شر الهزائم
١.
عندما وُلدت، قررت أمي أني هزمتها، كأنني انتقصت من أمومتها، لأنني لم أولد ذكرًا، لذا لم تكن حنونًا في صغري. ولذا تحالفت مع أبي ضدها في كل وقت، وفي كل فرصة سنحت لي. لم أسمح لها أن تكون أمي سوى عند المرض؛ فكانت تمسد لي شعري، كأنها تعتذر لي عما بدر منها. ولأنها أمضت وقتًا طويلًا تتجنب أن تحدثني عن ولادتي، عن لحظتنا المشتركة، اعتقدت أنني خيبت ظنها. حين كان يسألها الناس عنا، كانت تحمد الله وتضيف أن الكمال لله وحده. أما أنا فكنت أتلمس أعضائي قبل النوم، لأعرف ما الذي ينقصني عن الكمال في نظر أمي. كما كانت، لوقتٍ طويل، تذكرني وأخوتي أن لنا أمًا واحدة فقط. أما الوطن-الأم، فقد ولدنا من دونه، ولهذا نحن لاجئون، ولهذا سيفر الدمع من عيني حينما تأتي سيرة الوطن-الأم، ولهذا سيلاحقني عار الرحيل الذي عبر مع جدتي وجدي الحدود.
٢.
عندما وُلدت، قرر أبي أن ذلك امتداد لانتصارات الثورة الفلسطينية، لأننا ننجب أطفالًا، ينجبون أطفالًا، يرسمون البيوت كاملة، والعيون كبيرة، والسلاح أكبر. من البحر إلى النهر، من المخيم إلى القرية-الأم، إلى التراب-الوطن، إلى السفينة-الثورة تبحر، وأبي يحمل أختايّ أمام البحر، منتصرًا الآن، مهزومًا في اليوم التالي. ولأنني لم أعرف شكل هذه الهزيمة، اعتقدت أن الأبوة شيء هش، يجرحها أي شيء؛ ولذا علينا أن نقول له صباح الخير كل يوم، حتى وإن لم يرد السلام، وأن لا نتكلم في أثناء قيلولته، وأن أمسك يده جيدًا ونحن نمشي من بيتنا إلى بيت جدتي، وأن أحفظ زواريب الحي على أنها طرق إلى النصر، ترك فيها الشهداء معالمهم للمطر ليمحوها فصلًا بعد فصل، وأن لا نقاطعه أبدًا، أبدًا، وهو يشاهد نشرات الأخبار، ساهيًا عن السيجارة المحترقة بين شفتيه، أو حين يسترسل في مونولوج عن الرقص والأعمال الإدارية الرتيبة كنوع من المقاومة، ليصحح تاريخه الشخصي ويثأر من عمتي التي أخبرتني أنه رقص للثورة ولم يطلق الرصاص فيها. كان يقول: السلاح لا ينتصر وحده، ويلزمه موسيقى وشعر وكراتين مساعدات ومدارس مجانية وأطباء يضعون أيديهم على قلوب الأطفال ويبتسمون. كنت أتململ من هذا التاريخ وأحاول أن أفر إلى زاوية البيت، مفتعلةً حروب مع أخوتي، لأن قصص أبي، مقارنةً بما كنا نسمع عن قصص الآخرين البطولية، كانت مملة ولا تنفع أبدًا في الألعاب التي كنا نخترعها. من يرقص للأعداء وينتصر؟ ومع هذا، لوح أبي للسفينة-الثورة قبل أن أولد، ليصحو في اليوم التالي مهزومًا، كل ثورة، كل مرة.
٣.
كنت أسأل جدتي إذا التفتت إلى الخلف وهي تعبر الحدود إلى لبنان، وإذا بقي لنا أثر هناك، وكيف سأستدل على البيت، ولمن سأعرّف بنفسي. لكنني كنت أعلم، وأنا أسأل، أن الغائبين لا يعودون، وأنني وُلدت لأن جدتي وُلدت، ولهذا نحن أيضًا أختان، وُلدنا من الوطن-الهزيمة. ولأنني لم أعرف الوطن-الأم، لم أعرف كيف تبدو الهزيمة، سوى أنني خيّبت آمال أمي منذ الولادة، ولهذا السبب حظي عاثر، ونجمي مُقلّ، وليس عندي القبول. لم أنتبه أن عمري ضاع وأنا أبحث عن أثر أسلافي بين الحصى والتلال والعناوين وأسماء المباني وتفاصيل عصيّة على الفهم. ولهذا جلست أمام البحر سنةً وثلاث، حتى مل الموج مني. ولهذا طبخت وصفات جدتي، وتأملت في تفاصيل وجهها، أبحث عن وجهي، لكنها تشيح عينيها عني، حتى في الصور، حتى في أحلام اليقظة. أدعي أن العودة تبدأ من المشي في الغابات المُهمَلة حتى يظهر الوطن-الأم. لكن وجه سِتي يقول إن العودة إلى الماضي مستحيلة.
٤.
هذه كلها هزائم ورثتها كأنها واقع حال وقدر شخصي لا يمسه شك، ولم أجرؤ يومًا على اعتبارها إرثًا جماعيًا. لكن جداتيّ كانتا تهبطان إليّ في الحلم أحيانًا، فأعلم أن موجةً من الحزن ستجتاحني. فأتحاشى النظر في العيون، وأمشي في شوارع جديدة لم تسلط عليها قصص أبي، شوارع لم تخطها أمي بعد الحرب مشيًا أو حتى عبر السيارة، لكنها كانت متأكدة بكل جوارحها بأنها مليئة بالشر. ورغم جسارتي في المشي في شوارع الشر هذه، كنت أتوجس من الثقوب في الحيطان، ومن وجوه الرجال العابسة، ويملأني الحذر من الشر المحيط بي. فأطأطئ رأسي وأعود أدراجي، مصرّةً على المرور بكورنيش البحر كخطوة ضرورية للتخلص مما قد يظل ملتصقًا بي. وحين سنحت الفرصة، شققت طريقي في المدينة، وعبرت إلى الضفة الأخرى. كنت أحسب أن عبور الخط الأخضر هو الانتصار الأهم، وفاتحة الانتصارات. وأنني، حين سقطت سهوًا مما كان مقدرًا لي، بدت لي كل الهزائم التي ورثتها بعيدة، واختفت كل ملامحها وتفاصيلها. ولأنني لم أعرف طعم الانتصار، فرحت بهذا البعد، وصار عندي إحساسًا، وأنا أنام في سريري الخاص، في غرفتي الخاصة، في شقتي الخاصة، أنني جزء من المدينة-الأم.
٥.
لم تعد جدتاي تهبطان إليّ في الحلم. صرت أشق الطرقات أينما أكون في الحلم لأصل إلى البيت وأبحث عنهما. ضاعت الكثير من الأحلام وأنا أبحث عنهما بين الحواكير، وأدراج المنازل، وعلى الشرفات. يضغطني الحلم أحيانًا بغيابهما ليستمر، فأكمل المشوار المكتوب. وأحيانًا قليلة كنت أحظى بجدتي في بيت الجبل، فتخبرني أشياء قليلة، ببطء شديد، وأسترق النظر في الحلم لأطمئن أن كل شيء بقي كما هو في البيت. لكنني لا ألحق بالقيام بجردة كاملة قبل أن أستيقظ. وحين أُصادف جدتي الثانية، أستيقظ حين تفتح فمها لتحدثني. أخاف مما ستقول، رغم أنني حلمت لأبحث عنها.

٦.
كانت السنوات الماضية هزيمة، لكنني لم أعرف. هذه هي مأساة جيلي، يعيد القدر زرع نفسه في وسطنا. كلما اجتمع اثنان كان شبح الحرب الأهلية ثالثهما. وأضحت المدينة حادة، طردتنا من حي إلى حي. منا من نجا ومنا من بصقته على هيئتها. نهيم في النكران النابت بين الكلمات وأسماء الطرقات وعلى ألسنة الحكومات المتعاقبة. يكبر شبح الحرب الأهلية ويصغر، سوسٌ ينخر في جدوى ومعنى أي تنظيم. انتبه من الحرب الأهلية وأنت تعد فطورك. انتبه من الحرب الأهلية إذا مشيت في الشارع. انتبه من الحرب الأهلية وأنت تعد ما سُرق منك. انتبه من الحرب الأهلية وأنت تخلي البيت. انتبه من الحرب الأهلية في كل الأوقات، وكل الساعات، وبين الرسائل، وفي الاجتماعات. انتبه من الحرب الأهلية. انتبه فقط، انتبه.
٧.
أحاول أن أبني سيرة شخصية لي. أحاول تذكر الأحياء التي عشت فيها، تفضيلاتي شخصية. لكن الذاكرة تعود بي إلى حقبة الانفجارات المستمرة والعيون الفارغة، وذلك الصمت الذي يحل فجأة. يبقى فقط صوت خزانات المياه وصدى بعيد لسيارات الإسعاف. أرى البارجة في عرض البحر تحترق، ولا أرى وجهي الضاحك الباكي. أمر على المظاهرات الصغيرة والمظاهرات الكبيرة، وحتى في الذاكرة أرى رجالًا ينبحون، يأخذون كل الهواء، ويقولون الكثير، ولا يقولون شيئًا حقًا. أرى أنني أختنق من الغاز المسيل للدموع، ومن كثرة الألغام السياسية، ومن كثرة التواصل الاجتماعي، ومن كثرة التشدق باللغة والتنظير، من كثرة الخوف. ومن كثرة الخوف لا يلتقي اثنان إلا ومخاوفهما ثالثهما. تعود بي الذاكرة إلى يد الثورة في ساحة الشهداء المبتذلة. كلنا محشورون في قطعة صغيرة لا نخرج منها إلا بانفجار كبير. في يدي التذكرة-الهزيمة. بلا سيرة شخصية، فقط قدر جماعي. وفي وجهي ملامح اختفت بعد أن حطت الطائرة. أرى نهاية نكراء لحياة مقدرة من الهزائم السابقة. قطع الانفجار حبل الصرة مع المدينة-الأم. قطع الانفجار المدينة.
٨.
كأنني كنت حلمًا في السنوات الأخيرة. خيالًا يقف وراء النوافذ*. كأن الأحزان كانت مؤجلة، وتدفقت مني حتى اختفت ملامحي التي وصلت بها. كأنني لم أكن في المدينة-الأم. كأنني قدَرٌ من الغياب فقط. فأختفي من الحدائق العامة، ولم أعد أصفن بالغراب الواقف على حبال الكهرباء قبيل نافذتي. لم أعد أقف خلف النافذة. صرتُ خيالًا يجلس في عتمة غربته، يحصي كل ما كان مقدرًا.

٩.
لكن الإبادة أعادتني إلى رشدي. ها هم الشهداء نائمين. ها هم الشهداء مقطعين، متفحمين. ها هم الشهداء خدّجًا. ها هم الشهداء كفّ يد. ها هم الشهداء في ثلاثة أكياس. ها هم الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. ها هم الأحياء يموتون. ها هم الأحياء غير الأحياء. ها هم الأحياء شهداء. ها هم الشهداء الركام. ها هم الشهداء الحطام. ها هو البحر دمًا.
هل كان هذا مقدرًا؟
كل شيء يبدو مقدرًا الآن.
١٠.
أعود إلى المدينة-الأم خيالًا لا يتعرّف عليّ أحد. مرت على الأحبة حرب لم توقظني ليلًا، ولم تُشرّد عائلتي، ولم تجبرني على المشي بين المباني بحثًا عن غرفة، وفرشة، وحرام، ولم تدفعني إلى البكاء بالنيابة عن اللواتي افترشن أيضًا الشواطئ والشوارع الجانبية، مطروداتٍ أيضًا من سرديات التعاطف. ولم تُزعجني المسيّرات، ولم تدخل في أحلامي، ولم تغير ملامح وجهي الخوف. لا يهتز وجهي حين أتكلم عن الحرب، ولا تتعلق الدموع بعيني. أعود إلى المدينة-الأم، ولا أجد من الرفاق أحدًا. كلهم متعبون. اختفوا من أحلامنا المشتركة.
١١.
أعدد كل هذه الهزائم منذ الولادة. أرتبها حسب الزمن: ما ورثته، وما خلقته، وما كان قدرًا، وما كان فعلًا. أفكّكها باحثةً عن القصة الفصل، لكنني لا أستطيع حسم أيها شر الهزائم وأقبحها. كل شيء كان سيحصل، سواء شهدنا عليه أم لم نشهد. أحيي في ذاكرتي بار الشيه أندريه حيث كنت أهرب من التلاميذ والمعلمين، أجلس على البار لأخذ لحظة، فينهرني النادل ويسألني ما الذي أفعله خارج أبواب المدرسة. كل شيء كان مقدّرًا: حتى معاكسة القدر، حتى عبور الخط الأخضر، حتى عبور الخطوط الحمراء. كل شيء يبدو مقدرًا الآن. كل شيء ينتهي. كل شيء يمر بأرض الحنين. كان كل شيء مقدرًا. هذا شر الهزائم: أن يكون كل شيء مقدرًا.
*أعرف جيدًا أنه ليس مؤلمًا على الإطلاق أن تقف خلف النافذة كما يفعل من ينتظر شيئًا، أحدًا ما، أو من يدفعه الفضول إلى الاطمئنان مرةً ثم أُخرى إلى أن الأشياء في الخارج ما زالت هناك وأنه لم يمت بعد لكي يفقدها.
بسام حجار، مجرد تعب.
آراء أخرى
من «مصطفى محمود» إلى «رابعة»: السياسات المميتة لـ«القرف»
«تختلف النظريات في أصول القرف وتفسيره، لكنها تتفق على أنه شعور حصري، يختلف عن الخوف»
لماذا سوريا؟
«تحاول المقالة الرد على السؤال الذي دائمًا ما يواجهني: لماذا سوريا؟ ما الذي يجعلك تهتم بما يحدث هناك؟»
الجدل حول سوريا يصل إلى طريق مسدود
«روايتان متصارعتان تهيمنان على النقاشات، وكلتاهما لا تقدمان حلًا.»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد