تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الموقف المصري من الحرب في غزة: المكاسب والخسائر المصرية

سارة خورشيد
7 دقيقة قراءة

لا يمكن لأي مصري مهتم بالأمن القومي المصري أن يتجاهل ما يحدث في غزة التي تتشارك حدودها مع مصر وإسرائيل. فمنذ وقوع النكبة الفلسطينية وتأسيس دولة إسرائيل عام 1948، اتفق حكام مصر المتعاقبين على أهمية غزة لمصر وحرصوا على لعب دور أساسي في القطاع الذى خضع لسيطرة مصر إداريا حتى عام 1967.

لكن إبان الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة ـ والتى ازدادت حدة بعد أن شنت إسرائيل "عملية الجرف الصامد" العسكرية في السابع من يوليو 2014 ـ اهتزت صورة مصر ودورها اقليميا ودوليا، واختلفت عما كانت عليه دائما في الأزمات المتشابهة طوال العقود الماضية. فبعد أن كانت مصر هى الوسيط الرئيسى الذي ارتضته جميع الأطراف ووثقت فيه لتهدئة الأوضاع مع أخذ مصلحة القضية الفلسطينية في الإعتبار، نجد أن حماس التى تسيطر على القطاع منذ عام 2007 رفضت مبادرة مصر الأخيرة لوقف إطلاق النار وفوضت قطر وتركيا (دولتان لا تتشاركان في حدود مع غزة) لتمثيلها في اجتماع عقد بباريس بهدف للتوصل لتهدئة، شارك فيه الولايات المتحدة وعدة قوى غربية أخرى لكن غابت عنه مصر وإسرائيل.

يمكن بسهولة ملاحظة تركيز الإعلام المصري المؤيد للنظام الحالي على نقد حماس وتحميلها مسئولية الضحايا المدنيين الذين سقطوا في غزة مؤخرا، من منطلق رفضها للهدنة التى اقترحتها مصر. أما حماس ومؤيدوها، بمختلف اتجهاتهم، فيتهمون النظام المصري الحالي بالتقارب مع إسرائيل وتقديم مصلحتها على مصلحة المقاومة الفلسطينية والقضية الفلسطينية بشكل عام. من طرفه يرد النظام االمصري بأن حماس حليفة لجماعة الإخوان المسلمين التى تصنفها مصر رسميا كجماعة إرهابية وتعتبر نفسها في حرب ضدها منذ يوليو 2013  في إطار ما تطلق عليه حربها على الإرهاب.

للإقتراب من سياقات علاقة مصر بغزة ودورها في الوساطة الإقليمية والدولية فيما يخص غزة مؤخرا، نعرض الملامح الرئيسية لتطور الدور المصري في العامين الأخيرين.

 

غزة بين مرسي والسيسي

عندما توسط الرئيس المعزول محمد مرسي لدى حماس عام 2012 للوصول لهدنة علقت مقاومتها لعملية عامود السحاب الإسرائيلية، انتقده بعض أنصار المقاومة الفلسطينية من منطلق أن حماس كانت قد بدأت في إظهار قوة وتحقيق انتصارات غير متوقعة من حيث قدرتها على الاستمرار فى ضرب الصواريخ في إسرائيل وقتل عدد، ولو قليل، من الجنود الإسرائيليين طوال ثمانية أيام (خمسة مدنيين وجنديان)، مما أحدث قدر من الارتباك في الأوساط الإسرائيلية. كانت حجة الناقدين لمرسي آنذاك هو أن شروط الهدنة التي رعاها لم تسفر عن انهاء الحصار على غزة بشكل نهائي، فأسفرت عن استمرار معاناة الفلسطينيين اقتصاديا وأمنيا على المدى الطويل، رغم أنها أوقفت الكارثة الإنسانية التي نتجت عن العملية العسكرية الإسرائيلية (158 قتيلا فلسطينيا أغلبهم من المدنيين).

كانت وساطة مرسي لدى حماس في  نوفمبر 2012 نقطة تحول جوهرية في علاقة النظام الذى ترأسه بالمجتمع الدولي والقوى الغربية العظمى، وأدت إلى ازدياد قبول تلك القوى لرئيس ينحدر من جماعة إسلامية. شكره الرئيس الأمريكي أوباما وتحدث عن "شراكة وثيقة" بين مصر والولايات المتحدة بعد أن كان قبلها بأسابيع قليلة يصف مصر بأنها لا هي حليف ولا هي عدو.

اليوم نحن أمام عملية إسرائيلية جديدة صار لها عدة أسابيع، أسفرت عن كارثة إنسانية هائلة في غزة ـ أكثر من 1300 فلسطينى حتى تاريخ 31 يوليو بينهم مئات الأطفال. من ناحية أخرى، في سابقة غير متوقعة استطاعت حماس أن تقتل 56 جندي إسرائيلي حتى التاريخ نفسه، حسب المصادر الرسمية الإسرائيلية. على الرغم من الفرق الشاسع بين أعداد القتلى الفلسطينيين والإسرائيليين إلا أنه من اللافت أن إسرائيل استهدفت المدنيين في غزة بالأساس، حيث أن أغلب القتلى الفلسطينيين من المدنيين. أما حماس فلم تقتل إلا سبعة مدنيين إسرائليين فقط، لأنها استفادت من الحملة العسكرية البرية في غزة لإسقاط عشرات الجنود الإسرائيليين.

 

الموقف المصري الحالي:

شهدت الأعوام القليلة الأخيرة من حكم مبارك تحالفا بين مصر والولايات المتحدة والسعودية في إطار ما عرف بتحالف الإعتدال، الذي يُعلى من قيمة الإستقرار الإقليمي والسلام العربي مع إسرائيل، التزامًا بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (وقعت 1979) وتحقيقا لمصالح النظامين المصري والسعودى التى التقت مع مصالح أمريكا وإسرائيل. لكن في ظل ذك التحالف، استمرت مصر في لعب دور مهم في الوساطة بين حماس وباقي الفصائل الفلسطينية (على رأسها السلطة الفلسطينية) من جهة، وحماس وإسرائيل والغرب المقاطع لحركة المقاومة من جهة أخرى (لا يمكن مثلا اغفال اللقاءات المتكررة بين رئيس مخابرات عهد مبارك عمر سليمان وقادة حماس وباقي الفصائل). إلى جانب ذلك، رغم مشاركة مصر لإسرائيل في حصار غزة عن طريق غلق معبر رفح وفتحه فقط في حالات استثنائية وعلى فترات متقطعة، غضت السلطات المصرية الطرف عن حفر مئات الأنفاق التى اعتبرت منفذا اقتصاديا وإنسانيا وعسكريا للقطاع المحاصر، حتى عام 2009 الذى بدأت فيه مصر حملتها ضد الأنفاق، التى اشتدت شراستها أحيانا وارتخت في أحيان أخرى على مدار الأعوام القليلة الماضية.

إلا أن الفترة التى تلت عزل مرسي في يوليو 2013 ثم تولي الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي الرئاسة شهدت درجة عالية جدا وأكثر صراحة من التنسيق الأمنى والتحالف بين مصر وإسرائيل في مواجهة عدو مشترك وهو الإسلاميين. في هذا الإطار يمكن فهم رفض حماس لمبادرة وقف إطلاق النار المصرية. من الممكن أن تكون حماس فعلا رافضة لكل ما يجيء من النظام الذى عزل مرسي المنحدر من الجماعة القريبة من حماس أيديولوجيا وسياسيا، كما يرى أنصار النظام المصري. لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل وجاهة تحفظات حماس على التحيز المصري لإسرائيل، خاصة بعد أن كشفت صحيفة هآرتز الإسرائيلية أن المبادرة المصرية ـ والتى قبلت إسرائيل ببنودها على عكس حماس التى أصرت على الرفض ـ جاءت بعد مكالمة هاتفية بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد مقابلة السيسي مع تونى بلير الذي ساعد على تفعيل التواصل بين الطرفين المصري والإسرائيلي.

قد يكون تخوف مصر المعلن من حركة حماس، خاصة في ضوء ازدياد العمليات المسلحة ضد الجنود المصريين والمنشآت المصرية في سيناء، مقنعًا لقطاعات من الشعب صار لها أكثر من ثلاثة أعوام تفتقد الإستقرار والحياة المريحة برتمها العادي، وصار لها عام تعيش في خوف دائم من خطر عريض ومتشعب العناصر اسمه "الإرهاب"، في ظل التوترات التى تشهدها الدول المجاورة حيث انهارت سلطة الدولة في تلك الدول أو أوشكت على الانهيار، وفي ظل العمليات العسكرية والهجمات المتتالية على أفراد الجيش والشرطة المصرية داخل سيناء وخارجها.

لكن السياسة المصرية الحالية تجاه جارتها غزة لم تسفر عن الانتصار على الإرهاب من ناحية، كما أنها من ناحية أخرى ساهمت في عزل مصر دوليا وإفساح المجال للدول المنافسة لمصر (تحديدا قطر وتركيا  التي هي واقعيا أضعف قدرة على التأثير في الأوضاع في غزة بالمقارنة بمصر التى تتحكم جزئيا في حدود القطاع) كي تعمل على أن تحل محل الدور المصري ليزداد النفوذ الإقليمي لتلك الدول وتتراجع قيمة مصر.

الخطاب السائد للنظام الحالي والإعلام الموالى له متهم باختزال خطر الإرهاب في حماس والتغاضي عن عوامل كثيرة مركبة ومتشابكة، وعن أطراف متعددة لها يد في حدوثه. في نفس الوقت فإن استمرار وقوع العمليات المسلحة ونجاحها في حصد أرواح الجنود المصريين يطرح علامات استفهام حول مدى قدرة هذه الاستراتيجية على القضاء على الإرهاب فعلا. يرى مراقبون أن سياسة مصر فى الاعتقالات المكثفة والحملات العسكرية الواسعة على سيناء والتى بدأت كرد على تفجيرات 2004 وازدادت حدتها  بدرجة غير مسبوقة في الشهور الماضية خلقت عداوات لدى الأهالي والقبائل تجاه النظام الحاكم في مناطق لم تنجح السلطات المصرية في اختراقها وتطويرها، ولن تنجح في ذلك بدون تعاون ومساعدة أهل سيناء.

في الأيام السابقة رأينا الإعلام المصري يركز اللوم على حماس والمقاومة بشكل يتوافق مع الخطاب الإسرائيلي والأمريكي الذي يفترض افتراضا غير منصف، مفاده أن غزة وإسرائيل طرفان متكافآن. لم يختلف المحتوى الإعلامي كثيرا عن الخطاب المصري الرسمي. صحيح أن وزارة الخارجية المصرية انتقدت إفراط إسرائيل في استخدام القوة، لكن يؤخذ على النظام المصري أنه لم تصدر بعد أي تصريحات شديدة اللهجة ضد إسرائيل من وزير الخارجية أو رئيس الجمهورية. تلك السياسة المائعة لم تعزل مصر سياسيا فقط بل هي أيضا أساءت لسمعة مصر لدى الرأى العام العالمي خاصة في الأوساط المتعاطفة مع القضية الفلسطينية التى تتهم النظام المصري بالقسوة ضد الطرف الضعيف (غزة والمقاومة الفلسطينة محدودة الموارد والقوة) والتراخي إزاء الطرف الأقوى الذى ارتكب جرائم غير مبررة تجاه المدنيين وأظهر تحديا صارخا للقانون الدولى الإنسانى، حسب تصريحات وبيانات الأمم المتحدة.

إن كانت مصر حاليا تمر بظروف سياسية حرجة وترى أنها تحتاج للتعاون مع إسرائيل في حربهما على الإرهاب، ولكي تستمر إسرائيل في ممارسة اللوبي أو الضغط في المحافل الأمريكية والأوروببية من أجل دعم و تسليح مصر، فإنها في حقيقة الأمر في أشد الحاجة إلى غزة، التى تتشارك معها في الحدود في منطقة ذات أهمية أمنية كبيرة. كذلك غزة بالطبع تحتاج لمصر دونًا عن غيرها لأن مصر هي منفذها على العالم الخارجي وملاذها للهروب من الأزمات الإقتصادية والأمنية والإنسانية. لن تنتصر مصر انتصارا نهائيا وجذريا على الإرهاب طالما استمرت في عداوة مع شعب مجاور قد يطفح به الكيل من الجرائم الإسرائيلية ومن الأطراف المتعاونة مع إسرائيل، وكلما زاد الغضب لدى أهل غزة وأهل سيناء الذين ينالون نصيبهم من القصف والعمليات العسكرية المتهمة بعشوائية التوجيه وإصابة المدنيين، كلما ازداد خطر الإرهاب وتشعبت مصادره.

عن الكاتب

سارة خورشيد

سارة خورشيد كاتبة وصحفية مصرية متخصصة في العلاقات المصرية الأمريكية وفي الشأن السياسى المصري والعربي. تنشر مقالاتها بالجارديان البريطاتية والنيويورك تايمز وموقع جدلية والشروق المصرية والعديد من الصحف المصرية والعالمية.

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).