكار جديدة، كما أوضح التناقض في بنية وتكوين التحالف السياسي الذي تولى قيادة التغيير. من هنا تأتي الحاجة إلى تشريح هذا التحالف، ليس فقط لفهم التاريخ القريب والبعيد، ولكن أيضًا من أجل التخطيط للمستقبل. أما الجروح التي على أجسادنا، فهي نوع آخر من الخرائط: تحكي قصة من كان هناك ومن نجا.
أنتج هذا المقال ضمن زمالة Africa is a country
آراء أخرى
بين السلطوية والانهيار.. جدل التنمية والحرية
«لا تتعامل مع الدول الخليجية وكأنها النموذج المنشود لكل مواطن عربي»
في النموذج الانتفاضي العربي: قراءة في ملف «الربيع العربي»
«ما الذي يمكن أن يثري به هذا الملف مفهوم النموذج الانتفاضي العربي؟ »
ملف «الربيع العربي»: خاتمة
«ملف «الربيع العربي».»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن