تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

(الهؤلاء) الحاضرون بكل زمان

أحمد عبد المنعم رمضان
5 دقيقة قراءة

" - فى رأيك إذن أن الكذب هو أصل البلاء؟؟

- ليس وحده؛ لكنه بكل أنواعه وتدرجاته أصل البلاء.. أنظر لما يكتب فى الجرائد والمجلات وقد صارت نسخا متماثلة؛ أستمع لما يذاع بالراديو والتليفزيون؛ الفجاجة والرياء واستغفال الناس.. كل الحياة صارت كذبا ونفاقا.. أنظر عندما يتخذ الديجم قرارا، ستجد اﻷقلام تتبارى فى تأييده، فإذا تراجع عن هذا القرار فإن نفس هذه اﻷقلام لا تخجل من تبرير هذا التراجع.. إن الصحفيين فى ديار (أيبوط) ليسوا إلا مبررين.. أنظر عندما ينوى الديجم إصدار بيان؛ تظل الجرائد تبشر بهذا البيان: (الديجم يذيع بيانا على الناس بعد خمسة أيام- العالم كله ينتظر بيان الديجم بعد أربعة أيام- العالم يترقب بيان الديجم بعد يومين- غدا البيان التاريخى- اليوم يذيع الديجم بيانه على كافة الموجات القصيرة والمتوسطة- نص البيان الخطير- أصداء واسعة للبيان التاريخى – استمرار اﻷصداء الواسعة لليوم الثانى).

التقط أنفاسه ثم سألنى:

- قل لى ماذا تسمى هذا؟؟ لقد تعمدت الاستماع إلى إذاعات الدول اﻷجنبية عقب أحد هذه البيانات الخطيرة مباشرة؛ فلم أجد إحداها تشير إلى هذا البيان !! أنظر اﻵن؛ ألسنا كالمراهق المحروم الذى يستمنى على روحه فيضاجع أحلى البنات فى خياله بالوهم؟!!".

ليست الفقرة السابقة جزءًا من مقال لبلال فضل أو (ستاتس) متداولة على مواقع التواصل الاجتماعى، ليست موجهة تحديدا لحالنا الآن، ليس مقصود بها منظومة الإعلام الراهنة بالذات فى دولتنا المعسكرة، وإنما تلك الفقرة جزء من خيال الكاتب المصرى الكبير مجيد طوبيا في روايته (الهؤلاء)، التى كتبها منذ ما يزيد على الأربعين عاما، معبرا فى تلك الفقرة عن رؤيته للإعلام فى دولته المتخيلة، والتى أسماها (أبيوط)، على وزن مدينة مولده، مدينة أسيوط.

قرأت الرواية فى نسخة قديمة متهالكة، ذات أوراق صفراء وطباعة رديئة، على الغلاف رسمة لساعة عملاقة بقطرات دم تتساقط على أطرافها، ومن تحتها أسوار سجن عالية، وأيادٍ تمتد متعلقة بها، وبجوار الرسم اسم دار النشر (مكتبة غريب)، وفى الخلف كُتب (الثمن 100 قرش)، ورقم إيداع ينتهى بالعام 83. ولكن بنهاية الكتاب معلومة تذكر أن الطبعة الأولى لـ(الهؤلاء) صدرت في العام 1976 ونفدت، وإن كانت مواقع الإنترنت تدعى أنها صدرت لأول مرة فى 1973.  

ذكرنى اسم الرواية عند مرورى الأول بها بالشخصية التى أداها الممثل الأمريكى ميل جيبسون في فيلم (نظرية المؤامرة)، المنتج بتسعينيات القرن الماضى، شخصية الشاب المشوش ذهنيا، الشكاك المضطرب، المتأثر برواية سالينجر الوحيدة (الحارس بحقل الشوفان)، المتوجس من البشر، والخائف من تجمعاتهم. كان بطل الفيلم يطلق على من يطاردونه (هم) (they)، وعندما سألته معشوقته- التى أدت دورها جوليا روبرتس- عمن يقصدهم بـ(هم)، أجابها بأن لهم سمات معينة، ونظرات محددة، وطريقة فى المصافحة، لا بد أن لهم طريقة مميزة فى المصافحة، (هم) موجودون بكل مكان وملامحهم واضحة صادحة حتى وإن لم نعلم المؤسسة أو الجهاز الذى يحركهم.

ولولا استبعادى لأن يكون مؤلف الفيلم الأمريكى قد قرأ رواية مجيد طوبيا، لظننت أنه قد اقتبس ذلك المعنى منها، فـ(الهؤلاء) عند مجيد طوبيا هم المخبرون والعملاء والأمنجية والمندسون، قد لا تتحقق من ماهيتهم بالضبط فهم منتشرون بكل مكان، بالمقاهى والقطارات والمصالح الحكومية والمتروهات، ولهم سمات معينة، فهم يرتدون الساعات ويحملون الأقلام، وفى الحقيقة أن هذه الساعات وتلك الأقلام ليست إلا أجهزة تسجيل وتجسس. ولكن ما لاحظه الراوى بقصتنا أن بالرغم من وجود الهؤلاء فى كل مكان، إلا أنهم أكثر ظهورا وأبرز وجودا بين المثقفين والكُتاب والصحفيين.

تستدعى الرواية االقصيرة التى تقع أحداثها فى حوالى 120 صفحة من القطع الصغير، تستدعى إلى ذهنك بالضرورة رواية كافكا الأشهر (المحاكمة)، ورغم أن الأخيرة أكثر فلسفة وأوسع مقصدا وأكثر إنهاكا للعقل– بالمفهوم الإيجابى للكلمة، إلا أن تشابها كبيرا يقع بين ما يتعرض له بطلا الروايتين، حيث يتم اقتيادهما فى محاكمة لا يعرفان لها سببا، وبدون قضية معروفة ولا ملابسات واضحة، لا للبطل ذاته ولا لنا نحن، ومطلوب منهما إثبات براءتهما من التهمة التى لا يعرفانها.  

يتميز مجيد طوبيا فى روايته تلك بأسلوب مميز، بمزج متقن بين الواقع والخيال، وخصوصا بنصف الرواية الأول الذى يطرح فيه أفكارا مميزة وخيالات مذهلة، أما نصفها الأخير فيتراجع فيه الخيال نسبيا أمام سطوة فكرته المغلفة، وأمام إشارات إلى بعض محطات التاريخ الذى يحبه ويهتم به بشكل خاص، وهو ما تأكدت منه عندما شاهدت الكاتب الكبير فى حوار أجراه مع تليفزيون الإمارات فى التسعينيات، حيث أُجرى اللقاء فى بيته المتواضع واستعرض فيه بعضا من محتويات مكتبته التى ضمت فى جنباتها العديد من الكتب التاريخية، عن المماليك والسودان وحوض النيل وملوك عائلة محمد على وغيرهم.

كان مجيد طوبيا يفتخر بعلاقة التلمذة التى جمعته بتوفيق الحكيم، حيث كان من رواد مكتبه ومجالسه، يقول أنه طالما استعار من أستاذه الكتب دون أن يعيدها، ظل محتفظا ببعضها فى مكتبته، ومثله مثل أستاذه فقد اتجه فى فترة من فترات حياته إلى السينما، وكان أبرز ما كتبه لها هو فيلم (أبناء الصمت). يصف طوبيا الحكيم بأنه كالمحيط، يقول أنه ما زال يحتفظ فى مكتبته بنسخة من إحدى روايات نجيب محفوظ التى أهداها الأخير إلى الحكيم وكتب فى إهدائه (من الجدول إلى المحيط)، يحكى مجيد القصة ثم يؤكد أن محفوظ لم يكن مبالغا، فبالفعل كان الحكيم محيطا.

اختفى مجيد طوبيا منذ سنين طويلة، كانت آخر إصداراته مسرحية بعنوان (بنك الضحك الدولى) عام 2001، ومنذ ذلك الحين توارى عن الأنظار، لم يعد له حضور بالمجالس الأدبية التى عبر عن مقته لها متهما إياها بأنها صارت متفرغة للقضايا عديمة القيمة والفائدة أو القضايا المكررة التى سبق وأن ناقشها المثقفون الأوائل. ظل متواريا إلى أن فاز بجائزة الدولة التقديرية لعام 2014 بشكل بدا مفاجئا للبعض رغم قيمة وقامة الكاتب الكبير، وساهمت الجائزة فى إعادة إحياء رواياته المنسية فى زمننا المتخم بالروايات.

يقولون أنه يعيش الآن وحيدا مع كتبه، وذكرياته، وشيخوخته وأفكاره المتداخلة، مع الله ومع الشجرة التى تطل عليها نافذته حتى أتخذ منها صديقة يناجيها ويحادثها، إضافة إلى بعض الزوار الموسميين، لم يعد بلياقته الذهنية السابقة، يسرح ويتأمل ويعبر عما يجيش بصدره دون ضوابط، ولكنه ما زال يذكر حتى الآن الهؤلاء وبنى حتحوت وبلدة أبيوط وحاكمها الديجم العظيم.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
محمد ربيع

نجيب محفوظ.. الذي ظلمناه جميعًا

«الدولة المصرية لم تكن الوحيدة التي ظلمت محفوظ، لقد ظلمناه جميعًا؛ حين اتهمناه بالكفر، وحين حسدنا «فرج» على ما فعل، وحين ادعينا أن محفوظ «أرَّخ» لمصر»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).