صحافة مصر.. محطات الحصار والمقاومة
بعد احتشاد أحمد عرابي ورجاله أمام قصر عابدين في سبتمبر 1881، رضخ الخديوي توفيق لمطالب الأمة التي حملها العرابيون، فاستقالت وزارة رياض باشا، وصدر المرسوم الخديوي بتكليف شريف باشا لتأليف وزارة جديدة تعمل على إصلاح ما فسد.
وخلال شهور قليلة شرعت حكومة شريف في تنفيذ بعض الإصلاحات في ملفات التعليم والزراعة والمحاكم، وبدأت في الإعداد لأول انتخابات نيابية ووضع أول دستور للبلاد «اللائحة الاساسية»، ورغم إيمان شريف باشا وحكومته بمبادئ الحرية والديمقراطية ألا أنهم ارتكبوا «نقيصة كبرى» -بتعبير المؤرخ عبد الرحمن الرافعي- عندما مرروا قانون المطبوعات الذي يجيز للحكومة إغلاق الصحف وانذارها.
صدر المرسوم الخديوي بقانون المطبوعات في 26 نوفمبر 1881، بهدف «إيقاف الصحف الوطنية والقضاء على حرية الصحافة»، بحسب ما أورده زعيم الثورة أحمد عرابي في مذكراته.
فُصَّلت مواد هذا القانون كي تمَكّن السلطة من إحكام قبضتها على الصحافة، فأجازت «للحكومة في كل الأحوال، حجز وضبط جميع الرسومات والنقوشات، مهما كان نوعها أو جنسيتها، متى وضحت أنها مُغايرة للنظام العمومي أو الدين، وكل جريدة أو رسالة دورية تشتغل بالمواد السياسية أو الإدارية أو الدينية، وتصدر بانتظام فى أيام معلومة أو بدون انتظام، لا يجوز نشرها إلا بإذن من الحكومة، كما أن التبليغات التى تصدر من نظارة الداخلية بقصد نشرها يجب أن تكون فى صدر أي صحيفة».
ويرصد الرافعي عدد من القرارات التي اتخذتها حكومة شريف باشا ضد بعض الصحف استنادًا إلى مواد قانون المطبوعات فيقول: «كانت لهجة الصحف المُتأثرة بانتصار الثورة العرابية قد علت، فوجهت حملاتها إلى الأجانب، فأصدرت إدارة المطبوعات إنذارًا رسميًا إلى الصحف تطلب منها أن تلزم حدود الاعتدال في كتاباتها، استبقاءً للعلاقات الودية بين مصر والدول الأجنبية».
ويضيف الرافعي في كتابه «الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي»: لم تستجب بعض الصحف للإنذار الحكومي، فصدر قرار بإلغاء جريدة «الحجاز» لصاحبها السيد إبراهيم سراج المدني، وإلغاء جريدة «ليجبيت» التي تصدر باللغة الفرنسية بعد أن نشرت مقالًا فيه تعريض بالنبي محمد.
ويستنكر الرافعي وهو من أشد المعجبين برئيس الوزراء شريف باشا إصدار الحكومة هذا القانون المُقيد لحرية الصحافة؛ «لا ندري ما الباعث على صدوره، ومَن الذي أوعز بوضعه، وهل كانت الحكومة وقتئذ تخشى إطلاق حرية الصحف فوضعت لها هذا القانون». مؤكدًا أن إصدار هذا القانون الذي ضاعف القيود على الصحف وضع حكومة شريف موضع النقد، ونال هذا النقد من الإمام محمد عبده الذي عُيّن رئيسًا لقلم المطبوعات العربية والتركية.
جرت في النهر بعد ذلك مياه كثيرة، فانهزمت الثورة العرابية، وحل الاحتلال الإنجليزي على مصر، وقررت سلطاته نفي قادة الثورة، ومعاقبة الصحف التي دعمتهم، فأغلقت صحيفتي «الزمان» و«السفير»، وعطّلت «المفيد» و«النجاح».
وبعد نحو عقد من الزمان، وارب المعتمد البريطاني اللورد كرومر الباب لحرية الصحافة، وأهمل العمل بقانون المطبوعات، ودعم صحيفة «المقطم» لتصبح لسان حال الاحتلال، في المقابل ظهرت صحف مثل «المؤيد» و«اللواء» و«الاستقلال» و«القطر المصري» تناصب الاحتلال العداء، وتطالب بالاستقلال والدستور.
وبعد الدور الذي لعبته الصحافة في فضح ما جرى في حادثة «دنشواي» في 1906، طلب اللورد الدون جورست، خليفة كرومر، من حكومة بطرس باشا غالي إعادة بعث قانون المطبوعات بدعوى أن «عدم تنفيذ قانون المطبوعات لم يزد الجرائد إلا تماديًا في التطرف والخروج عن الحد»، فأصدر مجلس الوزراء فى 25 مارس 1909 قراره بإعادة العمل بالقانون، وكان الهدف منه مراقبة الصحف ومصادرتها وإغلاقها إذا اقتضى الأمر، ووضع القيود على الأقلام.
ذهب زعيم حزب «الوطني» محمد فريد إلى الخديوي عباس حلمي فى نفس اليوم الذي صدر فيه ذلك القانون بعريضة احتجاج على قرار «الوزارة البطرسية»، واشتعلت المظاهرات الرافضة لهذا التضييق على الصحافة.
وكتب الأستاذ أحمد حلمي أحد رواد الصحافة المصرية في صحيفة «القطر المصري»: «إن ذلك البعث ما هو إلا للتضييق على الصحافة الوطنية التي بدأت ترشد وتنتقد أعمال الاحتلال وحكوماته»، فرد عليه بطرس غالى فى حوار لـ«البروجريه»، قائلًا: «الغرض من القانون ليس منع انتقاد الحكومة بصدق وحق، كلا بل نحن نقابل الصحف التى تظهر للحكومة أخطاءها بالشكر والامتنان»، فعلق حلمي في مقال لاحق: «ما هو الفرق بين التقييد بسلاسل من ذهب أو من حديد؟ أليس التقييد واحدًا على كل حال».
ووفقًا لما أورده الدكتور إبراهيم عبده فى كتابه «تطور الصحافة العربية»، تزعم أحمد حلمي إحدى المظاهرات الرافضة للقانون وقدّر عدد المشاركين فيها بـ 25 ألف من المصريين فى 31 مارس 1909، وفرَّقتهم قوات البوليس وزج برئيس تحرير «القطر المصري» أحمد حلمي، ورئيس تحرير «اللواء» عبد العزيز جاويش إلى السجن، بتهم منها العيب في الذات الخديوية وتكدير السلم العام بمقتضى هذا القانون.
صدر ضد حلمي حكم بالحبس البسيط أربعة شهور مع كفالة قدرها عشرة جنيهات، ثم صدر حكم آخر بحبسه ستة أشهر وتعطيل «القطر المصري» وإعدام كل ما يُضبط من العدد (37)، وحكمت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي وجعلت الحبس سنة مع الشغل، ليصبح أول مصري يُحكم عليه بتهمة «العيب في الذات الخديوية».
ويقول الدكتور إبراهيم عبده إن صحيفة حلمي راحت ضحية لقانون المطبوعات، ورأت الحكومة أن المقال المُترجم الذي نُشر عن صحيفة «العدل» التركية يمسّ النظام العام فأمرت بتعطيلها، وبعد تعطيل دام ستة أشهر، عادت «القطر المصري» للصدور وكتب أحمد حلمي مقالًا من سجنه بعنوان «أنا سجين»، قال فيه: «حرية الكتابة والخطابة وعدالة الإرادة والقضاء واحترام الأقوياء لحقوق الضعفاء، هو سبيل الأمم للارتقاء».
وفي فبراير من العام التالي؛ 1910 أطلق الشاب إبراهيم الورداني الرصاص على رئيس الوزراء بطرس باشا غالي ليرديه قتيلًا، وخلال التحقيقات اعترف الورداني بارتكابه الجريمة، وقال إنه أقبل على فعلته تلك نتيجة تصرفات غالي «الخائنة لوطنه»، بدءًا من توقيع اتفاقية السودان التي تمنح انجلترا السيادة على الشق الجنوبي من مصر، مرورًا برئاسته لمحكمة دنشواي، فضلًا عن قراره بمدّ امتياز قناة السويس، وصولًا إلى إصداره أمر بإعادة قانون المطبوعات سنة 1909 «الذي سلّط سيفه على رقاب الصحف وحرية الكتابة بعد أن كان قد مات وعفا عليه الزمن».
رغم القيود التي فرّضها قانون المطبوعات على حرية الصحافة، إلا أن الصحف الوطنية ظلت تقاوم الاحتلال وتنادي بالاستقلال والدستور، وهو ما كان له أبلغ الأثر في التمهيد لثورة 1919، في المقابل ضاعفت إدارة الاحتلال من فرض الحصار على الصحف مع دق طبول الحرب العالمية الأولى، فأعلنت الأحكام العرفية وشددت من رقابتها على المطبوعات.
أثّر قانون المطبوعات والرقابة التي مارستها سلطة الاحتلال، على تفاعل الصحف المصرية مع أحداث ثورة 1919، وتحوّلت المنشورات السرية في كثير من الأحيان إلى بديل عن الصحف في نقل أحداث الثورة، بسبب تدخل الرقيب بالمنع والمصادرة أو بحجب الأعمدة والمقالات، ولم يعد ظهور مساحات بيضاء في الصحف اليومية يثير تساؤل الجمهور حينها، فأصبح من المعروف بالضرورة أن مقص الرقيب يتدخل لحجب أي مواد قد تحرّض الجماهير على الثورة، بداية من لقاء الزعيم سعد زغلول بالسير وينجت، وصولًا إلى القبض على أعضاء الوفد المصري ونفيهم، وما تخلل ذلك من مظاهرات عمّت أرجاء القطر المصري.
شهد عقد العشرينيات من القرن الماضي الذي خرج فيه دستور 1923 إلى النور، صراعًا حادًا بين التقييد والانفراج، وحاولت حكومات توفيق نسيم باشا وأحمد زيور باشا ومحمد محمود باشا أن تتسلط وتمارس الرقابة على الصحف التي تحوّلت إلى لسان حال الأحزاب والتيارات التي ظهرت في ذلك الوقت.
فى تلك الفترة ظهر اسم الصحفي محمود عزمي المُدافع الأول عن الحقوق والحريات الصحفية والذي أصبح رئيسًا لبعثة مصر الدبلوماسية في الأمم المتحدة في وقت لاحق. خاض عزمي معارك شرسة ضد محاولات تقييد حرية الصحافة، وانتقد المادة 15 من دستور 1923 الخاصة بالصحافة، والتي نصّت على أن: «الصحافة حرة فى حدود القانون، والرقابة على الصحف محظورة، وانذار الصحف أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور، إلا إذا كان ذلك ضروريًا لوقاية النظام الاجتماعي»، ورأى أن العبارة الأخيرة ما هي إلا استثناءً يبطل مفعول حرية الصحافة تمامًا، ويخضعها إلى ما كانت عليه في عهد التحكم الفردي.
وبعد سقوط وزارة مصطفى النحاس في 19 يونيو 1930، تولى إسماعيل باشا صدقي رئاسة الوزراء، وكان كارهًا للديمقراطية والصحافة ودستور 1923 الذي قلّص من صلاحيات الملك فؤاد لصالح البرلمان فقرر إلغاءه، وأصدر دستور 1930، وبطش بكل صاحب رأي وألقى القبض على معارضيه وصادر ووقف طباعة الكثير من الصحف، فخاض عزمي معركة ضد جور حكومة صدقي على الحريات الصحفية، انتهت بهجرته إلى لندن ليصدر من هناك جريدة «العالم العربي» بالإنجليزية لتتحوّل إلى لسان حال المعارضة المصرية في أوروبا.
منذ عهد إسماعيل وحتى قيام ثورة يوليو، تصدت الصحافة المصرية لكل القضايا الوطنية، وكانت لسان حال الشعب بحق، دعمت مطالبه في الاستقلال والدستور والحرية وإقامة حياة نيابية سليمة، دعمت النضال ضد المحتل وهاجمت القصر وحكوماته وبشرت بسقوط أسرة محمد علي، ورغم دسائس الاحتلال والسرايا ومحاولاتهما المستمرة تطويع الصحفيين، ألا أن السواد الأعظم من أبناء صاحبة الجلالة رفضوا أن يتحوّلوا إلى أبواق للملك أو المعتمد البريطاني، ودافعوا عن حقوق الشعب وخاضوا معركتهم بالقلم والحبر، لذا كانت الجماهير حريصة على دعم الصحافة وحريتها.
لم تتوقف روح المقاومة في الصحافة المصرية حتى بعد صدور قرارات تأميمها في العهد الناصري، وظل الصحفيون يحاولون الوصول إلى الناس حتى لو بين السطور ودفع العديد منهم الثمن غاليًا من حريته، وتعرّض بعضهم للبطش، وحتى مَن التحق بهم بصفوف سلطة عبد الناصر، ومن بعده السادات ظل حريصًا على الحفاظ على وجود هامش لحرية العمل الصحفي.
في السنوات الخمس الأخيرة خمدت تلك المقاومة وغُيب أصحاب القلم عن المعارك أو حتى عن المناورة بسياسة العصا والجزرة التي استخدمتها السلطة في البداية حتى تمكنت بعد ذلك من تأميم أي هامش للحرية، وصار الحديث عن حرية الصحافة في المنصات الإعلامية من المحظورات، وتمّ شرعنة المنع والحجب والرقابة التي كانت تمارسها أجهزة الحكومة خارج إطار القانون، فهجر الشعب الصحافة المصرية، فانكشف ظهرها وصار الصحفيون بلا سند.
الأنظمة المستبدة تتعامل مع حرية الصحافة واستقلالها باعتبارها ترفًا، وترى أن حق المواطن فى الحصول على المعلومة والتحليل هو حق مؤجل، وأن أي حديث عن التنوع وتداول الأفكار يؤثر على الاستقرار ويثير البلبلة ويخدم أعداء الوطن.
بالطبع لا تخشى تلك الحكومات على الأوطان أو الشعوب بقدر خشيتها على نفسها، فالمواطن الذي يعرف ويعلم يظل مصدر قلق للأنظمة المستبدة، وكلما تكشفت أمامه الحقائق ونقلت إليه الصحافة والإعلام المعلومات المحققة ووجهات النظر المختلفة، زاد خطره على الأنظمة التي تسعى إلى التأبيد في السلطة، ومن ثم تعمل تلك الأنظمة على غلق المحبس، وتأميم حق المواطن في صحافة حرة من المنبع، حتى يتسنى لها تسييره وتوجيهه، فتفرض القوانين التي تمكنها من البقاء بلا حسيب أو رقيب.
لن تستقر الدولة وتنطلق نحو المستقبل، في وقت تصرّ فيه السلطة على وضع قيود جديدة على الصحافة والإعلام، فبدون صحافة حرة تراقب أعمال سلطات الدولة الثلاث وتمارس دورها باعتبارها عين المحكومين على الحكام، سيظل الفساد والتخلف والفوضى هي القيم الحاكمة في دولة الاستبداد.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد