تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

خروجه للهواء الطلق

أحمد عبد المنعم رمضان
5 دقيقة قراءة

 

اعتدت منذ طفولتى أن أُعد قائمة بمستلزمات السفر قبل أن أبدأ فى حزم حقائبى: عدد التى شيرتات، المايوه، الكاميرا، الكاب، فرشاة الأسنان، وكتابين. وكما هى العادة، فعندما كنت بصدد للسفر إلى الإسكندرية منذ شهرين، أعددت قائمتى المعتادة وبدأت فى البحث عن كتابين مناسبين لرفقة الرحلة. فلرواية المصيف مواصفات ضرورية، كأن تكون صغيرة الحجم، وسهلة الحمل، وبسيطة وسلسلة، وألا تكون سوداوية، وألا تكون لغتها مقعرة، مواصفات تناسب نسمات البحر المنتظرة.

لم يكن بين الكتب القريبة ليدى ما هو أنسب لرحلة كتلك من رواية اسمها (الخروج إلى الهواء الطلق)، بغلاف برتقالى ناعم يُصوِّر ظلال شخص يلبس كاب وتنعكس صورته بين درجات مختلفة من أشعة الشمس، غلاف مثالى لرحلة صيف. أضف إلى ذلك إعجابى السابق بروايتى «1984 ومزرعة الحيوانات»، الروايتان الأشهر لكاتب روايتى البرتقالية جورج أورويل.

على البحر، اصطحبت الرواية وفتحتها بعدما ضبطت ظل الشمسية فوق رأسى، تصفحت الكتاب وقّلبت بين صفحاته ذات الخامة المميزة، لأرى أن نسخته العربية صدرت عام 2005 عن دار بدايات السورية، من ترجمة عبدالله فاضل، بناء على استشارة من أدونيس كما سطر فى الصفحة الأولى، أما صدورها الأول بالإنجليزية فكان فى انجلترا فى عام 1939، أى مع بداية الحرب العالمية الثانية، وهو ما ألقى بظلاله على أحداثها بوضوح.

الرواية ذات طابع نوستالجى، فهى تحمل حنينًا وشوقًا لانجلترا التى كانت بأوائل القرن العشرين، سنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى، وكما يبدو لى فإن ظلالًا من سيرة جورج أورويل الذاتية كانت بينة بخطوط الرواية، فبطل الرواية اسمه جورج أيضًا، وهو نفس الاسم الذى اختاره الكاتب لنفسه كاسم مستعار بدلًا من اسمه الحقيقى إريك أرثر بلير، والبطل من مواليد 1893، أى أنه يكبر الكاتب بعشر سنوات فقط، الإثنان يهويان الصيد، والإثنان عاشا فى شارع ايلسمر لفترة من حياتهما والإثنان حاربا، جورج الحقيقى فى حرب إسبانيا الأهلية، وجورج الرواية فى الحرب العالمية الأولى.

تبدأ أحداث الرواية فى عام 1938 على لسان جورج باولينج الموظف بإحدى شركات التأمين، والذى يعانى من رتابة حياته الزوجية والعملية المصابتان بالروتين والملل. ولكنه ما يلبث أن يتوقف عن شكواه ليخبرنا أن حياته لم تكن بتلك الرتابة فى بدايتها، حيث كانت له أيام أكثر حيوية وجمالًا عندما كان طفلًا ومراهقًا ببدايات القرن فى بينفيلد السفلى، ورغم أن بينفيلد السفلى أكثر قروية من حيّه الحالى، إلا أنه يتوق إلى تلك الأيام. يستطرد باولينج فى الحكى عن طفولته، وعن أخيه المنحرف الذى هجر البيت وهرب حيث لم يعلموا عنه شيئا منذ ذلك الحين، وعن انضمامه لعصابة الكف الأسود، وعن أنواع السجائر التى جربها، وعن سجائر (عبدالله) ذات الغلاف الذى تتصدره صورة جنديين مصريين والتى ذاع صيتها فى انجلترا فى ذلك الحين، وعن الصيد، وهنا سيسهب جورج فى الحكى عن البحيرات والأسماك وأدوات الصيد وفنونه لدرجة قد تصيبك ببعض الملل إن لم تكن مهتمًا بالأمر نفس اهتمامه، ثم سيحكى لنا عن علاقته الغرامية الأولى مع إلسى، وسيروى عن إفلاس والده صاحب دكان الغلال بعد افتتاح مركز كبير للغلال على أطراف بنفيلد، ومن ثم يحكى عن موت الوالد، وأخيرًا استدعائه للحرب العالمية الأولى، وإصابته وتنقله بين الوحدات.

فى المجمل تبدو الأحداث كلها أحداث عادية لشخص عاش بذلك المكان فى ذلك الوقت، ليس بها ميلودراما عنيفة ولا قصصًا مختلقة، مجرد قصة حياة تقليدية، ولكن يبدو جورج أورويل فى تلك الرواية كرجل مغموم سحب كرسيًا ليجلس بجوارك على المقهى، أو نديم يجالسك ببارٍ مع بعض زجاجات البيرة، فيفضفض لك مهمومًا ومتأثرًا بكل ما مر به عبر حياته، ومن فرط صدق التفاصيل وشاعريتها وحيويتها تشعر أن الساعات تمر مع حكاياته العادية فى متعة وتجبرك بأن تنصت إلى ثرثرته المتواصلة، فهى ذلك النوع من الروايات الذى لا يجذبك بأحداثه بقدر ما يفتنك بتفاصيله فتستمر فى القراءة صفحة تلو الأخرى وأنت لست منشغلًا بمصائر الأشخاص بقدر اهتمامك برصد التفاصيل العديدة التى ينثرها الكاتب بحرفية واتقان، راسمًا بدقة صورة متكاملة لأوقات مضت، هى ذلك النوع من الروايات الذى تتصور أنه قد يستمر للأبد دون نهاية، وتشعر بالأسى عند انتهاء صفحاتها.

سيخرج جورج باولنج بعد الحرب فاقدًا والديه وروحه السابقة على الحرب ولقريته، بنفيلد السفلى، التى لن يعود إليها ثانية، حيث سيسير فى طرق الحياة التقليدية كموظف عادى، يتزوج، ينجب، يعمل، يشترى أحذية للأولاد، "أنت تعرف كيف يتم الأمر؛ تذهب فى إحدى الليالى إلى السرير وأنت تشعر بأنك ما تزال شابا، إلى هذه الدرجة أو تلك، وما تزال عينك على الفتيات وهلم جرا، وفى الصباح التالى تستيقظ وأنت واع تماما بأنك سمين وعجوز وبائس ولا شئ أمامك وأنت تقترب من النهاية إلا أن تعتصر أحشاءك لكى تشترى أحذية للأولاد".

يشعر جورج بضغط شديد بسبب التوقعات بنشوب حرب جديدة، وهو من فسدت حياته بسبب حرب سابقة، وكان يتوقع فى روايته أن تبدأ الحرب المنتظرة فى العام 1941. تحت ضغط صوت الطائرات المتأهبة فى أجواء المدينة وفوضى التدريب استعدادا للغارات، وتخيله لمدينته تحت القصف، وذكرياته عن الحرب وأثرها بالنفوس، وأخبار هتلر وستالين وموسولينى، سيشعر باولينج أن عليه أن يستريح قليلا، أن يشعر بالاطمئنان الذى فقده منذ أن حارب فى الحرب الأولى، أن يخرج إلى الهواء الطلق، وهو لم يعرف هواءً طلقًا بحياته إلا بينفيلد السفلى، فسيشعر أن عليه العودة لبنفيلد السفلى مرة أخرى بعد ما يزيد على العشرين عاما باحثًا عن اطمئنانه المفقود.

لن يجد جورج بنفيلد السفلى، لن يجد بنفيلد التى يعرفها بعدما احتلتها المصانع والمحال الكبيرة وانتشر بأرضها العمال، سيقضى جورج باولنج أيامه هناك فى شرب الخمر واجترار الذكريات والبحث عن أماكن طفولته دون جدوى، هنا سيعلم جورج أن ما عليه إلا أن يعود لزوجته منتظرًا الحرب، متسائلًا ما عساه هو الموظف الصغير من الاهتمام بالحرب والنازية والفاشية، فـ "ما الذى لدى المستقبل ليفعله بأشخاص مثلى ومثلك؟ الاستمرار فى أعمالنا!".

شعرت بانتهاء الرواية أن السياسة التى كانت سببًا رئيسيًا فى نجاح روايتى أورويل الأشهر (مزرعة الحيوانات) و(1984) قد ظلمت روايته السابقة عليهما (الخروج إلى الهواء الطلق)، وهى الأكثر شاعرية وصدقًا وحميمية من كلتيهما، وأظن أن نصيبها من الشهرة كان ليزداد ويتضاعف إذا لم يُصَنَف أورويل كروائى سياسى، وفكرت بأن السياسة كعادتها المعهودة لا تجيد شيئا قدر إجادتها لإفساد كل شئ جميل.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
علاء عبد الفتاح

شايل طاجن كوكبه

«ربما لا نكون معرضين للفناء، لكننا فطريًا ندرك أن ملايين منّا ستواجه ظروف ضاغطة قد تصل للهلاك»

اقرأ →
رأي
تامر وجيه

مائة عام من الحرب

«يبدو أن "العالم الغربي" يحتاج أن يتغذّى على الحرب حتى يعيش. فمنذ 1914 وحتى يومنا هذا، تقريبًا بلا انقطاع، يحارب "العالم الحر" ضد عدو ما، متغير،…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).