النسوية الليبرالية مقابل النسوية الراديكالية: التناقض الأساسي (4)
بدأت أتابع المشهد النسوي في مصر منذ عام 2010، لا سيما المشهد الذي اتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للاحتجاج، من خلال التشابك مع الحالات الفردية من العنف الجنسي، على تكرارها، ومتخذًا منها كذلك كمنتدى نسوي للتعبير والتنظير. لقد تعلمت الكثير منه ووجدته غنيًا بالحزن والألم كما كان غني بالإثارة، والرغبة في الفهم، والأهم من ذلك، الإرادة الساعية للقوة. كان مليئًا بالصراع بين الأجيال من النسويات الأكبر سنًا، وكذلك ساحة للتفاعل مع الوضع الأبوي الراهن سواء تم التعبير عنه ببلاغة من قبل اليسار الذي يُهمين عليه الرجال، أو نسخته المحافظة في الدوائر المحافظة اجتماعيًا والتي تهيمن عليها جماعة الإخوان المسلمين. لقد حمل هذا المشهد احتجاجه إلى كلاهما وإلى الدولة وقوانينها كذلك.
تدريجيًا، شاهدت ظهور جيل شاب من النسويات اللاتي، كن مخضرمات في تحليلهن، ومتحدات في موقفهن، وشجاعات في الكشف عن ذواتهن، ومصممات على تغيير الوضع الراهن. كنا يفضن حبًا وتضامنًا، والكثير من الضحك والفرح.
بدت لي النسوية التي شهدتها وكأنها منخرطة في الانقلاب على الثورة الثقافية لـ «الصحوة الإسلامية» التي قامت على مدى عقود بتثقيف النساء ليتحمّلن المسؤولية الكاملة عما يحدث لأجسادهن. كان من المتوقع من النساء، وفقًا للرؤية الدينية المهيمنة، التحكم في وإدارة رغباتهن ورغبات الرجال، من خلال لباسهن وسلوكهن العام. أرادت ردة الفعل النسوية الصاعدة قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب: يجب أن تكون النساء أحرار فيما يفعلن بأجسادهن، وأن يرتدين ما يشئن من الملابس؛ ويصبح الرجال هم المسؤولون عن إدارة ردود أفعالهم ورغبتهم الجنسية. يبدو أن هذا المطلب كان مبنيًا على استراتيجية استعادة المساحات التي استولت عليها الصحوة الإسلامية، خاصة وأن التكلفة الاجتماعية أصبحت عالية جدًا. أصبح التحرش في الشوارع هو أكثر تجليات ذلك وضوحًا، وغالبًا ما يتخذ أشكالًا وحشية لا هوادة فيها تجعل حياة النساء في الأماكن العامة محض الجحيم. كان تركيز هذه الحركة النسوية الجديدة على العنف الجنسي سواء في شكل تحرش جنسي، في الشارع أو في مكان العمل، أو الاغتصاب بما في ذلك الاغتصاب الجماعي. في سعيها لتحقيق الأمان للمرأة، جمعت هذه الحركة النسوية الجديدة مفهومًا صارمًا عن «التراضي» الذي تماثل مع المواقف الليبرالية في اللباس والمتعة.
تبدو استراتيجية شائكة. فهي تجمع بين نهجين مألوفين كانا قد توغلا في النسوية الغربية تاريخيًا: نهج «التحرر الجنسي» ونهج «النسوية الراديكالية». هذان النهجان انبثقا من قلب الموجة الثانية من الحركة النسوية الأمريكية، المعروفة بالنسوية الليبرالية. سلط النهج الأول الضوء على أهلية ورغبات النساء ورأى أن هدفه هو تحريرهما من قبضة مجتمع الخمسينيات المحافظ. بينما طور الثاني، أي نهج النسوية الراديكالية، موقفًا نقديًا من أفكار مثل «أهلية ورغبات» النساء، مستخدمًا انتقادات راديكالية لهذه المفاهيم من منظور يساري ماركسي.
فمثلما شدد اليسار الراديكالي اقتصاديًا على أن «الأهلية والاختيار» دائمًا ما يكونا مقيدان من قِبَل النظام (المقصود هنا النظام الرأسمالي)، شددت النسوية الراديكالية أيضًا على أن «الأهلية والاستمتاع» مقيدان من قِبَل النظام الأبوي، الذي يحدد البدائل المتاحة أمام خيارات النساء من ناحية، ويعرف الرغبة والاستمتاع من منظور ذكوري من ناحية أخرى. بالنسبة للنسوية الراديكالية، إسقاط الأبوية كنظام هو الطريق الوحيد الذي سيجعل أهلية النساء ذات معنى وسيعرف النساء على الاستمتاع من منظورهن وبشروطهن.
وعند تطوريهما لمواقفهما من قضايا محددة، حسب هذان النهجان النسويان «التكلفة» التي تدفعها النساء بأشكال مختلفة. شددت النسوية الليبرالية على أهمية «الرضائية» في ما يتعلق بالقضايا الجنسية، وتبنت مقاربة شكلية (متمسكة بالشكليات). أي أن وجود الرضائية في الجنس يعني عدم وجود اغتصاب. رأت هذه المقاربة الشكلية للجنس أن أي تعريف أكثر دقة للرضائية سينتهي به الأمر مشككًا في اختيارات النساء، وبالتالي سيستبدل الدولة وقوانينها بالمحافظة الاجتماعية (أي بقيم المجتمع المحافظة). لقد تعاملوا مع استمتاع النساء كتكلفة لهذه النزعة المدققة ولم يفكروا بتمعن في الثمن الذي ستدفعه النساء. رأت نسوية الموجة الثانية الليبرالية البورنوجرافيا والعمل بالجنس كأعراض للثقافة الأبوية، إلا أنها لم تسعَ لتجريمهما للأسباب المذكورة أعلاه.
وعلى الناحية الأخرى، تبنت النسوية الراديكالية موقفًا نقديًا ومناهضًا للشكلية في ما يتعلق برضائية النساء في الجنس. استطاعت المقاربة المناهضة للشكلية أن ترى الإجبار خلف تعبيرات النساء عن الرضائية، إجبارًا على «إرضاء الرجال» حيثُ إن هذا هو تعريف ماهية المرأة. في بعض اللحظات، يمكن أن توافق النساء على الجنس (خوفًا على حيواتهن، أو خوفًا من الحكم عليهن.. إلخ)، ومع ذلك يُمكن أن تُرى هذه اللحظات كاغتصاب. هنا، موقف النسوية الراديكالية النقدي مستعد للتضحية بالاستمتاع في مقابل الأمان، وهدفه هو إيقاف العنف الجنسي ضد النساء. رأت النسوية الراديكالية «العمل بالجنس» كـ «دعارة» (بما يتماشى مع قيم المجتمع المحافظة) وتعاملت معه ومع الصناعة المرتبطة به، أي البورنوجرافيا، كتعريف للأبوية. رأت النسوية الراديكالية أن تحرر النساء مرهونًا بحظر هذه الممارسات، نظرًا لأدوارها التأسيسية في تعزيز واستدامة الأبوية.
هذان النهجان يتصادمان حتمًا، حيث يدفع الأول باتجاه اتخاذ النساء للمخاطرة، بينما يدفع الأخير باتجاه تجنبها. وحيث يتهم الأول الأخير بممارسة الوصاية على النساء ويتهم الأخير الأول بإلقاء النساء في أفواه الوحوش، وحيثُ يعظم الأول من أهلية النساء بينما يعظم الأخير من أهلية الرجال. كل نظرية تتعامل مع «التكلفة» بطريقة مختلفة - بالنسبة للنهج الأول، يجب التسامح مع حالات معينة من العنف الجنسي حتى يتسنى للنساء أن يكن فاعلات جنسيات حُرات، مع تصوير أن التنظيم (القانوني) سيستبدل المُحافظة الاجتماعية بالدولة. في المقابل، يرى الأخير أنه يجب التضحية ببعض التفاعلات الجنسية بين الأجناس حتى يُردَع العنف الجنسي الذي يمارسه الرجال- على الرجال التفكير مليًا قبيل اتخاذ أية مبادرة جنسية مع النساء.
لم تكن النسوية الغربية قادرة على التوفيق بين هذين النهجين، ولكن ربما ما تفعله النسويات المصريات الشابات يمثل فكرة جيدة، أي وضعهما معًا وجعل توتراتهما الداخلية تتفاعل مع بعضها البعض حتى تنتج عن شيء ما مع مرور الوقت. ولكن كلما سارعت أولئك النسويات في فهم هذا التوتر الكامن وفي محاولة إدارته، كلما كان أفضل.
المخاطرة الوحيدة التي أراها مع هذه الاستراتيجية هي أن ينتهي الأمر بتأمين نساء الطبقة الوسطى مساحات آمنة نسبيًا مع رجال طبقتهن الاجتماعية من خلال تعلية السقف مع هؤلاء الرجال (بمعنى اتخاذ الموقع النسوي الراديكالي من أجل اكتساب مساحات)، بينما يتخذن موقعًا منصاعًا في ما يبتلي النساء الفقيرات: العمل بالجنس. مصطلح «العمل بالجنس» هو مصطلح قادم من موقع امتياز داخل جناح التحرر الجنسي للنسوية الليبرالية، حيث تُعامل الدعارة باعتبارها علاقة عمل «تعاقدية» وحيثُ ظروف «عمل» العاملة بالجنس لا تؤخذ بعين الاعتبار: القوادون والمخدرات وإدمان الكحول ومعدلات العنف الجنسي المرتفعة بشكل استثنائي. قد تنهار استراتيجية التوفيق على أسس طبقية: النسوية الراديكالية لي حيث «نعم تعني نعم»؛ والتحرر الجنسي لها، حيث الوقوف على ناصية الشارع يعني «نعم».
هناك خطر آخر أراه هو رد الفعل العام المعاكس للمطالب النسوية، لا سيما في صفوف المثقفين من خريجي الجامعات، حيث يرى الرجال مطلب أن يتم إغوائهم جنسيًا دون التصرف بناءً على ذلك، كمطلب مستحيل. أشعر بالقلق من أنه بدلًا من كبح الاعتداء الجنسي، ستؤدي هذه الاستراتيجية مع ذلك إلى زيادة الاعتداء الجنسي، إلى جانب زيادة كراهية النساء وسخط الذكور. داخل دوائر اليسار من المثقفين الرجال، فإن رد الفعل المتميز بالجزع من قبل بعضهم، بأن سعي النسويات لإبراز الطريقة التي تُعامل بها النساء داخل الدوائر اليسارية من شأنه أن يسلمهن إلى الدولة الاستبدادية، مما يزيد من مشكلة رد الفعل العنيف. من الواضح أن هذا يطرح أسئلة صعبة على النسويات اللواتي يرغبن في الارتباط بالدوائر اليسارية، حول كيفية إدارة تداعيات النقد النسوي دون المساومة على بقاء اليسار كموقع للمعارضة.
هناك أيضًا خطر أن تتبنى الدولة خيطًا واحدًا فقط في هذا المزيج حيث يبدو أن النسوية الراديكالية تتلاءم بشكل عام مع موقفها الاجتماعي المحافظ. يبدو لي هنا أن على النسويات أن يقيّمن تكلفة مواكبة هذه الاستراتيجية. سترحب الدولة بالاهتمام المتزايد بالتحرش الجنسي والاعتداء الجنسي والاغتصاب، لكنها ستنظر بقسوة شديدة إلى النساء اللواتي يتحدين فكرة أولئك الذين يستحقون هذه الحماية. في الواقع الدولة سعيدة بالتخلي عن جانب التحرري الجنسي، وجعل الأول مشروطًا بغياب الأخير. هناك الكثير يمكن كسبه من خلال المضي في طريق المحافظة الاجتماعية، ولكن هل التكلفة تستحق ذلك؟
مرة أخرى، كلما زاد وعي النسويات الأصغر سنًا بالمخاطر، كان ذلك أفضل للجميع. لا توجد قواعد ذهبية حول كيفية المضي قدمًا. كل هذا يتوقف على السياق المحلي حيث يتعامل النشطاء مع رد الفعل على استراتيجيتهم على أنه دعوة لإعادة النظر، كما يرون مناسبًا في ظل تلك الظروف.
اسمحوا لي أن أسجل قلقًا أخيرًا قبل أن أنهي ملاحظاتي: أخشى أن يؤدي نشاط الفيسبوك، وهو موقع مهم للناشطة النسوية الشابة، وربما الأكثر أهمية، إلى إنشاء غرفة صدى حيث يتم تضخيم كل شكوى واضحة من خلال التعاطف الجماعي، حيث تتدحرج المشاعر مثل كرة الثلج دون أن يحدها عبء الواقع، حيث يتم استبدال العالم الأنثروبولوجي بالعالم الأخلاقي الافتراضي، حيث يتم تبرير كل شعور وكل شكوى، ومشاركتها، ومضاعفتها، وفي النهاية يتم عزلها عن طريق ذلك التأييد الجماعي. ما بدأ كلحظة استراحة قد ينتهي به الأمر إلى عالم بديل، وهذا، ببساطة، لا معنى له.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد