تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تطبيع السودان مع إسرائيل.. هذه القشة ستُغرقنا

ريم عباس
8 دقيقة قراءة
تطبيع السودان مع إسرائيل.. هذه القشة ستُغرقنا
A woman protests in front of the

 يقول المثل الشائع «الغريق يتمسك بقشّة»، وهذا ما اضطر السودان إلى القيام به، وهو لا يعرف إذا ما كانت تلك القشّة ستنقذه أم ستدعه يغرق في سبيل إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية، والحصول على المنح المالية وإعفاءات الديون، وللسماح بدخوله إلى النظام المالي العالمي.

بعد جهود دؤوبة وتنازلات سياسية من قبل الحكومة السودانية، شطبت الولايات المتحدة منذ أيام اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد 27 عامًا من احتلال السودان للقائمة المرادفة للعزلة التامة عن المجتمع الدولي وللعقوبات السياسية والاقتصادية.

وفي أكتوبر الماضي، وقَّع الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، أمرًا تنفيذيًا يقضي بشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد الوصول إلى اتفاق بشأن مستحقات المتضررين من «الأعمال الإرهابية» التي دعمتها حكومة الرئيس السابق عمر البشير، المنبوذة. تمت الإشارة إلى هذه الخطوة على أنها مكسب كبير للحكومة الانتقالية في السودان، والتي تدير تحالفًا غير مريح بين المدنيين والجنرالات العسكريين وفقًا لإعلان دستوري توسط فيه الاتحاد الإفريقي، تم توقيعه في أغسطس 2019، بعد تسعة شهور من الاحتجاجات الجماهيرية الدامية.

هناك مستويان من مستويات الحكم في السودان: مجلس الوزراء برئاسة الخبير الاقتصادي والمسؤول السابق في الاتحاد الإفريقي، عبدالله حمدوك، ويتكون من تكنوقراط مدنيين، ومجلس السيادة الذي يحكم الدولة فعليًا، ويتكون من مدنيين وجنرالات عسكريين، ويقوده القائد العام للقوات المسلحة، الجنرال عبدالفتاح البرهان. 

قبل أيام قليلة من إعلان ترامب، قال وزير المالية في الحكومة السودانية للشعب إن الشطب من القائمة ينتظر دفع تعويضات قدرها 335 مليون دولار للولايات المتحدة لتسوية المستحقات القانونية لضحايا تفجير المدمرة «يو.إس.إس كول» وتفجير السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، والأهم من ذلك كله، أنه أكد فصل تلك القضية بشكل فعال عن القضية الشائكة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وفي وقت سابق من نفس الشهر، أكد حمدوك نفسه أنه ليس هناك أي علاقة بين الشطب من القائمة والتطبيع مع إسرائيل، قائلًا «نريد أن نرى كل من الأمرين يدار منفصلًا عن الآخر». 

بعد فترة وجيزة من تلك التأكيدات، تم تداول بيان مشترك بين الولايات المتحدة والسودان وإسرائيل، للتأكيد على أن قادة الأطراف الثلاثة قد اتفقوا على تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب، وإنهاء حالة العداء بين البلدين.

 سارع الجناح العسكري الذي يجد ثقله في مجلس السيادة إلى الإشادة بهذه الخطوة ووصفها بأنها الطريق إلى الأمام. والتزم مجلس الوزراء الصمت حيال هذا الأمر لساعات قبل أن يدلي وزير الخارجية بتصريح مدروس لتأكيد موافقته على عملية التطبيع، وللتأكيد على أن القرار النهائي يحتاج إلى مصادقة المجلس التشريعي (لم يؤسس بعد) فور تشكيله.

خلق الأمر حالة من التضارب بين أطراف الحكم. أصدر وزير العدل، نصر الدين عبدالباري، تصريحًا نفى فيه التصريح السابق الذي أدلى به رئيس الوزراء، بأن اتفاق التطبيع لا يسري إلا بموافقة المجلس التشريعي، وأكد أن الاتفاق يمكن البت فيه خلال اجتماع بين مجلسي السيادة والوزراء.

هنا، من الهام ذكر أن تأسيس المجلس التشريعي هو بالأساس مطلب ثوري للشارع، يشكو الثوار ولجان المقاومة من التأخير في تأسيسه، ولطالما كان سببًا في خلق غضب شعبي تجاه الحاضنة السياسية للثورة؛ قوى إعلان الحرية والتغيير، وتحميلها عدم الجدية في تكوينه. وفي آخر احتجاجات شعبية، السبت الماضي، طالب الثوار باستكمال هياكل الحكم وتكوين المجلس التشريعي من الأحزاب السياسية، مستمدًا قوامه من الثوار.

 وقت انتشر البيان المشترك للدول الثلاثة، ثارت حالة من الفوضى والتناحر داخل المجتمع المدني السوداني والدوائر السياسية، بيد أن موجة الغضب وتوجيه الاتهامات والخيانة لن يتم احتواؤها في المستقبل القريب. وتصاعدت موجة الغضب عندما زار وفد إسرائيلي السودان بعد بضعة أسابيع «لتحسين العلاقات» وترسيخ الصفقة، لكن لم يتزامن هذا كله مع تحركات على الأرض مضادة للاتفاق.

انضم الكثيرون إلى الوسم العربي #التطبيع_خيانة للتعبير عن مشاعر الرفض والتنديد؛ استذكروا موقف السودان التاريخي كبلد عُقدت فيه قمة الخرطوم عام 1967، والتي تبنت شعار اللاءات الثلاثة: لا للتطبيع.. لا للمفاوضات مع إسرائيل.. لا للسلام مع إسرائيل. ومن المفارقات أن معظم الدول التي دافعت عن ذلك الشعار قد استسلمت على مر السنين واختارت، لأسباب معروفة، التطبيع مع إسرائيل، وتخلت جميعها عن الحلم الطموح بالوحدة العربية المستوحى من جيل سابق من القادة العرب.

السودان في الوطن العربي

لسنوات طويلة ظلت الخرطوم في طليعة الدول التي تُظهر التضامن مع فلسطين. وضعت الحكومة السابقة فلسطين في مركز قضاياها، وسارعت بإصدار جوازات سفر للمواطنين الفلسطينيين ولمسؤولي حركة حماس. وفي حين خُنق العمل بالسياسة، وحُظرت التجمعات العامة، كان الاستثناء الوحيد المسموح به هو المظاهرات المؤيدة لفلسطين، أو تلك المنددة بالهجمات الإسرائيلية على غزة.

مع ذلك، فإن رفض البشير ونظامه لإسرائيل لم يأتِ من مكان تضامن متأصل مع فلسطين كقضية سياسية وإنسانية لها خصوصيتها وتمايزها، بل جاء من احتضانه للأصولية الدينية، ورفض إسرائيل مع رفض الغرب والليبراليين والشيوعيين وكل من يقف على خلاف أيديولوجية النظام. جاء مع إعلان نظام البشير في التسعينيات  الجهاد على المسيحيين واللادينيين، فيما بات يعرف الآن بجنوب السودان. جاء في وقت دعم فيه النظام حركات الجهاديين داخل وخارج البلاد، وغض الطرف عن الشباب الذين ظلوا يختفون عن عائلاتهم للانضمام إلى الجهاد في الصومال وأفغانستان والعراق وسوريا وليبيا.

لقد كانت نصرة البشير للقضية الفلسطينية، كأحد محاور خلافاته الأساسية مع الغرب، هي السبب الأساسي في ضعضعة مفهوم القضية الفلسطينية عند الشعب السوداني، ويتضح ذلك جليًا اليوم في الانقسام بين النخبة السياسية الغاضبة من التطبيع وكثير من الناس العاديين. التقينا في مدن مختلفة من السودان خلال الأسابيع القليلة الماضية مواطنين يشعرون أننا عانينا من هذه المعضلة لعقود دون أي تضامن صادق أو دعم من الدول العربية، وهم غير قادرين على فصل قضية فلسطين، التي كانت في صميم العلاقات العربية البينية على مدى عقود  طويلة، عن القضية الأكبر، وهي العلاقة غير المستقرة بين السودان والعرب.

في الواقع  فإن العديد من السودانيين يرون أن العالم العربي راضٍ عن معاناتهم؛ دول الخليج الغنية هي من أعطت البشير شريان الحياة لسنوات مقابل الاستيلاء على الأراضي الزراعية والقروض، والتدفق المستمر للجنود السودانيين الذين يخوضون حربًا بالوكالة في اليمن وليبيا. وعندما ثار الشعب السوداني على النظام الشمولي، مارست نخب دول الربيع العربي وصايتها على الثورة، واعتبروها بلا جدوى في ظل الإحباط والخسائر التي لاحقت الثورات في العالم العربي في الآونة الأخيرة. كنا نعذرهم بحجة أنهم يعيشون في أجواء سلبية و قمعية، ولكن الإحباط كان من طريقة تنميط الواقع الاجتماعي والسياسي للسودان، والتنبؤ بمصير دولة لا يعرفون عنها الكثير.

 قضية أخرى ملحة هي العنصرية اليومية التي يواجهها السودانيون، الذين ليسوا السود الوحيدين بين العرب، ولكن ربما هم أكبر مجتمع أسود بين دول الجامعة العربية. في ذروة الاحتجاجات التي قام بها السود في الولايات المتحدة قبل بضعة أشهر، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالمشاركات والشهادات عن المشاعر المعادية للسود في العالم العربي. 

وقد تناولت حلقة من برنامج Kerning Cultures بعنوان «الحقيقة القبيحة» هذه القضية في يوليو الماضي، واستضافت الكاتبة السودانية الأمريكية سارة الحسن. قالت سارة في الحلقة إن السودانيين بدأوا يطلقون على شهر رمضان «موسم العنصرية» لأنه، وفي كل عام وفي المسلسلات التليفزيونية،  تظهر فيه نفس الصورة النمطية المتخيلة للسودانيين والمختصرة في هيئة الإنسان ذي الوجه الأسود. لقى هذا التعليق صدى لدى السودانيين الذين يحتجون كل عام ضد استخدام الوجه الأسود وتصويرهم في وسائل الإعلام العربية على أنهم يتمتعون بروح الدعابة.

لم تصل «حركة حياة السود» إلى العالم العربي بعد. وفي اللحظة التي انتشر فيها البيان المشترك بين الدول الثلاث معلنًا بدء التطبيع، بدأ العدد المتوقع من الإهانات العرقية من قبل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي العرب في استخدام بعض أجزائه  لتعزيز دعمهم للتطبيع.

كانت المشاعر تجاه العالم العربي سائدة بشكل كبير خلال الثورة، حيث كان من أشهر الشعارات التي تشير إلى قادة في العالم العربي هي: 

يسقط آل نهيان

يسقط محمد بن سلمان

يسقط السيسي كمان

يسقط المحور كله

التطبيع ضد الثورة والديمقراطية

لا يرى الكثير ممن يعارضون التطبيع أن فلسطين مجرد قضية عربية، بل هي قضية أممية ألهمت كل الثورات في الربع الأخير من القرن الماضي، قضية يجب أن نتعامل معها نحن السودانيين لأننا رأينا الظلم وتداعياته على مدى عقود في ظل الديكتاتوريات العسكرية.

أخطر ما في الموضوع أن البرهان، رئيس مجلس السيادة، وافق بالفعل على هذه الخطوة في اجتماعه مع نظيره الإسرائيلي في أوغندا في وقت سابق من هذا العام، وفقًا لمصدر عسكري. وكان البرهان جزءًا لا يتجزأ من الدائرة المقربة من البشير وقت حكمه، تلك الدائرة التي خاضت حروبه العبثية داخل البلاد وقبل وصوله إلى السلطة، وكان واحدًا من أسباب مشاركة القوات السودانية في الحرب السعودية على اليمن.

 في الواقع، كان البرهان وأعضاء عسكريون آخرون في مجلس السيادة جزءًا من لجنة أمن البشير حتى اندثرت في 11 أبريل الماضي، يوم الإطاحة به.

وبطبيعة الحال، دافع جزء من هذه الدائرة عن المشاعر المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل، وكانوا جزءًا من المؤسسة العسكرية في التسعينيات، حين أُجبر الأطفال والشباب السودانيون على الاحتجاج ضد الولايات المتحدة. كان شعار «داون داون يو إس إيه.. لن يحكمنا ال سي آي إيه» هو  أحد الشعارات الشعبية في ذلك الوقت.

قبول الولايات المتحدة التزام البرهان بالتطبيع قبل التشاور مع الحكومة المدنية المسؤولة عن العلاقات الخارجية، والاستمرار في مسلسل الخداع وتغييب المعلومات عن أحداث اجتماع أوغندا، يساهم في تغوله على صلاحيات رئيس الوزراء المدني، الذي عمل على الفصل بين القضيتين المطروحتين. إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل هي جريمة ضد الديمقراطية في نشأتها. إنها خطوة قاسية ومضللة ضد بلد يائس يحاول البقاء موحدًا في مواجهة الصراع، والدولة العميقة التي لا تتزعزع، والاقتصاد المنهار، والنزوح الجماعي، والضغوط العميقة والمستمرة من قبل المحور الإقليمي لإجبار السودان على العودة إلى الحكم الديكتاتوري، حيث يواصل نهب موارده والسيطرة على شعبه.

يحتج مؤيدو التطبيع بأن هذه الخطوة تدعم مصالح السودان، دون أن يوضحوا كيف يحدث ذلك، وبدون إجابة على الأسئلة حول التضحيات الأخلاقية التي يجب أن نقدمها. خصوصًا وأن الشعب السوداني يفهم قسوة الاضطهاد والتهجير والاحتقار، لقد عشناها وشاهدناها منذ عقود. 

البديل الوحيد القابل للتطبيق هو الالتزام بشعارات ثورتنا: الحرية والسلام والعدالة. الوقوف إلى جانب الحكومة الإسرائيلية، أو أي حكومة تضطهد وتشرد المواطنين، هو تطبيع للمعاناة وتجريد للفلسطينيين من إنسانيتهم ​​في وقت يساهم فيه العالم في إخفائهم من الوجود. 

لم نقف ضد حكومة البشير الظالمة لنقف في  الجانب الخطأ من التاريخ.

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).