تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

اليوم العالمي لحماية المستهلك: “مالكش حق”

شريف صادق
8 دقيقة قراءة

يتحدث العالم بأسره يوم ١٥ مارس عن حقوق المستهلك، الملايين الذين وصفهم الرئيس الأمريكي الأسبق چون كيندي في خطابه الشهير للكونجرس في مارس ١٩٦٢ بأنهم "الشريحة الاقتصادية الأكبر والأكثر أهمية وهي الشريحة التي تؤثر وتتأثر بالاقتصاد، إلا أن صوتها لا يزال غير مسموع"، ويبدو أننا في العام ٢٠١٤ لا يزال صوت الملايين غير مسموع وتحديدا هنا في مستنقع ما يسمى بالعالم الثالث، والتي أصبحت حماية المستهلك فيها شعار براق يستخدم لخداع المستهلك، ومكاتب مكيفة لا يعرف قاطنوها معاناة ملايين المستهلكين.

١٥ مارس هو اليوم الذي أقرته جمعية الأمم المتحدة باعتباره اليوم العالمي لحماية المستهلك، وذلك بالقرار رقم ٢٩/٢٤٨ والصادر في  ٩ أبريل من عام ١٩٨٥، وقد أعلنت فيه ما يُعرف بالمبادئ التوجيهية لحماية المستهلكين، والتي تبنتها فيما بعد الجمعية العالمية لحقوق المستهلك، والتي تعتبر الركيزة الأساسية لوضع قوانين حماية المستهلك والتشريعات اللازمة لذلك، جاء اختيار ذلك اليوم تيمنًا بخطاب "كيندي" أمام الكونجرس، والذي أعلن فيه آنذاك ما أطلق عليه الحقوق الأربعة للمستهلك وهي:

١- الحق في الأمان

٢- الحق في المعلومة

٣- الحق في الاختيار

٤- الحق في التعويض

وقد تطورت هذه الحقوق اليوم لـ"الحقوق الثمانية للمستهلك" والتي تمحورت جميعها حول الحق الأول، وهو الحق في المعرفة والحصول على المعلومة باعتباره حق تمكيني بكافة الحقوق الأخرى كحقه في  السلامة والأمان، والحياة في بيئة صحية، والإشباع العادل لاحتياجاته الأساسية، وممارسة الاختيار الحر بين مختلف المنتجات والخدمات المختلفة، والاستماع إلى آرائه، وحقه في التعويض عن الضرر.

وفي هذا الإطار وبالإشارة لجهاز حماية المستهلك في مصر، والذي يبذل مجهود مضني حقيقي في الحفاظ على حقوق ملايين المستهلكين في مصر، من خلال تنظيم احتفالية سنوية يحضرها عدد من المسئولين والوزراء المعنيين كوزير التجارة والصناعة ووزير التموين ليقول باختصار "إحنا بنعمل اللي علينا والمفروض المستهلك يخلي باله من نفسه والقانون لا يحمي المغفلين" -مجهود يجب أن نُذكّر به دائما!

إن جهاز حماية المستهلك في مصر لديه خلل كبير على مستوى فهمه لطبيعة دوره ما بين الرقابة من أجل الحفاظ على الحقوق، وبين توفير إمكانيات الحصول على المعلومات والتي تخلق جمهور مستهلك واعي قادر على خلق حالة ضغط اجتماعي وشعبي، يمنع انتهاك أيا من حقوق المستهلكين. القائمين على جهاز حماية المستهلك عليهم أن يعلموا أن أولى خطوات تفعيل الدور الرقابي للجهاز هو تعزيز أوضاع الوصول للمعلومات والنشر المعرفي للفئات الأوسع من المجتمع الاستهلاكي في مصر، خاصة في ظل دراسات رسمية تؤكد على أن أداء الجهاز في نشر المعلومات وتوعية المستهلكين مازال مقتصر على الأحياء الكبرى في  محافظتي القاهرة والإسكندرية.

ينطلق جهاز حماية المستهلك في مصر من أن الدور الرقابي المشوّه والمشبوه أيضاً الذي يقوم به الجهاز - تحت سيطرة وهيمنة السلطة التنفيذية عليه بما لديها من شبكات مصالح- هو الحصن الحامي لحماية حقوق المستهلك فحسب، ولا يعلم قيمة ودور عنصري التوعية والمعلومة في خلق مجتمع استهلاكي إيجابي مُشارك بحق في رسم السياسات ودرع حامي ضد انتهاك أيا من حقوق المستهلكين.

أثناء احتفالات العام السابق أرسلت مؤسسة حرية الفكر والتعبير خطابًا مفتوحًا للقائمين على جهاز حماية المستهلك تحاول أن تشرح لهم دور الحق في المعرفة والحصول على المعلومة في تغيير مفهوم عمل الجهاز حتى يكون أكثر فاعلية في القيام بدوره، كما قدمت نصائح عدة للقائمين على الجهاز لتحسين الأداء والارتقاء بمنظومة حماية المستهلك في مصر، وقد تجاهل الجهاز الرد، وهو ما أكد لدينا القناعة الراسخة بأن أولئك القائمين على الجهاز لا يمتلكون إرادة حقيقية للاضطلاع بالدور الأصيل للجهاز، لذلك قررت في ذكرى هذا العام أن أوجه رسائلي للمستهلك مباشرة.

- إن تصريحات رئيس الجهاز الحالي تعكس عدم الوعي الكافي بالدور المنوط بالجهاز القيام به، حيث تأتي مسألة "الضبطية القضائية" الأكثر تناولا بين تصريحاته وهو ما يعكس احتياج الجهاز للضبطية القضائية لما لها من أثر على ضبط السوق ومحاسبة المنتهكين لحقوق المستهلكين، وتوضح تصريحات رئيس الجهاز بأنه تقدم بطلب إلى وزير العدل لحصول على ٢٠ موظف على الضبطية القضائية وقد حصلوا بالفعل عليها، وصرح بأنه سيتقدم مرة أخرى حتى يحصل على الضبطية القضائية لدفعة ٢٠ موظف آخرين، وذلك بعد تدريبهم، ولكن حتى يعلم المستهلكين حقيقة الأمور فالوزير لم يُطلع الرأي العام على ما حققه من حصول الـ٢٠ موظف على الضبطية القضائية، وكيف استخدموا هذه الصلاحية؟ ولم ينشر على الرأي العام قائمة بالمنتهكين لحقوق المستهلكين حتى نتعامل مع "جهوده" بأي درجة من الجدية.

إن القضية يا سيدي لا تتعلق بحصول موظفيك على الضبطية من عدمه، إنما تتعلق بمدى إيمانك واحترامك لأهمية تداول المعلومات، من الجهاز للمستهلك والعكس، وهو ما يجعل الجهاز غير قادر على مواجهة أي انتهاكات لحقوق المستهلكين لأنه لم يخلق القاعدة الشعبية الواعية، الواجب عليه خلقها، والقادرة على مساعدته في رقابة ومعاقبة المنتهكين.

- القضية الثانية التي تناولها رئيس الجهاز "اللواء/ عاطف يعقوب" في تصريحاته الصحفية، والتي تتعلق بـ"الإعلانات المضللة" أنه سيتم عمل مرصد إعلامي لمواجهة الإعلانات المضللة التي تنتهك حقوق المستهلك، وذلك دون الإفصاح عن الآلية والمنهجية التي على أساسها سيقوم المرصد بعمله! وحقيقة الأمر أن عُمر هذه التصريحات المتعلقة بهذا المرصد يزيد عن عام، والحال اليوم أنه لا يوجد مرصد ولا يحزنون، فالإعلانات المضللة جريمة ترتكب في مصر منذ ١٠ سنوات ولا يوجد أي رصد أو محاسبة حقيقية عليها.

إن جهاز حماية المستهلك لايقوم بأي رصد أو توثيق للحالات العلنية لانتهاك حقوق المستهلكين على شاشات التلفاز التي تحدث يوميًا، فيجب ألا يحدثنا المسئولون عن الشفافية وإتاحة المعلوم دون ترجمه لذلك علي الواقع. إن الأزمة الحقيقية أن هذه الإعلانات المضلله أصبحت مؤخراً تمس صحة المستهلك المصري التي لا يُلقي لها القائمين على الجهاز أي اهتمام.

مشروع القانون الجديد المنظم لجهاز حماية المستهلك

صرح رئيس الجهاز أكثر من مرة على مدار عام عن إتمام الانتهاء من مشروع القانون الجديد المنظم لجهاز حماية المستهلك، وصرّح بأن القانون الجديد يتجنب العيوب والقصور الموجودة في القانون الحالي، ويضمن الحقوق الثمانية التي أقرتها الأمم المتحدة لحقوق المستهلك، ولكن السؤال هنا في ظل تداعيات الوضع الحالي، فيما يتعلق بأن القانون الحالي معيب وملئ بأوجه القصور تجاه حماية المستهلك، وأيضا في ظل الارتفاع الشديد في الأسعار، لماذا لم يتم إقرار القانون حتى الآن؟  

السؤال لا إجابة له، لم نسمع حتى أنه تمت مناقشات مجتمعية حقيقية حول القانون، وكيفية حمايته بشكل عملي لحقوق المستهلك المصري، وكيف سيتعامل مع الأزمة التشريعية المتعلقة بإتاحة المعلومات كحق من حقوق المستهلك التي أرساها مشروع القانون الجديد للجهاز، والذي لم يأخذ في الاعتبار الحكم القضائي للدائرة السابعة لمحكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم ٤٦٧١٧ لسنة ٦٢ق الصادر في  عام ٢٠٠٩، والذي أكد على الالتزام الدستوري والقانوني  للوزير المختص، بسرعة أن ينهض لتحمل واجب تنظيم الحق في الحصول على المعرفة المتعلقة بحماية حقوق المستهلك، وحماية حقوقه ومصالحه الحيوية والمشروعة بإصدار القرار التنظيمي المنظم لهذا الحق!!

أين القانون؟ وكيف سيحمي حقوق المستهلكين في مصر؟ وكيف سيتعامل مع الأزمة التشريعية الخاصة بإتاحة المعلومات؟ وهل سيلتزم بحكم محكمة القضاء الإداري أم لا؟ كلها أسئلة أعتقد أنها تغيب عن واضعي الرؤية الاستراتيجية لتطوير عمل هذا الجهاز.

المجلس الاستشاري الأعلى لحماية المستهلك

تم إنشاء المجلس الاستشاري الأعلى لجمعيات حماية المستهلك بقرار من وزير التموين رقم ٤٠٧ لسنة ٢٠١٣ والصادر بتاريخ ٢ سبتمبر ٢٠١٣، ومن المفترض أن المجلس مختص بعمل دراسات وأبحاث على السلع والخدمات، ورصد مشكلات المستهلكين، والتنبوء بالأزمات التي قد تواجه السوق، ووضع الاستراتجيات، والمشاركة في صنع القرار داخل وزارة التموين فيما يتعلق بحماية المستهلك.

حقيقة الأمر هذا المجلس كغيره من المجالس مجرد مقرات ومكاتب وتصريحات، فقد نشأ المجلس بقرار من الجهة التنفيذية وذلك بهدف المتابعة والمشاركة والتنسيق، فيما يخص قضايا حقوق المستهلك، وبسبب غياب أي صلاحيات حقيقية لهذا المجلس، تحول إلى مجرد منصة تصريحات إعلامية لا تمارس أي دور حقيقي في ضبط منظومة حماية المستهلك في مصر، رغم أن المجلس مُشكل من ممثلين للجمعيات الأهلية المهتمة بحماية حقوق المستهلك إلا أنه لا توجد بيئة تشريعية ملائمة تمكنه من أداء مهامه بشكل فعّال، وكذلك غياب صلاحيات تجعل منه مجرد مجلس صوري وهو ما يقلل من حماس المشتركين فيه و من أداء المهام المنوطة بهم، وينتهي الحال بمجموعة تقارير مصيرها أدراج الجهة التنفيذية المختصة.

أقام مجلس حماية المستهلك احتفاليته بذكرى "اليوم العالمي لحقوق المستهلك" يوم ١٥ مارس بأحد أكبر فنادق القاهرة، وبمشاركة صفوة المجتمع المهتمين بشأن حماية المستهلك -أو من يدّعون ذلك- تحت عنوان "ليك حق"، وكم من المضحكات المبكيات فحينما تلقي نظرة على الموقع الإلكتروني لجهاز حماية المستهلك وتبذل بعض المجهود في البحث عن التقارير التي أصدرها الجهاز، وبالتركيز فيما يتعلق بإحصائيات الشكاوي الموجودة لدي الجهاز، يمكنك الوصول لعدد الشكاوي المقدمة للجهاز، ولكن لا يمكنك معرفة الشركات، أو السلع المقدم ضدها هذه الشكاوي وتحديدا بعد البت فيها.

إن هذا النوع من المعلومات المنقوصة لا يلبي حق الفرد في الوصول للمعلومات، وعليه فإنه كان من المفترض أن يتم الإفصاح عن الشكاوي التي تم البت فيها للجمهور، ضِف إلى ذلك أن التقرير الخاص بمؤشر ثقة المستهلك، لا يوجد له مكان على موقع الجهاز الإلكتروني، بينما تجد هذا التقرير في الموقع الإلكتروني لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار علي الرغم من كون هذا المؤشر يصدر بشكل دوري، والأولى بنشر هذا التقرير الخاص بحماية المستهلك هو "جهاز حماية المستهلك".


أقول هذا بعد أن كنت أنتظر أن يكون شعار اليوم "حقك تعرف" ويقوم الجهاز قبل أي شيء بالإفصاح عما لديه من معلومات لجمهور المستهلكين قبل أن نطالبه بتطوير أدائه على أي نحو، إذا أردتم يا سادة جهاز حقيقي لدعم حقوق المستهلك، فليس عليكم سوى خلق بيئة تشريعية تمكننا من خلق جهاز شفاف يمتلك كافة الصلاحيات، وعلى دراية كافية بالدور الذي يجب أن يضطلع به معلوماتياً قبل أن يكون رقيبًا

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).