ترانيم في مدح العفن
الترنيمة الأولى
"في بلاد سوريا والنوبة، وفي أرض مصر، تضع أيها الإله أتون، كل شيء في مكانه.. أنت الذي يعطي سوريا والنوبة ومصر، كل ما تحتاجه هذه الأراضي.. وبإرادتك أيها الإله أتون، خلقت الأرض والإنسان والحيوان وجميع المخلوقات وخلقت أرض سوريا كما خلقت أرض مصر..فأنعم على سوريا بمثل ما أنعمت على مصر"
عندما يفاجئك محتجز سوري في أحد أقسام الشرطة المصرية -بلا تهمة غير أنه حاول الفرار من مصر عبر البحر للحفاظ على صورتها الشعرية في ذاكرته- بقوله أن الوحدة بين مصر وسوريا قديمة قدم التاريخ قبل القومية العربية وقبل الإسلام ومنذ أيام الفراعنة، ويقرأ الترنيمة السابقة من نشيد الفرعون( اخناتون) للإله (أتون) من كتاب بين يديّه، ويستطرد قائلًا "ستظل مصر حصن العروبة وشمس المشرق التي لن تنطفئ أبداً، فهي المحروسة بمشيئة الله وهي خزائن الأرض الرابضة في انتظار حفيظ أمين".
الترنيمة الثانية
"مع كل فجر جديد، مع الندى اللي صبح على الفل والياسمين، مع نسمة الصبح بنت الزهر والبساتين، مع فرحة العصافير، مع الحمام اللي حام فوق البناني يا نيل، مع الصبايا اللي رايحة تملى بالخلاخيل، مع كل عين صحيت تشوف الحياة، مع كل قلب بيدور على النهار ولقاه، البياعين خارجين للأسواق متوكلين على الخالق الرزاق، بينادوا على الخير والفن بالمواويل.. اجعل نهارهم سلام يا صاحب البساتين"
تلك الترنيمة هي بداية رائعة عبد الرحمن شوقي "البياعين" التي لحنها وصاغها سيد مكاوي في أوبريت الصورة الغنائية، في زمن كان يحتفي بالغلابة والمهمشين أما اليوم فإننا نرى كبار الكتاب والصحافيين يحرضون الدولة وأجهزتها على ردع الباعة الجائلين ومقاتلتهم بدلاً من حل مشكلتهم وتخصيص أماكن لهم تؤويهم وكما يقول جابر النمر أحد الباعة الجائلين بالإسكندرية "بدل ما نروح للحرام بنحارب عشان نحافظ على الحلال والحكومة مش سايابنا ولا حتى بتفكر فينا غير إننا شوية حرامية وقطاع طرق"، جابر الذي يبلغ من العمر ٦٠ عامًا، عاش في العراق وجاء هاربًا من نيران حرب الخليج بعد اشتراكه في الحرب العراقية الإيرانية حتى يقضي ما تبقى له من عمره في بلده "والله مالناش غير البلد دي وهي ملهاش غيرنا.. بلدنا وأهلنا لا هنبيعهم ولا ننساهم بس أمر الله اللي مسلط على رقابنا مصاصين دم".
الترنيمة الثالثة
" يا أخوتي في الحرية وفي محبة هذا الوطن المسكين، الوطن الذي يثور أحراره ليدافعوا عن الحب، لنقل حب الحياة، ليحب الفقراء الحياة أكثر، ويحب الجهلاء الحياة أكثر، ويحب المجرمون الحياة أكثر، ويعرفوا عنها ما لم يعرفوه من محبة."
هذه كانت كلمات الشاعر الشاب عمر حاذق الذي تم الحكم عليه بالحبس سنتين وغرامة ٥٠ ألف جنيهًا ومعه ثماني شباب آخرين بتهمة التظاهر بدون ترخيص، ويحكي عمر ما بداخله في رسالة أرسلها من وراء أسوار السجن قائلًا "في الشهور الأخيرة شعرت بضيق شديد مما في مجتمعنا من تمثيل ونفاق اجتماعي، ولاحظت أن كثيرا من علاقاتنا الإنسانية زائفة ومبنية على المجاملة، وبلا عمق، وزملائي في العمل يعلمون أنني منذ شهور امتنعت تماما عن المشاركة في أي احتفال، وطلبت عدم الاحتفال بأي مناسبة تخصني، ولو بباقة ورد"، من داخل محبسه تتجول روايته الجديدة حرة طليقة على أوراق المطابع استعدادًا للنشر، فالرواية التي أنهى كتابتها وسلمها لدار النشر قبل اعتقاله، أوشكت على الصدور بعنوان "لا أحب هذه المدينة" ويقول عمر "تصلني أول نسخة من أولى رواياتي وأنا أتمتع بطعم حريتي وقيمتي كإنسان حر.. حين ينقلونا لقاعة المحكمة يرتبون استحكامات أمنية تليق بقادة الجيوش وزعماء العصابات المرعبة.. إنهم يخافون منا.. فالحرية مثل المرأة الفاتنة، لا تذوقها حين تتحدث عنها، بل حين تتورط فيها".
الترنيمة الرابعة
"لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء"
(لوقا الإصحاح ١)
توالت التصريحات بالعثور على جثة المفقود في جنوب سيناء، في منطقة تبعد عن وادي الجبال بسانت كاترين بمسافة ٢ كيلو متر، في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح الأربعاء.
كان المخرج الراحل محمد رمضان متعاطفـًا دومًا مع مهمشي مصر فأقام لهم مشروع تحت اسم «سينما الترسو»، يشاركه فيه أربعة آخرون، وهو مشروع لصناعة سينما أبطالها من المهمشين فقط. لم يكن يسعى وراء نجومية الممثلين في اختيار مشاريع تخرجه، بل كان يريدهم أبطالا حقيقيين لم يمثلوا من قبل وعاديين ممن يسيرون في الشارع. كل من عرفه أكد على فرحته شديدة بجنسيته المصرية التي حصل عليها عام ٢٠١١ بعد ثورة يناير، أفلامه تلخص فكره ومشوار حياته فلقد قدم فيلما وثائقيا قصيرا عن الأفراح الشعبية وهو في العام الثالث بمعهد السينما عام ٢٠٠٩، وعام ٢٠٠٨ قدم فيلما روائيا قصيرا بعنوان «شنطة سوداء» عن الشاب الضائع الذي يبحث عن نفسه وهى معه في هذه الشنطة السوداء. أما مشروع تخرجه في المعهد فكان فيلم «حواس» عام ٢٠١٠، ناقش من خلاله نظرة المجتمع للمرأة، وهو الفيلم الذي شارك في مهرجانات عديدة وفاز بعدة جوائز من وهران أو مالمو أو المهرجان القومي الأخير.
وانتهت به رحلة الحياة وحيدًا تائهًا في ظل عاصفة ثلجية أدت لفقدانه حياته متأثرًا بصقيع وطن أحبه وعشق مهمشيه..
الترنيمة الخامسة
أنا مصري بناني من بنى هرم الدهر الذي أعيا الفنا
وقفة الأهرام فيما بيننا لصلوف الدهر وقفتي أنا
في دفاعي وجهادي للبلاد لا أميل لا أمِل لا ألين
لكي يا مصر السلامة وسلاما يا بلادي
إن رمى الدهر سهامه أتقيها بفؤادي
واسلمي في كل حين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد