تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

جدلية المجتمع والجيش في مصر

عبد العظيم حماد
11 دقيقة قراءة

نعم.. لكل مجتمع خصوصيته بين مجتمعات العالم، ولكن نعم أيضًا أن هذه الخصوصية تماثل خصوصية المجتمعات الفرعية المكونة للمجتمع الواحد، بمعنى أن للصعيد خصوصية في مصر وكذلك الوجه البحري، ومجتمعات السواحل ومجتمعات البدو، بل إن هناك خصوصية لكل قرية، ومدينة، وأحيانًا لكل حي في المدينة الواحدة داخل هذه المجتمعات.. كل على حدة، ومع ذلك فالجميع مصريون، يشتركون في سمات عامة، ويخضعون لمؤثرات كثيرة مشتركة، هي التي تجعلهم (المجتمع المصري).

  وهكذا؛ فإن خصوصية مصر بين دول العالم يجب ألا تمنع انطباق سنن الاجتماع البشري، وقوانين التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبشرية عليها، وهي بالفعل لا تمنع انطباق هذه القوانين على مصر، إلا في أذهان ونفوس المضلَّلين والمضلِّلين.

  وهكذا لا نفهم.. لماذا المصريون مغرمون بالاعتقاد في أنهم حالة خاصة في كل شيء، وغير قابلة للتغير، ويزيد من عدم الفهم هنا أن هذه الاستثنائية المصرية المصطنعة ليست إيجابية دائمًا في إدراك المصريين لأنفسهم؛ ففي الوقت الذي نقول فيه عن أنفسنا بفخر أننا أقدم أمة، وبناة الأهرام، وأول الموحدين، وأول من "نهض" في العصر الحديث بين دول المنطقة، وأن بلدنا هي بلد الأزهر، وهي التي أسست أول جامعة في المنطقة، وأنجبت أمير الشعراء، وحاملي جائزة "نوبل" في الآداب، والعلوم، وأن مصر كنانة الله في أرضه، نعود ونقول إن المصريين عبيد لمن غلب، وأنهم اتفقوا على أن لا يتفقوا، وأنهم شعب خليط من كل أجناس الأرض، وأنه شعب متواكل لا يحب العمل.. إلى آخر هذه "الكليشيهات" غير العلمية.

ومن أخطر تطبيقات "الاستثنائية" المصرية التي قلنا إنها مصطنعة، وغير علمية، الاعتقاد بأنه لا نظير في دول العالم قديمًا وحديثًا للعلاقة بين الجيش والدولة والمجتمع في مصر؛ لأن مصر القديمة أسسها قائد جيش هو "مينا" موحد القطرين، وظل فراعنتها منذ ذلك التاريخ السحيق في الأغلب الأعم قادة جيوش، وأن مصر الحديثة أسسها قائد جيش هو "محمد علي باشا"، الذي سخر مجتمعها كله لخدمة هذا الجيش، حتى إن بعض الشباب يكتبون "متندرين" على استثنائية هذه العلاقة، "إن مصر ليست دولة لها جيش، وإنما هي جيش له دولة"، مع أنه لا يوجد ما هو أظلم لمصر والمصريين، والجيش ذاته من هذه المقولة.

فلم تكن مصر في التاريخ القديم استثناءً، كما أنها ليست استثناءً في تاريخها الحديث.

في القديم كان الملوك جميعًا قادة جيوش: "حمورابى ونبوخذنصر وآشور بانيبال وسرجون في بلاد الرافدين"، كانوا قادة جيوش، وكذلك كان أسلافهم، وكذلك صار خلفاؤهم، وكان "فيليب المقدونى" وابنه الإسكندر الأكبر قادة عسكريين وملوكًا، وأيضا كان أسلافهم وخلفاؤهم كذلك، وفي فارس القديمة لم يكن الوضع مختلفًا، فـ "كورش" كان قائدًا حبشيًا، وكذلك "دارا"، وكذلك أيضًا الأسلاف، والأخلاف في الأغلب الأعم، وفي روما كان "بومبى وقيصر وأنطونيوس، وأوكتافيوس".. إلخ الجنرالات. وهو ما تكرر مع "جنكيزخان وهولاكو"، حتى "تيمور لنك" وكل من جاء قبلهم، ومن جاء بعدهم جنرالات غالبًا؛ فأين الاستثناء المصرى إذن؟!

في تجربة محمد علي، أو بمعنى أدق في السياق السياسي الذي يندرج فيه محمد علي، أي الإمبراطورية العثمانية، لم تتكون هذه الإمبراطورية، فضلا عن نواتها الأولى، إلا على يد سلاطين قادة للجيوش.

 وكذلك كانت الدولة الصفوية في إيران، مرورًا بالدولية الكاجارية، وحتى الجنرال "رضا شاه" مؤسس الدولة البهلوية في القرن العشرين.

وقريبًا من هذا العهد كان مؤسسو بروسيا- التي وحدت ألمانيا- قادة عسكريين، هم من وضعوا أسس التفوق العسكري الألماني المعترف به، وقبل ذلك بقرن من الزمان تقريبًا أسس "إيفان الرهيب" روسيا الحديثة، ولم يكن سوى ملك جنرال أو جنرال ملك.

من جميع هذه النماذج القديمة والحديثة، يمكن استخلاص قانون لا يعرف استثناءً واحدًا، وهو أن التأسيس إذا حدث على يد قائد عسكري؛ فبعد أن تتوطد السلطة السياسية تأخذ في الانفصال الوظيفي (وليس الانفصام) شيئًا فشيئًا عن المؤسسة العسكرية، ومن هنا تبدأ لحظة تطور المجتمع المدني ليكون فاعلًا في الحياة السياسية جنبًا إلى جنب مع الجيوش، ثم تتغلب الحاجة إلى تقسيم الوظائف بين مكونات الدولة؛ فتظهر القيادة العسكرية المتخصصة، وتنحصر مهمة الجيوش في "الحرب" الخارجية دفاعًا وهجومًا، أو إنقاذ الأوطان في وقت الأزمات الداخلية الكبرى، والمثال البارز هنا هو "الحرب الأهلية الأمريكية" في القرن الماضي لمنع انفصال الولايات الجنوبية رفضًا لتحرير العبيد.

إن هذا القانون ينطبق تمام الانطباق على نموذج محمد علي في مصر.

ففي اللحظة التي قبل فيها الباشا اتفاقية "لندن" لعام 1840، بدأ الانفصال الوظيفي بين الجيش والمجتمع المصريين، ولا يرجع ذلك فقط إلى حصر الجيش المصري داخل حدوده، ولا إلى تحديد حجمه بما لا يزيد على 18 ألف جندي (حسب الفرمانات السلطانية)، وإنما إلى إلزام حاكم مصر بإنهاء نظام الاحتكار الاقتصادي؛ فلم يصبح محمد علي هو المالك الوحيد لأرض مصر، والتاجر الوحيد في محاصيلها، والناظر الوحيد لمدارسها، والمدير الوحيد (المالك) لمصانعها، وباختصار بدأت مسيرة الاستقلال الاقتصادي والثقافي للمجتمع المصري عن الحاكم، ومن ثم عن الجيش، وكان مظهرها الأول هو حرية التجارة.

  غير أن القفزة الكبرى للإمام جاءت مع ابنه، وثالث خلفائه "محمد سعيد باشا"، وحدث ذلك بإصدار ما يعرف في التاريخ الاقتصادي والسياسي لمصر بـ"اللائحة السعيدية" عام 1858، هذه اللائحة التي أنهت ما كان يعرف بنظام الالتزام في إدارة الزراعة المصرية، وهو النظام الذي لم يكن يسمح للمزارعين بملكية ما يزرعونه من أطيان؛ فجاءت اللائحة، وأباحت الملكية الفردية الزراعية على مرحلتين: الأولى هي توريث حق الانتفاع، والثانية هي إطلاق حق الملكية بيعًا وشراءً وتوريثًا، وبعد عقود عدة جرى بيع أملاك الدائرة السنية، أي أملاك الخديو لسداد الديون الأجنبية، لتتسع بذلك قاعدة المُلاك المصريين للأرض، وتظهر طبقات كبار الملاك، ومتوسطيهم، وصغارهم بالتالي جنبًا إلى جنب مع علماء الأزهر، والحرفيين، وصغار التجار، وفئة المهنيين التي بدأت في الظهور، وأخيرًا موظفي الحكومة.

بذلك، ومع تحرير التجارة من قبل، ظهرت السوق بمفهومها الحديث في مصر، التي تدفق عليها التجار الأجانب، لتظهر معهم بدايات النظام المصرفي في شكل بيوت التسليف.

دون تفاصيل أكاديمية، كان ذلك إيذانًا بظهور بارز للمهنيين، ونشوء الحاجة الملحة إلى نظام قضائي حديث، تمثل أولًا في القضاء المختلط، ثم تلاه القضاء الأهلي.

محصلة ذلك كله كانت كالتالي: ظهرت لأول مرة طبقة وسطى مصرية، استطاع بعض أفرادها مزاحمة الأرستقراطية التركية الجركسية، وظهرت مؤسسات حديثة لتلبية احتياجات هذه الطبقة (وبقية المجتمع) بعيدًا عن السلطة المباشرة والشخصية للحاكم ورجاله وجيشه.

وفي الوقت ذاته تقريبًا، كان "محمد سعيد باشا" يقر حق أبناء الفلاحين المصريين في الترقي إلى رتب الضباط، وهو الحق الذي ظل "الفلاحون" محرومين منه منذ تأسيس الجيش، وطوال عهود "محمد علي وإبراهيم باشا وعباس الأول"؛ فكان ظهور الضباط من أبناء الفلاحين رافدًا جديدًا لنمو الطبقة الوسطى المصرية؛ لأن أبناء هؤلاء الضباط "الفلاحين" أصبحوا قادرين على شق طرق جديدة في الحياة جنبًا إلى جنب مع أبناء كبار الملاك ومتوسطيهم مهندسين، وأطباء، ومحامين، وقضاة، وتجار، ومعلمين، وأدباء، وشعراء.. إلخ، وظهرت الصحف المستقلة، وكذلك تيارات الفكر الإصلاحى، وجاءت مدارس الإرساليات.

مرة أخرى دون الاستغراق في تفاصيل.. كانت هذه الطبقة الجديدة بكل شرائحها هي من أحست بخطورة النفوذ الأجنبي، وأدركت مغبة الأزمة المالية التي تورط فيها "الخديو إسماعيل"، وورط مصر فيها، ومن ثم وقعت الثورة العرابية، وما يهمنا من الثورة العرابية في سياق هذه السطور، هو أنها- رغم فشلها- بسبب التدخل البريطاني ورغم واجهتها العسكرية، كانت تعبيرًا عن حاجة المجتمع المدني "للمشاركة في السلطة"، وفي حماية الاستقلال، وهو ما مثل قطيعة كاملة ونهائية مع تراث دولة "محمد علي"، ومثل ذروة "الانفصال الوظيفي"، والتكامل السياسي بين المجتمع المدني من ناحية، وبين المؤسسة العسكرية، إذ لم يكن العرابيون في الجيش سوى "الجناح العسكري" للحزب الوطني- كما كانت تعرَف الأمور وقتها، وكانوا يتلقون أوامرهم منذ أول لحظة من هذا الحزب، ومن مجلس شورى النواب، وبعده المؤتمر الوطني.

هل أدت هزيمة الثورة العرابية، ودخول الاحتلال البريطاني إلى انهيار المجتمع المدني المصري الذي كان قد أصبح طرفًا أساسيًا في معادلة السلطة في البلاد، وفي حياتها السياسية عمومًا؟

العكس هو الذي حدث؛ فبعد استيعاب صدمة الاحتلال، شرع المجتمع المدني في استخلاص دروس ما حدث، وفي البحث عن طرق الخلاص، وتوالي ظهور الشخصيات، والمبادرات، والمؤسسات التي تصنع أساس النهضة والاستقلال.

توقفت الدولة عن إرسال البعثات التعليمية، كما كان الحال في عهد المؤسس "محمد علي"، فأخذ كبار الملاك يرسلون أبناءهم للتعلم في الخارج على نفقتهم، وتقلصت قدرة الدولة على إنشاء المدارس؛ فظهرت الجمعيات الأهلية لدعم التعليم (المساعي المشكورة مثل بارز فقط)، وصولًا إلى إنشاء "الجامعة الأهلية"، ولم تعد الدولة قادرة على تعميم الخدمات الصحية؛ فقامت الجمعية الخيرية الإسلامية، والجمعية الخيرية القبطية، وجمعية المواساة، وجمعية المبرة.. بالجهد اللازم.

وفي السياسة تكوَّن الحزب الوطني الثاني بقيادة مصطفي كامل، وتشكلت الجماعة التي انبثق عنها حزب الأمة (أولًا)، وحزب الوفد فيما بعد، ثم بقية الأحزاب.

وفي الاقتصاد، بدأت الروافد التي تجمعت في "بنك مصر" بمبادرة العظيم "طلعت حرب"، وغيرها من عشرات المبادرات.

وفي الثقافة والآداب والفكر، انفجرت المواهب، لتأسس أولًا مدرسة "الإحياء"، ثم المدارس الكلاسيكية، فالرومانسية، فالواقعية. وتلاحق انبثاق النجوم في كل ميدان في الشعر والرواية والموسيقى والطب والعلوم والمسرح والسينما، بل وفي تلاوة القرآن الكريم التي شهدت انطلاقة غير مسبوقة ونجومًا لا نظير لهم رغم عراقة هذا التقليد في مصر، وانطلقت رياح التجديد تغزو الأزهر ذاته، على يد "محمد عبده" وتلاميذه بقيادة "المراغي".

واللافت للنظر والاحترام معًا، أن كل هذه المبادرات كانت ثمرة تنظيمات حديثة ومقصودة، أو ثمرة تيارات اجتماعية وثقافية، أو مدارس علمية، بمعنى أن التنظيمات الحديثة بمعناها ومبناها ترسخت في المجتمع المصري.

ثم جاء طور النقابات مهنية وعمالية، والاتحادات الصناعية والتجارية والزراعية، والنوادي التمثلية مثل: نادي المدارس العليا، والنوادي الرياضية والاجتماعية.. إلخ.

كل هذا كان من جهد ومبادرات المجتمع المدني، أكثر من ذلك كان التأسيس الثالث للجيش المصري نفسه من ثمرات هذا الجهد بعد معاهدة 1936، حين قررت حكومة الوفد برئاسة "مصطفى النحاس باشا" دعم الجيش بالسماح بدخول أبناء الشريحة الأدنى من الطبقة الوسطى إلى الكلية الحربية، ليظهر منهم جمال عبدالناصر وزملاؤه. [كان التأسيس الأول للجيش في عهد محمد علي، وكان التأسيس الثاني في عهد الخديو إسماعيل].

كان هذا حساب الإنجازات، أما حساب السنين؛ فيقول إن المجتمع المدني المصري ظل هو المهيمن على الحياة السياسية في البلاد منذ عام 1858،- عام صدور اللائحة السعيدية- حتى عام 1952 الذي شهد تأسيس نظام يوليو على يد "الضباط الأحرار".

أي ما يقرب من قرن كامل من الزمان.

غير أن الفهم الصحيح لجدلية الجيش والمجتمع في مصر، يقتضي منا أو قبل أن نتم هذا الحديث– التذكير بحقيقتين مهمتين:

الأولى أن نمط تدخل الجيش المصري مباشرة في الحياة السياسية لم يكن في يوم من الأيام نمطًا انقلابيًا، ولكنه وكنمط يتكرر في كل مرة يتدخل لإنقاذ البلاد من أزمة وطنية كبرى، فتدخل الجيش في أثناء "الثورة العرابية" كان لإنقاذ البلاد من النفوذ الأجنبي بتنسيق مع الحزب الوطني وبأمر من نواب الشعب- كما ذكرنا، وفي سنة 1952، كان النظام الملكي قد وصل إلى طريق مسدود في كل النواحي، وكانت الدولة آخذة في التحلل بسبب خطايا الملك وأحزاب الأقلية، وجماعات الفساد، وليس بسبب قصور الشعب والمجتمع المدني، وفي عام 2011، تدخل الجيش لمنع انهيار الدولة بصراع بين ثورة يناير ونظام حسني مبارك البالي، ومخطط التوريث، وضحالة "الوريث" ورجاله وفسادهم، وفي عام 2013، تدخل الجيش لإنقاذ البلاد من الشلل الذي ترتب على رفض الأغلبية حكم "الإخوان المسلمين"، وعناد الإخوان في الاستمساك بالسلطة.

الحقيقة الثانية،هي أن "نظام يوليو" لم يتحول إلى عسكرة الدولة والمجتمع بالكامل إلا في أوائل الستينيات،عندما اتُخذت قرارات التأميم بدوافع أمنية محضة، خوفًا من تكرار تجربة انفصال سوريا عن دولة الوحدة مع مصر، وكان الانفصال نتيجة تآمر وتمويل الرأسمالية السورية المحلية، وبعض الدول العربية؛ ففي ذلك الوقت، ولكي يؤمن عبدالناصر نظامه في مصر أمم مشروعات وصناعات متوسطة وصغيرة، بل وكبيرة، لم تكن هناك حاجة اقتصادية، ولا اجتماعية لتأميمها، وكان تأميمها بداية الانتكاسة الاقتصادية، وسببًا في ضياع خبرة وتقاليد إقامة وإدارة وإنجاح المشروعات، وكذلك كانت هذه التأميمات هي نهاية الدور السياسي غير التابع للسلطة مباشرة للمجتمع المدني المصري، وتلك هي الفترة التي عُرفت باسم "دولة المخابرات"، وانفتحت فيها المعتقلات، وتفشت ظاهرة الحراسات على الممتلكات، مما أحدث أكبر شرخ بين نظام يوليو بقيادة عبدالناصر والمجتمع،الذي كانت لا تزال فيه بقية من أنفاس الحياة، رغم كل القمع والقيود، ومصادرة العمل الحزبي.

في ختام هذا الحديث لا بد من طرح السؤال التالي:

هل نموذج يوليو قابل للإحياء في مصر؟

الإجابة لا وألف لا.. لسبب بسيط، هو أن السلطة لن تستطيع إغلاق المجال السياسي، في وقت تفتح فيه المجال الاقتصادي– مضطرة– بحكم عدم قدرتها على تحقيق التنمية، وبحكم أن العصر لم يعد العصر الذي تنجح فيه رأسمالية الدولة، أو اشتراكية الدولة، وبحكم أن المجتمع المدني المصري يقوده جيل جديد أكثر تعليمًا، وأكثر انفتاحًا على الدنيا، وأكثر رفضًا للمسلمات البالية، والأهم من ذلك أن هذا الجيل أكثر احتياجًا لتنمية مستدامة، وأكثر احترامًا للكرامة الإنسانية، وأكثر عددًا من الجيل المستسلم، وأخيرًا بحكم غير قابل للنقض والإبرام من التاريخ بأن "نظام يوليو"في نسخته المباركية، فشل في كل المجالات فشلًا أفدح من فشل النظام الليبرالي الذي قضى عليه "الضباط الأحرار"، وفي نسخته الساداتية فشل في تحقيق التنمية، ووضع أسس الاستغلال الطبقي والفساد من جديد، كما ربط مصر بالولايات المتحدة الأمريكية بطريقة تحد من حرية حركتها في الداخل والخارج، أما في النسخة الناصرية من نظام يوليو؛ فكان الفشل ليس فقط في مجال الحريات السياسية، ولكنه تجسد مثل كابوس دائم في هزيمة 67،التي كانت بداية التفوق الكاسح لإسرائيل اقتصاديًا وتكنولوجيًا وثقافيًا.. وعسكريًا، وبداية التراجع المصري ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا... وعربيًا وإفريقيا بل ونيليًا.

إذا كان ماضي"نظام يوليو" البعيد قد يشرفه في مجال الحراك الاجتماعي والتنمية المستقلة؛ فإن ماضيه الأقرب وسجله في عرقلة التطور السياسي، والاجتراء المستمر على المال العام، والمكابرة لإخفاء الأخطاء والخطايا لا يزكيانه دائمًا وإلى الأبد.

عن الكاتب

عبد العظيم حماد

عبد العظيم حماد هو كاتب صحفي، رئيس تحرير الأهرام والشروق سابقا. حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة عام ١٩٧٢. ويعمل بالصحافة منذ عام ١٩٧٤.عمل مديرًا لتحرير الطبعة العربية للأهرام، ومراسل الأهرام في ألمانيا ووسط أوروبا (٢٠٠٠ - ٢٠٠٥) ​له كتب و أبحاث…

آراء أخرى

رأي
علاء عبد الفتاح

هو صحيح عندنا دستور!؟

«كل ما يمكن أن تحققه الدساتير هو تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة ذات التأثير الفعليّ»

اقرأ →
رأي
أحمد أبو حسين

دولة السيسي الدينية

«خيل للبعض من المثقفين والمتابعين أن عبد الفتاح السيسي هو الطريق للدولة المدنية الحديثة، متجاهلين عسكريته وتوجهاته الدينية. الأولى تم تجاهلها تماماً، لأن مصر دائماً، كما…»

اقرأ →
رأي
أحمد أبو حسين

حروب النوستالجيا: أربعة يتنافسون على الماضي

«"النوستالجيا" هي الشعور بالحنين إلى الماضي، وهي من أهم الأدوات التي تستخدم في الدعاية، والتواصل العادي، والتواصل السياسي، والأخير هو موضوع المقال. كان للنوستالجيا دور كبير…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).