تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

سد منابع حقوق العمال: لا تفاوض ولا إضراب

فاطمة رمضان
13 دقيقة قراءة
سد منابع حقوق العمال: لا تفاوض ولا إضراب

ثلاثة حقوق عمالية يرتبط بعضها ببعض؛ حق تأسيس النقابات بحرية ودون تدخل من أحد، وحق الإضراب عن العمل، والمفاوضة الجماعية.

الإضراب هو سلاح العمال الوحيد لإجبار أصحاب الأعمال على الجلوس على مائدة المفاوضات، بينما المفاوضة الجماعية هي الحوار والمناقشات التي تجري بين المنظمات النقابية وبين أصحاب الأعمال أو منظماتهم، لتحسين شروط العمل وتسوية المنازعات بينهم، والنقابة، في حال كانت تمثّل العمال بحق، هي ما تتفاوض باسم العمال مع أصحاب الاعمال أو منظماتهم، وهي التي تدعو للإضراب عن العمل بعد التنسيق الكامل مع أعضائها. لذا لا غرابة أن تحمل اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 لسنة 1949 اسم «اتفاقية بشأن تطبيق مبادئ الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية».

بمقتضى القوانين التي صدر بعضها بالفعل، وتلك التي ما تزال مسودات، يحاول النظام الحاكم سد منابع الحقوق الثلاثة، حتى يحرم العمال منها جميعًا، ولكن على أرض الواقع يمارس العمال هذه الحقوق عندما يستطيعون، فقد مارس العمال الإضراب والاعتصام، رغم تقييدهما وتجريمها، آلاف المرات خلال السنوات العشر الماضية، وكانوا وقتها يجبرون أصحاب الأعمال على الجلوس للتفاوض، كما يفرضون أسماء مَن يتفاوض باسمهم بعيدًا عن النقابات الحكومية في معظم الأحيان.

ارتبط توقيع اتفاقيات العمل الجماعية بعدد احتجاجات العمال في معظم الأحيان، صعودًا وهبوطًا. بالبحث في موقع وزارة القوى العاملة لم نجد ضمن إحصائياتها، والتي يعود أحدثها لعام 2015، أي إحصائية عن عدد اتفاقيات العمل الجماعية الموقَّعة والمسجَّلة لديها. لكن بالبحث عن اتفاقيات العمل الجماعية الموقَّعة بين العمال في المصانع والشركات وأصحاب الاعمال، والمنشورة بالوقائع المصرية في موقع منشورات قانونية، وذلك عن طريق البحث بعبارة «اتفاقية عمل جماعية»، أو بعبارة «اتفاق عمل جماعي»، وبعد استبعاد المكرر بينهما، وجدنا عدد اتفاقيات العمل في الأعوام من 2012 حتى 2017 على التوالي: 56 – 16-8-16-0-2 اتفاقية (مع العلم بأن عدد الاحتجاجات العمالية كانت على التوالي لنفس الأعوام هي: 1969- 2239- 1655- 933 -751 - 450 احتجاجًا)، علمًا بأن معظم اتفاقيات عام 2015 كانت في المنشآت السياحية، وغالبًا ما تعلقت بكيفية توزيع نسبة عمولة العاملين في السياحة، ولغسل أيدي أصحاب الأعمال من استيلائهم على هذه العمولات في السنوات السابقة.

بإصدار قانون 213 لسنة 2017، بدأت حلقات مسلسل الحرمان من الحق في التنظيم بحرية وبدون تدخل من الدولة أو أصحاب الأعمال، ، الذي حمل اسم - على غير مسمى «قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية الحق في التنظيم». وقد رأينا أن الانتخابات التي أجريت على أساسه، استتب من خلالها الأمر لنفس القيادات القديمة في الاتحاد العام، واستُبعد وشُطب بالجملة نقابيون، سواء كانوا مستقلين أو من داخل صفوف اللجان القاعدية التابعة للاتحاد العام.

نستعرض هنا مواقف وزراء ومسؤولين من ممارسة حق الإضراب على مدار السنوات العشر السابقة، وارتباط ذلك بالتفاوض. ولما كان هؤلاء المسؤولون ينتوون إصدار قانون العمل في بداية الانعقاد الجديد لمجلس النواب، مع عدم نشر آخر مسودة وصلوا إليها، بل تُعامَل المسودة داخل لجنة القوى العاملة معاملة الأسرار الحربية، حتى أن أعضاء البرلمان من خارج اللجنة لم يستطيعوا الحصول عليها، لذا فسنستعرض ما ورد في مسودة قانون العمل المتاحة حتى الآن، والمنشورة في كتيب مجلة العمل في مارس 2017، بخصوص الإضراب والمفاوضة الجماعية، لنرى كيف أصبح كل منهما في حكم المستحيل.

الإضراب والمفاوضة الجماعية عبر عقد من الزمان

بالنسبة للحق في الإضراب، فطالما سمعنا المسؤولين ووزراء القوى العاملة على مدار أكثر من عشر سنوات يتهمون العمال على استحياء تارة، وبفجاجة تارة أخرى، باللجوء للإضراب قبل المفاوضة الجماعية. ورأينا في السنوات الأخيرة كيف رفض أصحاب العمل الجلوس للتفاوض حتى في حضور وزارة القوى العاملة، وعندما يلجأ العمال لحقهم «المحرم» في الإضراب تتدخل كل أجهزة الدولة الأمنية والقضائية لإجبارهم على فضّ الإضراب بدون الحصول على مطالبهم، وبلا ضمان لعدم التعسف بهم بعد إنهاء الإضراب.

هناك مثلًا عائشة عبد الهادي عام 2009، وقت كانت الحركة قوية وتفرض المفاوضة الجماعية على أصحاب الأعمال الذين يرفضون الجلوس للتفاوض قبلها، التي قالت «إن المفاوضة الجماعية هى الطريق الوحيد لضمان السلم الاجتماعى فى مصر وبدون المفاوضات الجماعية لن يكون هناك سلام اجتماعى فى مصر»، ولأنها كانت تتحدث في وجود ممثلين لمنظمتي العمل الدولية والعربية، فقد أضافت أن الإضرابات العمالية الكثيرة التى شهدتها مصر مؤخرًا لم تزعجها مطلقًا، مؤكدة أنها حق مشروع للعمال يلجأون إليه بعد انسداد كل الطرق الشرعية للحصول على حقوقهم، ووصفت الإضراب بأنه «سلوك حضارى يتمتع به العمال، وعندما يكون هناك وعد بحل مشاكلهم يقومون بفضّ الإضراب.» وطالبت عائشة العمال بضرورة عدم التسرع فى تنظيم الإضرابات، لأن له ضوابط وشروطًا لابد من تحقيقها. وأعلنت الوزيرة أن وزارتها نجحت منذ عام 2006 وحتى ذلك الوقت فى إبرام ما يقرب من 93 اتفاقية عمل جماعية.

وبعد الثورة مباشرة قال الدكتور أحمد حسن البرعي، وزير القوى العاملة، إنه لن يتفاوض مع ممثلي سائقي وعمال هيئة النقل العام إلا بعد إنهاء الإضراب.

وعندما كان خالد الأزهري وزيرًا للقوى العاملة في أغسطس 2013، لم ينكر حق الإضراب، ولكنه قال إن على العمال معرفة أن الإضراب والاعتصام ليسا الطريقتين الوحيدتين للمطالبة بالحقوق، فهناك وسائل متعددة قبل اللجوء إليهما، وأنهما يضعفان التفاوض.

بعده طالب كمال أبو عيطة، وزير القوى العاملة الأسبق، في يناير 2014 العمال باللجوء إلى الوزارة لحل مشاكلهم، بدلًا من الإضرابات والاعتصامات التى تهدد الاقتصاد والإنتاج الوطني بالانهيار، حرصًا على مستقبل مصر.

وفي مايو 2015، قال محمد سعد، وكيل وزارة القوى العاملة بالإسكندرية، إن الإسكندرية منذ قرابة عام وقّعت وثيقة شرف عمالى، مفادها إعلان المدينة محافظة خالية من الإضرابات والاعتصامات، مؤكدًا أن معدل الإضرابات انخفض من ثمانية وتسعة إضرابات يوميًا منذ بداية ثورة يناير، ليصل إلى إضراب واحد فى الأسبوع أو الشهر، نتيجة لوعى العمال، ولأن الدولة أصبحت لها هيبة، ويد أقوى وأكثر حزمًا.

وعن الحزم نتكلم، فبعد 30 يونيو 2013 بدأت مرحلة جديدة من العسف بمصالح العمال، وتدخلت الدولة بكل ثقلها، وبمختلف أجهزتها، لوأد أية محاولة من العمال لاستخدام الحق في الإضراب أو الاعتصام للمطالبة بحقوقهم التي استباحها أصحاب الأعمال، على مرأى ومسمع من كل أجهزة الدولة، دون أن يصاحب ذلك، كما كان يحدث سابقًا، الضغط على أصحاب الأعمال للجلوس للتفاوض مع العمال.

على سبيل المثال لا الحصر، ففي أغسطس 2013، فُضَّ إضراب عمال أسمنت السويس بالقوة، مما دفع اتحاد «عمال مصر الديمقراطي» لاستنكار ما قامت به قوات الجيش الثالث، المنوط بها تأمين المنطقة الصناعية بعتاقة والعين السخنة، من فض الإضراب، أثناء تظاهر العمال السلمي أمام الشركة، واعتقال اثنين من القيادات العمالية، بتهمة تحريض العمال على الإضراب وقطع الطريق.

وفي الإسكندرية عام 2016، جرى اعتقال 26 من عمال الترسانة البحرية، وإجبارهم على تقديم استقالاتهم، مع وعد بإنهاء القضية، التي لم تنته حتى الآن. وبعدها مباشرة اعتُقل عدد من عمال النقل العام لدعوتهم لإضراب لم يحدث مع بداية الدراسة، وظلوا معتقلين لعدة شهور ليخرجوا مؤخرًا بشروط احترازية قبل أن تنتهي قضيتهم.

وفي ديسمبر 2016، أخلت نيابة السويس الكلية سبيل أربعة عاملين ينتمون للشركة المصرية للأسمدة وشركة أيبك بكفالة عشرة آلاف جنيه لكل منهم، على خلفية اتهامهم بالتحريض على الإضراب و تعطيل العمل، بعد أن كان عمال الشركتين، المملوكتين لمجموعة «أوراسكوم للصناعة والإنشاءات»، قد أضربوا عن العمل لعشرة أيام للمطالبة بزيادة أجورهم وعودة العلاوات والأرباح وتحسين الخدمة الصحية، بعدما رفضت الإدارة التفاوض معهم.

هكذا، يرفض أصحاب الأعمال الجلوس للتفاوض مع العمال، وعندما يستخدم العمال حقهم في الإضراب تتدخل أجهزة الدولة لقمعهم، فقد اعتصم عمال بسكو مصر في أبريل 2018 داخل الشركة، للمطالبة بحقهم في الأرباح، وكان نتيجة ذلك أنه جرى ضبط وإحضار وحبس البعض منهم، بالإضافة لمئات انتهت عقودهم ورُفض تجديدها، وإنهاء العقود الدائمة للعمال، والاكتفاء بعقود مؤقتة لثلاثة أشهر.

بعدها، شكا مئات العمال بشركة بسكو مصر بالقاهرة في يوليو 2018، من تعسف إدارة الشركة ضد 1500 عامل، بعد إنهاء عقودهم الدائمة التي استمرت لعشرات السنين، وتحرير عقود أخرى، بديلة ومؤقتة لمدة ثلاثة شهور، وإنهاء الإدارة لعقود عشرات العمال.

طبقًا للمصدر السابق، فقد قال أحد العمال إن المسألة بدأت بعد فشل الإدارة في فضّ الاعتصام الذي دام أسبوعًا كاملًا، حتى قبضت الأجهزة الأمنية بالقاهرة على ستة عمال في منطقة الأميرية بتهمة تنظيم احتجاج بدون ترخيص. عندها، فضّ العمال الاعتصام لحين الإفراج عن زملائهم، إلا أن العضو المنتدب حرّر عقودًا مؤقتة لمدة ثلاثة شهور، وهو ما رفضه العمال، فما كان من الإدارة، طبقًا للعامل، إلا أن فصلت عشرات العمال قاطعة أرزاقهم، وسط غياب وزارة القوى العاملة والاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

قبل أن تتأجل ليوم 17 نوفمبر القادم، كان يوم 1 سبتمبر 2018 قد تحدد لعقد أولى جلسات قضية عمال بسكو مصر، وذلك بعد فصل المئات منهم، على خلفية مطالبتهم بالحق في الأرباح . وطبقًا لعادل صبحي، مدير عام شؤون المنظمات النقابية في وزارة القوى العاملة، فقد انعقدت جلسة مفاوضات جماعية مع شركة بسكو مصر، ومجلس إدارتها، في يوم الأحد 26 أغسطس ولم يحضر ممثل الشركة، فتأجلت الجلسة ليوم 10 سبتمبر التالي.

وبينما امتنعت الدولة منذ عام 2014 عن أداء دورها في إصدار قرارات العلاوة السنوية لعمال القطاع الخاص، لتترك العمال فريسة بين الأجور المنخفضة من جهة وتضاعف الأسعار خصوصًا مع تعويم الجنيه، وجدنا خبرًا عن حضور محمد سعفان وزير القوى العاملة، واللواء خالد سعيد محافظ الشرقية مراسم توقيع اتفاقية عمل جماعية بين مديرية القوى العاملة وعدد من شركات القطاع الخاص، والبالغ عددها 21 شركة بالعاشر من رمضان، تقضي بمنح علاوة خاصة بنسبة 10% من الأجر الأساسي للعاملين. وفي نفس الخبر نجد محافظ الشرقية يقول إن محافظته بها ثلاثة آلاف مصنع تستوعب أكثر من 450 ألف عامل. وفي خبر آخر ذُكر إن عدد المنشآت أربعون شركة يعمل بها نحو 20235 عاملًا.

جدول رقم 9 يوضح عدد المنشآت في القطاع الخاص وأعداد من يعملون بها. المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء
جدول رقم 10- المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

طبقًا للنتائج النهائية للتعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت لعام 2017، والصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وبالنظر في الجدولين رقم 9 و10، والخاصين بعدد المنشآت والمشتغلين، في كل من في القطاع الخاص الاستثماري، والقطاع الخاص العادي فقط دون النظر لجداول القطاع التعاوني أو الجمعيات الأهلية أو الأخرى، وجدنا أن إجمالي عدد المنشآت في القطاعين 3.8 مليون منشأة، يعمل بها 11.3 مليون عامل، وأن عدد المنشآت التي يعمل بها أكثر من 50 عاملًا في المجالين 8330 منشأة.

لو نظرنا للأربعين شركة التي ملأت الدنيا صياحًا بكونها قد منّت على العمال بعلاوة تعادل نصف علاوة العاملين بالقطاع العام، لوجدنا أنها تمثل حوالي 0.5% من منشأت القطاع الخاص فوق الخمسين عاملًا، وتمثل 0.001% من إجمالي المنشآت. ويمثّل عدد العمال في الأربعين منشأة تقريبًا 0.2% من إجمالي العمال في القطاعين، فيما تُرك 99.8% منهم بدون علاوة، لا لشيء سوى لأن الحكومة لا تريد إغضاب أصحاب الأعمال بتضمينهم في قوانين العلاوة السنوية، كما كان يحدث حتى عام 2014.

الإضراب من القانون الحالي إلى مسودة قانون العمل

يحوي قانون العمل الحالي عقبات بالنسبة للإضراب، حيث وُضعت له شروط تعجيزية، ضمنها موافقة ثلثي أعضاء مجلس إدارة النقابة العامة، وعقاب عدم الالتزام هو الفصل من العمل، ما أدى لحدوث آلاف الإضرابات والاعتصامات خلال السنوات قبل وبعد الثورة مباشرة، لم ينطبق عليها شروط القانون سوى في إضرابين فقط، كان أحدهما إضراب عمال طنطا للكتان قبل الثورة، والآخر إضراب عمال شركة بيرلي للكاوتشوك بالإسكندرية بعد الثورة.

ومن الجدير بالذكر أنه عندما كانت حركة العمال قوية، اشترط العمال، في مفاوضتهم لإنهاء الإضراب، عدم التعرض لأحد من زملائهم بالفصل أو غيره، كما فرضوا على أصحاب الأعمال دفع أجورهم عن أيام الإضراب، رغم عدم قانونية هذا الأمر. لكن الوضع تغيّر عندما ضعفت الحركة وازداد تعسف أجهزة الدولة، ضد العمال المضربين، لصالح أصحاب الأعمال الذين باتوا يفرضون شروطهم ويفعلون بالعمال ما يشاءون، سواء بأنفسهم أو من خلال أجهزة الدولة المختلفة.

لا نعتقد أن أي مسودة مقبلة ستحّسن وضع حق الإضراب، حيث دائمًا ما يجري التعديل للأسوأ ولما هو أكثر انحيازًا لأصحاب الأعمال ضد العمال، ولكن تجب الإشارة لأنه في المسودة المتاحة لقانون العمل وُضعت شروط أكثر تشددًا، بحيث يصبح معها الاضراب الملتزم بشروط القانون شبه مستحيل.

فقد نصّت المادة 200 من المسودة على الحق في الإضراب، وذلك بعد استنفاد طرق التسوية الودية الواردة في القانون، والتي حسبناها فوجدنا أنها تحتاج لأكثر من سبعة شهور بخلاف التقاضي. كما ذكرت المادة أن إعلان الإضراب يكون من خلال المنظمة النقابية المعنية، أو المفوض العمالي، وهو، بحسب المادة 1 من المسودة، أحد عمال المنشأة، ويفوّضه العمال ليمثلهم أمام صاحب العمل بموجب سند رسمي في حال عدم وجود نقابة في المنشأة.

فإذا علمنا أن معظم النقابات المعترف بها تتبع الآن الاتحاد الحكومي، وأن المادة 54 من اللائحة الاسترشادية لهذه النقابات نصّت على أن يجري إعلان الإضراب وتنظيمه من قِبل أعضاء مجلس إدارة النقابة بعد موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العمومية للنقابة، وحمّلت المادة 55 اللجنة النقابية أعباء الإضراب، ومن ضمنها أجور العمال عن فترة الإضراب، فأي نقابة بعد ذلك تتجرأ على الإعلان عن إضراب لعمالها؟

كما نصّت المادة 203 على حظر الإضراب أو الدعوة إليه والإعلان عنه بالمنشآت الاستراتيجية أو الحيوية، وهو نفس الحظر الوارد في قانون العمل الحالي، بعد أن أُضيف إليه في نهاية المادة في المسودة: «ويحظر الدعوة للإضراب أو إعلانه في الظروف الاستثنائية». فإذا علمنا أن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1185 لسنة 2003، يُضمِّن في المنشآت التي حُظر فيها الإضراب، أو الدعوة إليه، منشآت الإنتاج القومي والإنتاج الحربي، المستشفيات والصيدليات والمراكز الطبية، المخابز، وسائل النقل الجماعي بكل أنواعها والمطارات والموانئ، ووسائل نقل البضائع، والدفاع المدني، والمياه، والكهرباء، والغاز، والصرف الصحي، والاتصالات، والعاملين في المؤسسات التعليمية، نكتشف أن معظم الأنشطة قد حُرمت من الحق في الإضراب، وبالإضافة الجديدة، وبما أننا نعيش في ظل قانون الطوارئ، فقد أُغلق حق الإضراب في وجه كل العمال.

وفقًا للمادة 121 من المسودة، فقد اعتُبر عدم مراعاة العامل للضوابط الواردة بخصوص الإضراب، الواردة من المادة 200 والمادة 202، من الأخطاء الجسيمة التي يعاقب عليها بالفصل من العمل.

مع صدور هذا القانون سيحرم كل العمال، طوال فترات الطوارئ التي لا تنتهي، من حق الإضراب، وفي غيرها ستُحرم منه الغالبية العظمى من العمال، حسب القرار الذي سيصدر ليحدد المنشآت الاستراتيجية.

وحتى لو سُمح بالإضراب فسيكون على العمال الانتظار طويلًا تحت رحمة صاحب العمل ووزارة القوى العاملة، حتى تُستنفد وسائل حل النزاع الودية، وبعدها، يكون على مَن يعلن الإضراب تحمل تبعاته، وأي مخالفة لهذه الشروط التعسفية تعرّض العمال للفصل من العمل، هذا بخلاف محاكمتهم طبقًا للقوانين الأخرى التي تجرم الإضراب.

المفاوضة الجماعية مراحل كثيرة، وتكلفة مادية عالية

وبالنسبة للمفاوضة الجماعية، فرغم وجود باب كامل في قانون العمل الحالي؛ 12 لسنة 2003، يشرح كل مراحل التفاوض، ما يؤدي إلى طول مددها، إلا أن القانون الحالي لا يلزم أصحاب الأعمال بشيء، بداية من عدم إلزامهم بالجلوس للتفاوض، وانتهاء بعدم إلزامهم باتفاقيات العمل الجماعية التي يتوصلون إليها مع العمال، بحجة أن عملية التفاوض عملية طوعية لا إجبار فيها لأحد.

في المسودة الحالية، فإن مراحل المفاوضة تشمل المفاوضة الطوعية، بحسب المادة 183، ثم محاولة التوفيق، بحسب المادة 184، والوساطة بحسب المادة 186، والتحكيم بحسب المادة 198. وبحساب المدد المنصوص عليها، وجدنا مجموعها يتعدى السبعة أشهر.

وقد أُضيف في المسودة، بحسب المادة 187، إنشاء مركز للوساطة والتحكيم بوزارة القوى العاملة تحدد الرسوم المقررة على خدماته بما لا يتجاوز خمسين ألف جنيه.

وإذا رفض صاحب العمل الجلوس للتفاوض، خلال هذه المدد، يكون على العمال اللجوء للمرحلة التالية، بشرط موافقة الطرفين في الكثير من المراحل، وإذا وصل العمال لمرحلتي الوساطة والتحكيم، يكون عليهم دفع الخمسين ألف جنيه المقررة. وحتى إذا، في حال الوصول لتوقيع اتفاقية العمل الجماعية، رفض صاحب العمل تنفيذها، فلا عقوبة عليه، ويكون على العمال اللجوء للمحكمة في هذه الحالة.

بهذا الشكل يُغلق باب التفاوض في وجه العمال، إما بسبب تعنت أصحاب العمل وعدم استجابتهم، أو لعدم امتلاك العمال لما يدفعونه للمركز المستحدث في الوزارة للوساطة والتحكيم، ويصبحون في هذه الحالة مغلولي الأيدي، حيث يُحرّم عليهم استخدام سلاحهم الوحيد؛ حقهم في الإضراب للضغط على صاحب العمل.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).