بونابرت لن يُنهي الثورة
بعد 30 يونيو، وخلف سطح شعارات وجمل مثل "هذا البلد لا يحكمه إلا رجل عسكري" استتر الفزع من رياح الحرية والتغيير، فلو كانت الشرائح الواسعة الرافضة لحكم الإخوان مجرد صاحبة توجهات سياسية مغايرة للتصور الديني للدولة كما تطرحه الجماعة، لكان من الطبيعي أن تُدعم القوى العلمانية المساهمة في إزاحة الإخوان، لكن الرغبة كانت راسخة عند تلك الشرائح في إنهاء الحراك كله وليس توجيهه باتجاه سياسي آخر.
فقد أرادت البرجوازية المصرية إنهاء الاحتجاجات والتظاهرات في الشارع التي تحول دون استمرار عملية تراكم الأموال في جيوبها، كما إن جزءًا أساسيًا من الحراك الثوري اتخذ طابعًا عماليًا واجتماعيًا مما هدّد مصالحها بشكل مباشر، فاختارت فرض "نظام بونابرتي" بتعبير المفكر آلان وودز، بأي ثمن، وبما أن الأحزاب السياسية لم تستطع تسلّم السلطة من الإخوان لعجزها عن خلق توازن سياسي قادر على الوصول للسلطة والحفاظ عليها، بينما كانت البيروقراطية العسكرية جاهزة لمصادرة العمل السياسي وفرض النظام، فقد دُعمت اﻷخيرة بشكل سافر. فالأغلبية تلجأ بعد الثورات وانهيار ثوابت المجتمع، إلى البحث عن قدر من الأمان النفسي والاجتماعي من الانهيارات المتلاحقة وإلى محاولة تثبيت ما يمكن تثبيته والحفاظ على التراتبية الأبوية. من المؤكد أن هناك تغيرات عرفها المجتمع حتى 24 يناير، لكنها كانت بطيئة ومحدودة، أما بعد 25 يناير، فقد ظهرت تغيرات عنيفة تتناقض مع نمط الحياة المستقر الذي اعتاده المجتمع منذ عقود، نظرًا للمعايير الأخلاقية السائدة والنظرة التقليدية لما ينبغي أن يكون عليه النظام الاجتماعي، فكان مناخ الحرية والثورة بجذريته صادمًا إلى أبعد مدى. لم يكن أحد على سبيل المثال يتصور أن فتاة مصرية ستنشر صورتها عارية على المجال العام معلنةً تحديها الصارخ للقيم الذكورية قائلةً "جسدي ملكي"، كما فعلت علياء المهدي، أو ما فعله أحمد حرقان في سياق موازٍ عندما ظهر في أحد البرامج التلفزيونية ليعلن آراءه الإلحادية.
وبسبب عجز الثقافة السائدة عن التعامل مع تلك المتغيرات ومناقشتها وإدراجها ضمن الخط الثقافي العام للمجتمع، فقد حشدت كل قواها لإيقاف مسلسل الانهيار الجاري بفعل الحرية المفاجئة والثورة المشتعلة، وبطبيعة الحال فلن يحقق حلم الأغلبية بإيقاف عجلة التغيير سوى "شخص عسكري"، وغالبًا ما يحاول هذا الشخص امتصاص طاقة العنف المتفجرة في المجتمع بفعل الثورة ودفعها إلى الخارج، ويتجلى هذا في تنفيذ الطيران المصري والإماراتي لضربات جوية مشتركة على أهداف عسكرية لفصائل إسلامية في ليبيا في 26 أغسطس عام 2014 ، وهي الضربات التي أقرت الولايات المتحدة بها رسميًا عبر تصريح للأميرال جون كيربي، أحد المتحدثين باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون).
ومع تدهور الاقتصاد وانتهاج النظام للسياسة "المافيوية" من إخفاء قسري واعتقال معارضين وإصدار أحكام قضائية قاسية عليهم، فضلًا عن اعتقال الباحثيْن إسماعيل الإسكندراني وإسلام البحيري، والروائي أحمد ناجي، وصدور حكم بالحبس على الكاتبة فاطمة ناعوت، فقد اتضح التهديد الموجه للشريحة المثقفة، كما لم يكن المجتمع المدني بعيدًا عن عصا القمع، مما أدى إلى تراجع التأييد بين شرائح واسعة في المجتمع.
يضاف لهذا، أنه مع تضرر الطبقة الوسطى من تراجع مستويات المعيشة وازدياد نسبة البطالة ورفع الدعم، تعاظم الرفض الذي يهدد النظام بانفجار اجتماعي، فيما يحتمي النظام بمظلة إيديولوجية وحيدة قماشتها التهديد بتفكك الدولة، على غرار ما حدث مع بلدان مجاورة، لكنها مظلة أكثر هشاشة من الغضب الشعبي المتعاظم.
لم يكن هذا النظام وليد اختيار ناجم عن منافسة سياسية محددة بمعايير ديمقراطية، بل كان وليد أزمة تمر بها البلد، لذا لم يكن هناك بديل أمام نظام غير طبيعي سوى التهديد بإمكانية اندلاع الأزمة مجددًا (على سبيل المثال، في لقائه مع ممثلي فئات المجتمع بدأ السيسي حديثه بالإشارة إلى خطورة تنظيم الإخوان). رغم أن الشارع السياسي يعتبر أن الإخوان ليسوا سوى "خبر كان" لكن التخويف من الأعداء على المستويين الداخلي "الإخوان" والخارجي "المؤامرة وحروب الجيل الرابع" هو التجسيد الأكثر تجليًا على دليل عمل النظام الذي يمكن تلخيصه في كلمة واحدة هي "التخويف".
يتشابه الأمر مع الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789، وانتهت في أواخر 1790 مع صعود نابليون بونابرت بانقلاب عسكري بعد تفكك النظام السياسي وفشل المؤسسة الكنسية في فرض سيطرتها الثقافية على المجتمع، وفشل الثورة في تحقيق أهدافها وتحولها إلى فوضى وإرهاب.
قام بونابرت بانقلابه العسكري بعد فشل مجلس الإداريين في السلطة وتضاعف الأزمات المالية والفساد السياسي وتزايد السخط الشعبي، فألغى مجلس الإداريين، وعيّن نفسه “القنصل الأول” على فرنسا، وبدأ مسيرة التوسعات التي نجح فيها إلى حدٍ كبير.
ورغم التشابه بين الوضعين المصري والفرنسي بعد الثورتين، إلا أن اختلافًا قائمًا يتجسد في نجاح بونابرت في التوسع وبسط الهيمنة الفرنسية على مساحات جغرافية واسعة من العالم، بينما نظام السيسي في مصر أخفق في التوسع رغم رفعه لشعار "قد الدنيا"، وهو الشعار الذي يعكس النزعة التوسعية المكبوتة لدى النظام. فقد أجبرت المشاكل في الداخل، وعدم الحصول على الضوء الأخضر من الخارج، السيسي على الانكماش على الذات، ثم التنازل عن أراضٍ مصرية، ووصل الأمر ﻷن تحولت حكومته إلى ما يشبه الإدارة القانونية للحكومة السعودية، وباتت تجمع الأدلة التي تؤكد عدم ملكية مصر لجزيرتي تيران وصنافير، في سابقة لم تحدث في تاريخنا الوطني على امتداده!
لن يحل النظام البونابرتي مشكلة واحدة في مصر، وبالتالي فلن يستمر طويلًا، , وإنما فقط يمهد الطريق نحو اندلاع انتفاضة ثورية أكثر عنفًا من 25 يناير.
من جهة أخرى، فليس بمقدور تيار الوسط السياسي، الذي يمثله حمدين صباحي والأحزاب المدنية، فعل شيء سوى خفض سقف المعارضة للتشويش على الثورة وحماية النظام من السقوط، كما أن اليمين الديني فاقد للمصداقية على نحو عميق، فقد تكشَّفت شعاراته على مر عام من الحكم وعدة أعوام من الحراك السياسي.
لكن الحالة السياسية المأزومة في البلد حبلى بالعديد من الاحتمالات، فهناك نمو متسارع للراديكالية الثورية الرافضة للحلول الوسطى والخطاب المهادن، كما أن فكرة الوصاية الأبوية تحطمت إلى غير رجعة، وهناك جيل كامل من الشباب يمتلك تقاليد ثورية وتاريخًا كفاحيًا صلبًا لا يمكن احتواؤه أو كسره.
ومن هنا لم تكن تظاهرات جمعة الأرض مفاجئة أو عابرة، بل كانت استمرارًا للتطورات الثورية المتراكمة منذ سنوات من الصدام، ولم يكن مفاجئًا أن النظام لا يزال يتمسك بعناد غريب بالصيغ والسياسات القديمة نفسها، ولكن في ظروف مختلفة تمامًا، فهو على صعيد البنية والرؤية السياسية لم يتغير، مما أعطي دفعة قوية وثقة بالنفس لا حدود لهما للتيار الثوري، خاصة أنه متمرس على مواجهة هذه السياسات، فالشرط الوحيد لنجاح أية تجربة استبدادية بحسب المفكرة حنا أرندت، هو أن تكون سياساتها القمعية جديدة ومبتكرة وغير مألوفة على الفاعلين في المجال السياسي، حيث تشكل مفاجأةَ حقيقية يعجزون عن مجابهتها. أما إذا كان الاستبداد مجرد استمرار لمسارٍ قمعي ممتد من عقود فإن إمكانية سقوطه تصبح شبه مؤكدة.
هناك وعي يتشكل، وخبرة ثورية تتراكم، وحراك يتقدم، وأجيال جديدة تنخرط في النضال الثوري. هناك قضية كبرى وهي بناء نظام ديمقراطي، وهناك حدث (تظاهرات الأرض) يعد نقطة انطلاق للممارسة السياسية ضمن الرؤية العامة للقضية التي بدأت ولن تنتهي. ما يلزم هذا الحراك هو تشكيل قيادة واعية لدفعه إلى موقع متقدم.
من المؤكد أن تشكيل البديل السياسي أكبر وأصعب من الإمكانيات المتاحة، لكن وأد هذا الحراك أكثر صعوبة وكارثية.
آراء أخرى
المحتجون في مصر: بين الخوف من النظام والخوف عليه
«واجهت السلطات دعوات التظاهر، ضد ما يراه البعض تنازلًا منها عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، بإجراءات أمنية استباقية اعتُقل خلالها العشرات وحوصر وأُغلق الكثير…»
درس ٢٥ أبريل
«بخصوص درس يوم 25 أبريل. فالخلاصة هي أن قوة الفرض تفوقت على قوة الرفض، وأن على قوة الرفض البحث عن مسالك جديدة. وسيكون من الخطأ الجسيم…»
مرحلة شق الجدار: أسئلة حول العودة للشارع
«في أقل من أسبوع جرى توقيف واعتقال مئات أعرف منهم سبعة على الأقل شخصيًا، منهم من سلبت حريته وهو نائم في بيته ومنهم من كان جالسًا…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد