تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تدوينة: هل أنا يهودي مصري؟

رومان بن نون
6 دقيقة قراءة

عندما يسألني أحدهم من أي بلد أتت عائلتك؟، أتوقف للحظة وأفكر. هل أشرح الأمر له؟ هل أخبره بالحقيقة؟ ما هي الحقيقة؟ إلى أي مكان أنتمي حقًا؟ بالنسبة لغالبية الناس، ليس أمرًا عاديًا أن تتجمد أمام سؤال بسيط كهذا. عادة ما ينظر الناس إلى ثقافة المرء، من أين أتى، أي لغة يتحدث، أي بلد وُلد فيها، إلى أين تمتد جذوره. ولكن ماذا لو أن أيًا من هذه الأشياء لا يتطابق مع بعضه  البعض؟ ماذا لو أن لكل سؤال من هذه الأسئلة إجابة متناقضة مع الأخرى؟ هذه هي مشكلتي.

وُلِد جديّ في مصر، ولدت أمي في فرنسا، وأنا وُلِدتُ في أمريكا. هناك في عائلتنا من يتحدث اللادينو، أو اليونانية، أو التركية، أو العربية؛ أنا أتحدث الإنجليزية. إذًا، من أنا، وهل مصر حقًا هي موطن أجدادي؟ هناك الكثير لتفكر فيه حول هذا السؤال البسيط للغاية. لماذا تصعب عليّ الإجابة ويشق عليّ أن أكون صادقًا بشأنها؟ أظن أن هذا كله لأنني في الحقيقة يهودي مصري.

منذ ستين عامًا، أُبعِدت عائلتي عن وطنها. كانوا فقراء وحائرين عندما هاموا على وجوههم عابرين البحر الأبيض المتوسط إلى فرنسا، ومن ثم المحيط الأطلسي إلى نيويورك. وبينما كنت أكبر، رُويت لي قصص عن جمال مصر، عن روعة شمسها وأهلها، وكم أن الحياة مثالية هناك. ولا يهمني إذا ما كانت تلك الحقيقة أم لا. عندما كنت طفلًا، مثّلت لي مصر كل شيء أحبه في جديّ: رائحة التوابل في هواء منزلهما، صور أجدادنا الأكبر مرتدين الطرابيش، حركات اليد المستمرة أثناء حديث أي منّا والجدال الدائم.  كان واضحًا منذ كنت في سن مبكرة أن مصر  جزء من عائلتنا، هنالك رابط خفي بين الطفل وأمه وجدّته. ولكن إلى أي حد يمكن لمصر أن تكون جزءًا من عالمي؟ هل هي أقرب لأن تكون مثل أخ أكبر أحبه ومعجب به، أو ابن خال/عم بعيد تقطعت بنا السبل؟ وعندما كنت أكبر، أردت أن أفهم عائلتي، أردت إجابة شافية. هل نحن مصريون؟

عندما بلغت الثامنة عشرة، قررت أنني قد أكون مصريًا حقًا. قضت عائلتي في مصر وقتًا أكثر مما قضت في أي مكان آخر في تاريخها القريب، ولدينا أسماء يهودية شرق أوسطية. القول بأني مصري يبدو مقبولًا أكثر من شرح شجرة عائلتي لأي شخص جديد أقابله. ولكن لا يمكنك أن تقرر أن تكون شيئًا ما هكذا ببساطة. ستحتاج دائمًا لبرهان على ذلك. ستحتاج ﻷن تشعر بهذا الذي قررته من أعماق روحك. أن تكون مصريًا قرار يحتاج إلى أن يكون هذا شيئًا هامًا للغاية لوجودك، أن يُسبك ذلك الادعاء كجزء من القالب الذي يشكّل كيانك، أن يمكنه تعريفك.

لذا، وبينما يدور كل هذا في رأسي، أقصد ذكرى جديّ، وكل ما يرتبط بها من معان، استقللت الطائرة إلى القاهرة. كنت أول شخص من ثلاثة أجيال في عائلتي يأمل، بشيء من الإحباط، في العثور على إجابة لهذا السؤال: "هل أنا مصري؟" وفي الطائرة إلى القاهرة أخذت أتجول بعينيّ بين الركّاب لأرى إن كان أحدهم يتذكرني أو يتذكر أحدًا من عائلتي، أو على أفضل تقدير أحاول أن أجد شيئًا يشبهني. من الصعب أن تصف ذلك الأمر لشخص لم يمر بتلك التجربة، ولكني شعرت أنني بحاجة إلى ما يمكن أن يكون إشارة لانتمائي إلى المكان الذي كنت في طريقي إليه. عندما هبطتُ، شعرتُ برجفة قوية في خضم انفعالي من حقيقة أنني في مصر بالفعل، إلى حد أني كنت على حافة البكاء.

في اليومين الأولين في القاهرة، شعرت بخيبة أمل. أدركت أنني كشخص لا يتحدث العربية في مصر في الوقت الحالي، سيتعامل الناس معي كغريب. كنت قد أتيت للتو من أوهايو في الشتاء، لذا، بدوت شاحبًا أكثر من المعتاد وكانت ملامحي قريبة من ملامح والدي البولندي الكاثوليكي، أكثر من كونها ملامح يهودي مصري - أيًا كان معنى ذلك. ولكن الأشياء بدأت في التغير.

ذهبت إلى القاهرة الفاطمية لشراء صندوق من الأرابيسك كتذكار من أجل والدتي. وفي اللحظة التي دخلت فيها إلى المحل الصغير شعرت أنني حقًا في وطني. تحدث البائع إليّ بالإيماءات نفسها التي نشأت عليها وشممت الروائح نفسها التي ألفتها في طفولتي. وكلما مر وقت أطول على مكوثي في مصر، شعرت أنني في بلدي. بدا الأمر وكأني أمر مجددًا بتجربة طفولة ثانية. أحببت الفول للغاية، تعلّمت السير وسط الزحام، وبدأت الاستماع إلى ليلى مراد وأم كلثوم. وكانت التجربة الأفضل على الإطلاق عندما بدأ الناس يكلمونني بالعربية فقط، وقد أربكونني بتعاملهم بهذه الطريقة وكأنني وُلِدت هنا، واحد من أهل البلد.

أدركت، وبغض النظر عن أي شيء، أن مصر التي كان ينتمي إليها جدّاي لم تعد موجودة الآن. لكن بعد أسبوع في مصر، أردت العثور على كنيس يهودي في القاهرة، كنت حريصًا على معرفة إن كان من الممكن العثور على أي أثر للمجتمع اليهودي الذي كان هنا منذ وقت بعيد. قررت أن أفضل خيار بالنسبة لي هو الحي اليهودي في الموسكي. احتجت ساعتين لأجد المكان، وعندما أصبحت هناك بالفعل، أدركت أنه تحوّل إلى سوق، وهنالك في خلفية هذا السوق كنيس صغير باسم موسى بن ميمون، والذي هو أحد أشهر المفكرين اليهود في التاريخ. ومع إرثه وأهميته كموقع تاريخي مقدّس، إلا أن المكان كان مغطّى بالقمامة والكتابة على الحوائط. النوافذ محطّمة، والغبار يغلّف كل ركن وشق. توقفت وحاولت أن أفهم لماذا حدث هذا، لماذا بدا المكان بهذا الشكل السيئ، مع أن هناك تقارير تقول أن الحكومة خصصت 2 مليون دولار لمشروع ترميم الموقع عام 2010. أردت أن أصرخ بصوت عال، وأن أتعارك مع أحدهم، ثم شعرت برغبة في البكاء. كنت غاضبًا من السلطة هنا، "كيف يسمحون بأن يحدث ذلك؟"، القول إنني كنت أشعر بالألم لا يعبّر حقًا عن حجم المعاناة التي كانت بداخلي آنذاك. انتهيت إلى مسح بعض الغبار من على لوح الوصايا العشر وأخذت بعض الصخور من المكان ووضعتها في المقابر اليهودية ثم غادرت من الطريق نفسه الذي أتيت منه.

كان لزيارتي للكنيس أثر واضح على بحثي عن هويتي. أدركت أن مصر التي وُلِد فيها جدّاي قد سُرِقت منهما. وأن المصريين ليسوا هم من سرق منزلنا، ودمّر مجتمعنا، ثم طردنا من بلادنا. بل الحكومات هي من فعل ذلك كله. دائمًا ما كانت الحكومات والسياسات هي المسؤولة. كنت حانقًا على السلطة الحاكمة لأنها لم تقم بوظيفتها ولتأليبها اليهودي ضد المسلم ضد المسيحي، والأخ ضد أخيه، والعائلة ضد اﻷخرى. عندما راودتني كل هذه الأفكار، أدركت  أنني مصري حقًا. بكل أمانة، ليس هناك ما هو مصري أكثر من إدراكك أن حكومة هذه البلد قد تراجعت عن دورها التاريخي كرمز لمصر موحدة.

تركت مصر شاعرًا أنني أفضل وأكثر اطمئنانًا حول مسألة هويتي، ولكنني مرتبك أيضًا حول معنى أن أكون يهوديًا مصريًا. أدركت أن مصر تغيّرت كما يحدث دائمًا وأنني كابن ليهودها المشتّتين، أتمتع بفرصة نادرة لأن أؤثر في تغييرها في المستقبل. في كل مكان بمصر أخبرني الناس كم هم سعداء بعودتي، كم هم فخورون باليهود الذين عاشوا في مصر. لا يزال زاهي حواس، وزير الآثار السابق، والذي وافق على ترميم الكنيس سرًا، يرفض السماح لليهود بالاحتفال في كنيس موسى بن ميمون، مدّعيًا أنهم أعداء مصر. من الصعب فهم هذا التناقض في سياسات السلطة الحاكمة. تُستخدم المسألة اليهودية بوضوح في الدعاية الحكومية لإلهاء الناس عن المشاكل الحقيقية. بالطريقة نفسها التي تُستخدم بها الفاشية للمزايدة على الديموقراطية -يمكنك أن تجد السيرة الذاتية لـ أدولف هتلر "كفاحي" تباع في شوارع القاهرة كأنها شيء عادي.

أعرف أن مصر أجدادي ذهبت ولم تعد موجودة بالفعل، لكني أظن أن مصر الحالية قد تكون مكانًا أفضل. أخذ الشباب في مصر على عاتقهم تصحيح الأمور، ومواجهة أخطاء الاستبداد والفاشية. أتمنى أن يتمكنوا من جعل مصر مكانًا يتسم بالتسامح والديموقراطية. كمصري ويهودي، أقول لهم جميعًا ولكل المصريين: "أرجوكم، تذكروا تاريخ اليهود المصريين، كرِّموا ذكراهم واجعلوا بلدنا مكانًا يمكن أن يفخر به كل المصريين. أرجوكم، لا تنسونا كما لم ننس مصر."

عن الكاتب

رومان بن نون

رومان بن نون هو طالب يهودي مصري من الولايات المتحدة. درس السياسة والاقتصاد ودراسات الشرق اﻷوسط في كلية أوبرلين بأوهايو، ولديه شغف كبير بالسياسة في الشرق اﻷوسط‎

آراء أخرى

رأي
مينا ثابت

عن النهاية القريبة للطائفة اليهودية في مصر

«تواجه الطائفة اليهودية في مصر حاليًا واقعًا مريرًا ينذر بقرب نهايتها. ففي عام 1947، كان عدد اليهود المصريين يتراوح بين 75,000 و80,000 شخص[1]، لكنه انخفض ليصل…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).