تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

شلوط له معنى: عن فيلم كوميدي + بيضحّك

أنديل
6 دقيقة قراءة

قابلت شيكو وفهمي في ٢٠١٠ عندما كان مسلسلهما الناجح (الرجل العنّاب) لا يزال مجرّد فكرة.

وقتها كان الممثلان/كاتبان، مع ثالثهما هشام ماجد قد كوّنا C.V. يضم فيلماً منزلي الصنع، برنامج تليفزيوني، وفيلمين تجاريين ناجحين، (ورقة شفرة) ٢٠٠٧ و(سمير وشهير وبهير) ٢٠١٠، الفيلم الذي إلتصقت أسماء الشخصيات التي لعبوها فيه بهم إلى الآن.

كان من المفترض أن أعمل مع فريق من الكُتاب على مشروعهم الجديد وقتها، بكل طموح قرروا أن يصنعوا مسلسل كوميدي عن الأبطال الخارقين في مصر، ليس موضوعاً معتاداً، وربما يكون المرجع الوحيد له في تاريخ مصر السينمائي هو (العتبة جزاز) ١٩٦٩ الذي كتبه عبدالمنعم مدبولي وعبدالحي أديب وأخرجه نيازي مصطفي، الفيلم الذي يتحول فيه البطل إلى فأر خارق فور سماعه لطقطوقة: "العتبة جزاز، والسلم نايلو في نايلو".

سألوني عن رأيي في "سمير وشهير وبهير"، أجبت: "بصراحـــة..".

"بص، إحنا عارفين إننا مش بنعمل (فيلم الأرض)" قاطعني شيكو. "إحنا عارفين إنه فيلم تافه، بس بيضحك ولا لأ؟".

ضحكت مرة أو مرتان في الفيلم. أذكر منهم مرة أضحكني إسم شخصية (بهجوري) الشخص الوحيد الذي أعرفه بهذا الإسم هو رسام الكاريكاتير العجوز الشهير (چورچ البهجوري) الذي يرتدي قبعات مضحكة. بالرغم من شهرته في أوساط الصحافة كرسّام كاريكاتير، وبالرغم من كونه فناناً تشكيلياً هاماً تُعرض أعماله في باريس، يكاد بهجوري يكون مجهولاً في مصر، خاصة لجمهور فيلم كوميدي في العيد. أضحكني إختيار الإسم وعشوائيته. وبالرغم من ذلك خرجت من الفيلم بشعور بالمرارة والحيرة والتشتت. الفيلم صاحب النجاح الجماهيري الكبير كان عن ثلاثة شباب يخترعون آلة زمن يسافرون بها في الماضي ليقابلوا ذويهم في شبابهم، ومع ذلك فشل تماماً في إيقاظ عقلي طوال فترة عرضه. لست من هواة الأفلام التي يتطلب الإستمتاع بها مهارات حسابية، ولكن الفيلم تعامل معي على أنني شخص ذو قدرات عقلية محدودة.

بدأ الثلاثي مشوارهم في أوائل الألفينات بفيلم مصور على شريط ڤيديو. كان فيلمهم الأول هو محاكاة ساخرة للفيلم المصري الأشهر (الطريق إلى إيلات)، فيلم الدولة الأثير الذي يوثق للعملية التخريبية التي قامت بها القوات المسلحة أثناء حرب الإستنزاف بعد هزيمة ١٩٦٧ وتمكنت من إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات. الفيلم عديم التكلفة تقريباً، الذي أسموه (رجال لا تعرف المستحيل) كان يوّزع على سيديهات وأجهزة كمبيوتر المشاهدين بشكل تطوعي في عالم ما قبل اليوتيوب وزمن الإنترنت الهاتفي المنزلي.

بكل ما يحمله هذا المسمي من إبتذال، (رجال لا تعرف المستحيل) حرفياً قدّم الثلاثي كرجال هزموا المستحيل، صنعوا فيلماً من لا شئ، شهروه، وشهروا أنفسهم، قبل أن يصبح هذا السلوك موضة.

كان لهذه الحركة كثير من المعاني وقتها وأعتقد أن تلك المعاني هى أحد أسباب نجاح الفيلم. تم إطلاق الفيلم في ٢٠٠١، عندما كانت (السينما الشبابية) تنتصر. كان هذا هو العام الذي إشترك فيه محمد سعد وأحمد حلمي في بطولة مطلقة لأول مرة، محمد هنيدي كان يُثبّت أقدامه كنجم شباك، أحمد السقا بدأ يأخذ مشواره بجدية كشخص يقفز من أماكن عالية.

هذا الفيلم المستقل (بهدوء) كان تصريحاً ورسالة أنه بإمكان أي شخص أن يفعل أي شئ دون مساعدة من أحد، وإتسق هذا بشكل مثالي مع موجة الإستقلال التي انفجرت لاحقاً في الموسيقى، السينما، النشر وفنون الشارع. اختيار الموضوع كان أيضاً مؤشراً هاماً لتغيير في الأجيال ومدي تأثرها بالبروباجاندا الحكومية المتكلّسة والتوجيه.

المحاكاة الساخرة أو الـ Parody هو نوع كلاسيكي للغاية من الكوميديا: لا شئ أفضل من السخرية من أشياء تأخذ نفسها بجدّية شديدة. عُرض (الطريق إلى إيلات) تقريباً في كل مناسبة قومية. العملية نفسها التي تدور أحداث الفيلم عنها تعتبر مصدر فخر للجيش، كانت من أوائل الردود المصرية على هزيمة ١٩٦٧ ووثقها الفيلم بطريقة ملحمية. ولهذا يسهل إلتقاط اللحظات - وهى كثيرة - التي انجرف فيها صُنّاع الفيلم مع مشاعرهم وقدّموا شيئاً سخيفاً لحد الإضحاك. كلما زادت جدّية الفيلم، كان البارودي أكثر إضحاكاً - أساسيات الفيزياء.

لا أريد أن أدّعي أن الفيلم كان عن هذا. ربما دارت بين شيكو، فهمي وهشام مناقشة حول هذه الأمور، وربما هم فقط تفاعلوا بشكل حدسي مع الطريقة التي أراد (الطريق إلى إيلات) أن نتصرف بها في حضرته، وقرروا أن يفعلوا عكسها، وهو ما فعلته الكوميديا دوماً، وستفعله دائماً.

منذ فجر قدرة الإنسانية على التواصل، استوعب الناس قدرة الكوميديا على مجابهة الواقع وهزيمته، فتح آفاق جديدة للخيال ولفت النظر للهراء الذي نعيش فيه وكيف صنعنا منطق الأمور. لذا الكوميديا دائماً هى مسار معكوس للعالم يشبهه تماماً كصورته على المرآة ولكنه مختلف عنه تمام الإختلاف في نفس الوقت.

ولهذا السبب، مع الكوميديا رخصة لتكون غريبة كما تشاء وفاضحة كما تشاء، وجزء من دور الكوميديا في الحياة أن تمدد وعينا على قدر ما إستطاعت، وتقلب المنطق من الداخل للخارج مثل الشراب لتدفعنا للتفكير في تفاصيل الحياة اليومية المعتادة (أو أعقد تساؤلاتنا الوجودية) لنراهم من منظارٍ جديد.

في هذا المعني، الكوميديا هى تعاطي فكري، بسبب الطريقة التي تنشّط بها عقلك وتدفعك للتفكير فيما يحدث حولك والضحك عليه. وهذا، بالإضافة للنقطة التالية في هذا المقال، يوضح لماذا إقترنت الكوميديا دائماً بالحكمة والفلسفة، كما يفسر وجود تشارلي تشابلن وكل الكتاب الساخرين العظماء ورسامي الكاريكاتير والكوميديانات في العالم.

الكوميديا رغم ذلك هى مثل محاربي المليشيات في مواجهة جيوش المنطق النظامية العملاقة. ليس لدي محاربي المليشيات ما يخسروه، لذا متاح لهم أساليب أكثر جرأة في الهجوم.

عندما حلق شيكو رأسه مانحاً نفسه أسخف صلعة قد تراها في حياتك، ليبدو أكبر من عمره ويتمكن من أداء شخصية ضابط المخابرات الواثق في نفسه أكثر من اللازم، الواهم محدود الذكاء الذي يدرب مجموعة من الشباب على تفجير مبنى الموساد الإسرائيلي، ويفشل بالطبع، كانت هذه مهمة إنتحارية. شيكو لغّم وجهه بالمتفجرات وغامر بما إتفقت الثقافة السائدة على تسميته وقاره وجديته، ولكن بينما يفعل ذلك هو حطم أيضاً منطق الوقار والجدية الذي يختبئ خلفه رجال مثل ضابط المخابرات الذي كان يمثل شخصيته ويخبئون وراءه ضعفهم.

إيذاء النفس المتهور بهدف إيصال الفكرة كان دائماً سمة مميزة للكوميديا وأحد أدواتها. لهذا الضحك المبالغ فيه والمزاح مذمومان دائماً ومقترنان بقلة القيمة أو السفاهة. ساعد هذا الإرتباط الكوميديا على تطوير نفسها لتجد لنفسها مكان في الموروث الإنساني حيث يمكنها الإستفادة من غرابتها وتأثيرها علي تفكير الناس ومشاعرهم لأهداف بناءة. على ذكر تشابلن وكوميديته التهريجية. أحياناً كان تشابلن يُضحك الناس على أشخاص يركلون مؤخرات بعضهم البعض. إنه أمر مضحك، لكن رخيص ومسطح عندما يكون مجرد شخص يركل مؤخرة شخص، لكن تشابلن جعله أمر أكثر إضحاكاً وذو معنى عندما جعله شخص يركل مؤخرة ضابط البوليس. الإنسان ضد السلطة، الظلم، القوة، والخوف.

فؤاد المهندس، الفأر الخارق في (العتبة جزاز) أيضاً صنع (أرض النفاق) ١٩٦٨ الذي قابل فيه العالم الغريب الذي يصنع حبوباً للأخلاق. يلقي المهندس بأجولة الحبوب في النيل محاولاً جعل الناس أكثر صدقاً، شجاعة أو طيبة. إنه فيلم مضحك ذو فكرة هامة لكنه إنتهى نهاية واقعية محبطة قليلاً. لا أعتقد أن هناك الكثير من المنتجين مهتمين بصناعة أفلام تجعل الناس يفكرون بواقعية في حياتهم، فربما لو فكّروا، لن يشاهدوا أفلامهم أولاً ثم أشياء كثيرة ستتغير بعد ذلك. لا أعتقد أن كثيرون من هذا النوع من المنتجين كانوا موجودين وقتها، ولا الآن.

تلخيصاً، المشكلة الرئيسية مع الرد الكسول الشهير "المهم كان بيضحك؟" أنه: لا شئ مبهر على الإطلاق في أن تصنع فيلماً كوميدياً مضحك! الضحك هو أحد المهام الأساسية للفيلم الكوميدي. لو لم يكن مضحكاً هناك مشكلة كبيرة، لو كان مضحكاً هى مجرد نقطة بداية.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
نوارة نجم

ملحمة «ابننا» البوهيمية

«حديث البعض عن حصد مالك للجوائز لإنه من أسرة مهاجرة نكاية في ترامب محض «هري» يا جماعة»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).