تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الوجوه الثلاثة لشركة الحديد والصلب المصرية

محمد جاد
12 دقيقة قراءة
الوجوه الثلاثة لشركة الحديد والصلب المصرية

ترددتُ كثيرًا وأنا أكتب عن قضية تصفية شركة الحديد والصلب في حلوان. قيل الكثير في السجال الدائر حول اقتصاديات الشركة، وكيف تم إهمال الاستثمار فيها، وإمكانية إحيائها من عدمه. ولكن، رغبتي في الكتابة عن قرار التصفية كانت مدفوعة بالانشغال بالدلالات التي يحملها القرار عن طبيعة النموذج الاقتصادي الذي نعيشه اليوم، والذي أرى أنه سببًا في معاناة الكثيرين.

ولكي أرتب أفكاري على نحو غير مربك للقارئ، رأيتُ أن ألخص قرائتي للشركة من خلال عرض ثلاثة ملامح من تاريخها، تمثل كل مرحلة تطورًا مهمًا في الشركة وفي تاريخنا الاقتصادي الحديث، لكي أصل في النهاية لصورة أقرب لطبيعة النموذج الاقتصادي الذي أنُشئت الشركة من أجل خدمته، والذي نشعر اليوم أننا نفقده بفقدانها.

الوجه الأول: ضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد

سأتحدث في هذا القسم عن مفهوم «الرأسمالية الوطنية» وعلاقته بنشأة شركة الحديد والصلب سنة 1954. ولكن، نحتاج للعودة قليلًا إلى الوراء لكي نتتبع أصل هذا الموضوع.

لماذا كانت هناك رغبة لدى أجيال العشرينات في تمصير الاقتصاد؟ ولماذا رأوا أن الرأسمالية  يجب أن تكون «وطنية»؟ ربما نجد أفضل إجابة على ذلك في الخطاب الذي ألقاه طلعت حرب خلال افتتاح بنك مصر سنة 1920.

أتى الدافع الرئيسي وراء الرغبة في التمصير من الحاجة للحفاظ على فوائض الاقتصاد داخل البلاد، بهدف إعادة استثمارها في التنمية. ولكي يوضح حرب كيف كانت المؤسسات المالية الأجنبية تستنزف الاقتصاد المصري في هذا الوقت عرض في خطابه تقديرات بأن ودائع المصريين في بنكين كبيرين، وهما الأهلي (كان مملوكًا لأجانب وقتها) والأنجلو، كانت تقدر بحوالي 18 مليون جنيه، وهو مبلغ ضخم في هذه الفترة، والأمر الصادم أن معظم هذا المبلغ كان يُستثمر في مجالات على غرار استثمار أوراق مالية في الخارج، على يد البنوك الأجنبية.

حتى المدخرات المصرية التي تدور خارج دوائر البنوك الأجنبية، كانت إما يُحتفظ بها بعيدًا عن الاستثمار أو تُوجه للاستثمار في الأراضي، لذا قال حرب: «دخل في يد كثير من  المصريين أموالًا عديدة (..) استعملوا معظمها في نوع الاستثمار الذي ألفوه وهو شراء الطين».

من هنا نشأت الحاجة إلى وجود مؤسسة مالية مصرية لتحقيق هدفين، وهما: الحفاظ على فوائضنا في السوق المحلي بدلًا من البورصات الدولية، وإعادة استثمارها في مجالات أكثر إفادة للتنمية، أي الصناعة بدلًا من المضاربة على الأراضي.

في نهاية العشرينيات، كان حرب قد أسس العديد من الشركات الصناعية البارزة، ولكنه كان يشكو من أن هناك انتقادات توجه إليه لأنه لم يقم بالجهد الكافي لإحياء الصناعة في مصر.

 في هذا السياق، قدم حرب لوزير المالية المصري دراسة تقترح إنشاء بنك متخصص في تمويل الصناعة، واللافت في هذه الدراسة هو أنها تقترح بشكل صريح تدخل الدولة في تمويل الصناعة.

قالت الدراسة «ما ذنب بنك مصر وحاجات البلاد إلى الأعمال المالية والتجارية والصناعية كثيرة لا تعد ولا تحصى، وقدرة المصريين على تخصيص رؤوس الأموال اللازمة لهذه الأعمال قدرة محدودة؟»، ثم وضعت عددًا من المقترحات لحل هذه المعضلة، من ضمنها «أن تشترك الدولة في رؤوس أموال الأعمال الصناعية الواجب إنشائها»، وأن يكون ذلك من خلال الاشتراك في تأسيس البنك الصناعي المصري.

تأسس البنك فعلًا سنة 1948 بمساهمة من الحكومة، وكان من أهم أعماله تمويل شركة الحديد والصلب. وبنظرة سريعة على تقرير للبنك سنة 1957 ندرك أهمية هذا المشروع في تلك الحقبة.

في هذه السنة كان البنك مساهمًا في رؤوس أموال شركات في صناعات عدة، ولكن المساهمة الأكبر كانت في «الحديد والصلب»، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى أن رأس مال الشركة هو الأضخم بين الشركات الأخرى، بلغ 11.3 مليون جنيه في الوقت الذي كان فيه العديد من الشركات برأسمال يقل عن المليون. 

كان للبنك الصناعي وللحكومة مساهمة ضخمة في رأسمال الحديد والصلب، بنحو 5.2 مليون جنيه، لكن اللافت هو إقبال الأفراد (أي مواطنين وليس مؤسسات) على المساهمة برأس مال مكافئ تقريبًا، 5.1 مليون جنيه1.

كما يتضح مما سبق، فقد كانت «الحديد والصلب» ضرورة للتطور الرأسمالي في مصر، لكي ننتقل من الاستثمار في الطين إلى عالم الماكينات، وفي الوقت نفسه أصبح المشروع جزءًا أصيلًا من حلم التحرر من الاقتصاد الاستعماري، الذي كان يقوم على تصدير القطن الخام واستيراد المنتجات الحديثة من الخارج، وهو ما خلق حالة من التضامن الشعبي معه.

الوجه الثاني: سيطرة مجتمع العمل

بحلول سنة 1958؛ سنة افتتاح «الحديد والصلب»، كان العديد من التطورات المحلية والدولية قد جرت وغيّرت من شكل الاقتصاد في مصر بشكل عميق.

شهدت الخمسينيات نشأة توجه «عدم الانحياز»، والمقصود به أخذ موقف وسطي يرفض التبعية للغرب الرأسمالي أو الدخول ضمن الكتلة الشيوعية، وأقبل الاتحاد السوفيتي بدوره على إغداق المساعدات على الدول المُتبعة لهذا التوجه، في محاولة لوراثة نفوذ المستعمرين القدامى، ومنافسة القوة الأمريكية الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية.

نشأ مشروع «الحديد والصلب» قبل بزوغ هذا التيار، وذلك بالتعاون مع شركة تنتمي لألمانيا الغربية، ديماج.

 ومع نشوب أزمة تمويل السد العالي، طرح السوفيت فورًا أنفسهم كبديل تمويلي، في واحدة من أهم صفقات عدم الانحياز. وكان اتفاق السد مع الروس بداية لتمويل العديد من التوسعات الصناعية في مصر، ومن أبرزها تمويل توسعات «الحديد والصلب».

كان الروس يركزون في هذه الفترة على توفير قروض سخية بفائدة منخفضة لتمويل الأنشطة الإنتاجية، بجانب تعاونهم في توفير التكنولوجيا، كما أنهم كانوا متساهلين في شروط السداد.

بفضل الحرب الباردة بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية، استطاعت مصر أن تحظى بدعم قوي من الاتحاد السوفيتي لتطوير قدرات «الحديد والصلب»، ولم تستفد مصر وحدها في هذا المجال، فخلال الخمسينيات بدأ الروس أيضًا في تمويل مجمع لصناعة الصلب بالهند (بيالي)، وهو كيان ضخم، لا زال من ركائز هذه الصناعة حتى الآن، أي أننا نتحدث عن حقبة وفرت فرصة ذهبية للبلدان النامية لتمويل بنيتها الأساسية للتحول الصناعي.

 سارت «الحديد والصلب» على مسار تعميق الاستقلال الاقتصادي. ولكن، توسعات الشركة في إطار المشروع الناصري جعلت منها أيضًا عنصرًا فاعلًا في تأسيس النموذج الاشتراكي.

بالطبع هناك انتقادات لتسمية النموذج الناصري بالاشتراكية، على اعتبار أن محاولة التطبيق في مصر تلوثت بالكثير من دنس السياسة، ولكن ما يعنيني هنا هو قراءة تاريخ هذه الحقبة كنموذج بديل عن الواقع الرأسمالي الراهن في مصر.

 لم تكن تأميمات 1961 مجرد عملية استحواذ من الدولة على الشركات الكبيرة، ولكنها كانت إشارة للقطاع الخاص بالرغبة في استئثار الدولة بنشاط الإنتاج كبير الحجم.

نظريًا، كانت التأميمات عملية شراء جبري للكيانات الكبرى، ولكن عمليًا كانت الرغبة من وراء التأميمات هي الحد من مجتمع الملكية والتأسيس لاقتصاد مجتمع العمل. 

قادت الدولة خلال الستينيات خطة تصنيع مكثفة، أدارت خلالها الكيانات المؤممة، وأضافت إليها توسعات صناعية كبيرة كان من أبرزها توسعات «الحديد والصلب»، وكانت الشركات الصناعية مدفوعة بهدف إشباع احتياجات المواطنين أكثر من الرغبة في الربح.

وذلك في الوقت نفسه الذي كانت فيه الدولة تحد من الملكية الزراعية وأسعار الإيجارات العقارية وتسيطر على نشاط التجارة وتفرض أسعار بيع جبرية، أي أنها تقطع كل الطرق المؤدية لخلق الدخول من مجالات غير العمل بأجر.

ومن المؤشرات التي تعبر عن تحولات تلك الفترة، ما رصده إبراهيم العيسوي عن تطور نصيب الأجور من الناتج الصناعي، والذي زاد من 41.8% إلى 48.3% في الفترة بين 1952 حتى النصف الأول من السبعينيات، وذلك في مقابل انخفاض عوائد الملكية، مع الالتفات إلى أن عوائد الملكية الصناعية في تلك الفترة لم تكن موجهة لصالح نخب ثرية بالنظر إلى أن الصناعة كانت بشكل أساسي مملوكة للدولة.

 في اقتصاد مجتمع العمل، كان العاملون بأجر يشعرون أنهم يمتلكون مصانع القطاع العام، ويساهمون من خلاله في سد احتياجات المجتمع، وتضخم إحساسهم بذاتهم «كطبقة» مع تطور مجتمعات صناعية كبيرة مثل مجتمع حلوان، الذي كان يُشغل نحو 50 ألف عامل في منتصف الستينيات.

من أرشيف الأهرام في الستينيات

في هذا السياق، تحولت صناعات الحقبة الناصرية إلى جزء من الثقافة المصرية، فقد ارتبط كل توسع صناعي بالإحساس بالاستقلال وتحدي الهيمنة الغربية، وكذلك بأن المصانع قامت لخدمة الطبقة العاملة وليس استغلالهم، لذا ليس غريبًا أن نجد قصة «الحديد والصلب» موجودة في الأغاني وحتى في كتب الأطفال.

أغنية عيون سهرانة - شركة الحديد والصلب
حكاية «الحديد والصلب» - كتاب مصور للأطفال نُشر خلال الحقبة الناصرية

 الوجه الثالث: ما تبقى من دولة الرفاه

لا أريد أن أضفي صورة رومانتيكية عن الستينيات، ولكن مساحة المقال لا تتسع لتناول سلبيات النموذج الناصري، سواء على مستوى الفساد في القطاع العام وتعارض أهداف إحلال الواردات مع التشغيل الكثيف، وعدم التركيز على سد الحاجة من سلع بسيطة مقابل الانجذاب للتوسع في إنتاج السلع المعمرة الحديثة، أو عن عن مشكلات المالية العامة وتغلغل السوق السوداء في المعاملات، والاضطرار لفرض ضرائب استهلاك رجعية وغيرها. 

ولكن، من باب الإيجاز سنقفز إلى الوجه الثالث المميز لتاريخ «الحديد والصلب»، وهو تحولها لواحدة من أهم المواقع التي دافعت فيها الطبقة العاملة عن مكتسبات الستينيات.

بحسب البيانات الرسمية، زادت أعداد المشتغلين في الصناعة بما يقرب من الضعف في الفترة بين نهاية الأربعينيات إلى السبعينيات، من 367.2 ألف في 1947 إلى 607.8 ألف في 1970، وهي الفترة التي كانت فيها «الحديد والصلب» تتطور إنتاجيًا. 

ويرى البعض أن السياسات الناصرية الداعمة للصناعة ساهمت في خلق طبقة عمالية جديدة لعبت دورًا في مقاومة عملية التحول من نموذج الستينيات إلى الاقتصاد الحر.

ويتحدث حسين عبدالرازق في تحليله لانتفاضة يناير 1977، التي عارضت سياسات التقشف آنذاك، عن دور مجتمع حلون العمالي، قائلًا «كانت البداية من حلوان بين عمال القطاع العام، قوة الخلق الجديدة التي ولدت مع ثورة يوليو الناصرية، وقرارات التحول الاجتماعي عام 1961، وطرح الاشتراكية كهدف للمجتمع المصري»2.

وشهدت شركة الحديد والصلب على وجه الخصوص اعتصامًا شهيرًا في 1989، كان واحدًا من المحطات المهمة في تاريخ احتجاجات الحركة العمالية، وتعاملت الدولة معه بعنف أمني واضح أسفر عن مقتل عامل.

ساهمت أصوات العمال في كبح عملية التحول إلى اقتصاد السوق خلال الثمانينيات والتسعينيات، لكن لم تمنع تحققه.

 أحد أهم ملامح إحياء مجتمع الملكية هو بطبيعة الحال خصخصة القطاع العام، أو بمعنى أوضح إنهاء الدور الاقتصادي للكيانات العامة التي تعمل بالخسارة وتستهدف بالأساس سد حاجة المواطنين، وفتح المجال للإنتاج الخاص في مقابل الربح. 

لم تصل عاصفة الخصخصة إلى «الحديد والصلب» على الأرجح بسبب صعوبة السيطرة على احتجاجات العمال فيها، لكن الشركة كانت تموت بالتدريج بسبب نقص الاستثمارات.

وأمام جمود شركة حلوان، كان القطاع الخاص يسيطر تدريجيًا على نشاط الحديد والصلب، ربما من أكثر القصص الدرامية شهرة في هذا المجال قصة استحواذ أحمد عز تدريجيًا على شركة الدخيلة الحكومية، والتي كانت بداية لهيمنته على سوق الحديد.

 وتُظهر دراسة سابقة أن نصيب الأجور من الناتج المحلي الإجمالي في مصر كان يتدهور بصورة أسرع من البلدان المناظرة، ليصل في 2009 إلى 25%. وفي الوقت الذي كانت تبزغ فيه أسماء الأثرياء الجدد في عالم الصناعة، كانت الشكوى من تقادم الماكينات سمة متكررة في اجتماعات «الحديد والصلب»، وفي واحدة من آخر تقاريرها المنشورة، تقول شركة «الحديد والصلب» إنها لا تزال تعمل بتكنولوجيا تمزج بين التقنيات الألمانية المنتمية لبدايات القرن العشرين، والتقنيات الروسية التي تعود إلى الخمسينيات.

التخلف التقني مع تقادم وتآكل المعدات، كان يتسبب في العمل بطاقة إنتاجية منخفضة للغاية وفي إهدار الطاقة، ومن اللافت أن الدراسات المعدة عن الشركة تتحدث عن مشكلة التقادم منذ الثمانينيات، وهو العِقد الذي يبدو أنه كان بداية مسلسل التدهور في الشركة.

وما زاد من الضغوط على «الحديد والصلب» تعرضها لمشكلات زيادة أسعار المياه والغاز والكهرباء في السنوات الأخيرة، وعدم قدرتها على الحصول على الفحم الكافي أو الاضطرار لاستيراده من الخارج. وهي العوامل التي جعلت استمرار عمل الشركة تمثل نزيفًا مستمرًا من الخسائر.

 معنى التصفية

إذا نظرنا للوجوه الثلاثة للحديد والصلب، التي تُمثل ملامح كيان ضخم ساهم آباؤنا في تأسيسه سنشعر بحجم الخسارة لفقدانها.

لا أقلل من قيمة أي توسع صناعي يجري حاليًا، سواء على مستوى القطاع العام أو الخاص، لدينا أمثلة أخيرة مثل توسعات الدلتا للصلب وتأسيس شركة لتوطين صناعة السكك الحديدية.

 لكن، إذا نظرنا لبيانات عجزنا التجاري سنجد أن المحصلة عجزًا بقيمة غير هينة، تمثل أحد عوامل الضغط المزمن على سعر الصرف في البلاد.

هذا هو ما يُشعرنا أننا تلقينا الكثير من الهزائم في معركة التصنيع. خاصة وأن هذا العجز يعزى بشكل أساسي لوارداتنا من السلع الاستهلاكية والاستثمارية والوسيطة، أكثر من 70% من الواردات. وفي مجال الحديد والصلب تحديدًا لدينا عجز تجاري بـ 2.4 مليار دولار. هذه التبعية نستشعر آثارها في قيمة عملتنا المحلية أمام العملات الدولية.

وحتى إذا عوض فقدان «الحديد والصلب» طاقات إنتاجية جديدة من القطاع الخاص، فإن نمونا الاقتصادي لا يوفر فرص عمل كريمة في كثير من الأحوال. لهذا نفتقد روح «مجتمع العمل».

فخلال العقود الأخيرة، تضخمت علاقات العمل غير الرسمية، ناهيك عن الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون بشكل رسمي، وتهالك منظومة الحماية الاجتماعية وبطء إصلاحها، هذا ما يفسر لنا لماذا يتشبث العاملون بالقطاع العام.

وعلينا أن لا ننسى أيضًا ونحن نقيم تجربة «الحديد والصلب»، أنها حتى آخر لحظة كانت تحقق الهدف المرجو منها، ليس خلق الأرباح للنخب الثرية، ولكن تحقيق الكفاية للسوق المحلي.

 بهذا المعنى، لا يستطيع أحد أن ينكر أن الشركة كانت تحقق الهدف الذي أنُشئت من أجله وهي تسجل مبيعات بنحو مليار جنيه، معظمها موجه للسوق المحلي، ويتحدث خبراء عن أنها كانت تسد فجوة الطلب في منتجات لا يوفرها القطاع الخاص في الوقت الراهن، وأنها الوحيدة القادرة على استغلال الحديد في المناجم بدلًا من تصديره بصورته الخام وبقيمة بخسة.

وليس ذنب العمالة أن الدولة قررت أن تبخل على الشركة بالاستثمار في أصولها الإنتاجية، فبسبب تردي أوضاع الشركة تبدو قيمة الأجور ضخمة للغاية (بلغت نحو 827 مليون جنيه في 2020، أي نحو 90% من المبيعات الصافية) وليس بسبب كسل العمال أو قلة مهاراتهم.

 كان من الطبيعي أن تضمر شركة مثل «الحديد والصلب» في سياق تعلو فيه أصوات أصحاب الملكية، ويتم تسليع وتحرير أسعار كل شيء من أجل فتح سبل الربح أمامهم.

 سيكون مكسبًا كبيرًا إذا أوقفت الدولة إجراءات التصفية وقررت ضخ الاستثمارات من جديد في الشركة، على الأقل للحفاظ على فرص العمل القائمة فيها، لكن من المهم ألا ننسى أن قصة «الحديد والصلب» هي فصل واحد في دراما عملية تحول اقتصادي كبير.

كذلك، من المهم ألا نتصور أن إحياء الماضي ممكنًا بنفس النموذج الموروث، لقد تجاوز العالم اقتصاد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهار الاتحاد السوفيتي منذ زمن طويل. وحتى إذا أحيينا الماضي بكل تفاصيله لن نجد أنفسنا في عالم وردي، فقد واجهت الأجيال السابقة مشكلات عدة مع هذا النموذج.

باختصار، حتى وإن أنتجت تجربة الآباء السابقين الكثير من الشعارات، وعجزت عن تحقيق العديد من أهدافها، فإن أكبر قيمة ورثناها عنهم هي الحلم بتأسيس اقتصاد مستقل في خدمة العاملين بأجر، والسعي وراؤه بطرق عدة نجحت بعضها وتعثرت أخرى وتم التعمد لإفساد العديد منها. وهو المشروع الذي نحتاج لنقاش واسع ومستمر حول سبل تحقيقه بمعايير عصرنا الراهن.

1- البيانات بحسب تقرير للبنك الصناعي بتاريخ 1957 تحت عنوان «البنك الصناعي والشركات التي اشترك في تأسيسها».

2- حسين عبدالرازق، مصر في 18 و19 يناير، دراسة سياسية وثائقية، 1984.

عن الكاتب

محمد جاد

محمد جاد صحفي متخصص في الاقتصاد، يعمل بصحيفة الشروق وشارك بكتابة مقالات في مجلتي بدايات وعدالة حرية (التي تصدر عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية).  

آراء أخرى

رأي
محمد جاد

اقتصاديون ضد الرئيس

«كيف بدت أصواتهم المعارضة غريبة في زمنها وصادقة جدًا على مر الزمان»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).