تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

المواطنة والزبونية: صراع هوية بين الحق والمنفعة

خالد علي
5 دقيقة قراءة
المواطنة والزبونية: صراع هوية بين الحق والمنفعة

«المواطنة» لم تكن مجرد كلمة في قاموس المصريين، بل كانت عقدًا غير مكتوب يَمنح «المواطن» شعورًا عميقًا بالانتماء والمساواة، يجعله يدفع ضريبة الدم دفاعًا عن «الوطن» بنفسٍ راضيةٍ وقلبٍ جسورٍ لا يهاب الموت، بل على العكس يتمناه لأنه يمثل تضحية صغيرة تُبْذَل من أجل رفعة الوطن المعطاء.

وفي زمن ليس بعيدًا، لم تكن عبارة «الوطن المعطاء» مجرد جعجعة كلامية بلا مضمون. بل كانت، كما ذكرنا لتوٍِنا، عقدًا اجتماعيًا ملزمًا يقدم لـ«المواطن» حقوقًا لصيقة بـ«المواطنة» لا تنفصم عنها أبدًا.

فالوطن، ممثلًا في الدولة المعبرة عن إرادة جموع الشعب، كان ملتزمًا أمام المواطن بمنحه حق العمل اللائق الكريم، وحق الرعاية الصحية الكاملة بلا مقابل، وحق التعليم المجاني ذي المستوى الراقي، وحق السكن المناسب بإيجارات زهيدة يقدر عليها الفقراء، وحق الدعم الشامل لكل السلع والخدمات الأساسية لغير الموسرين من أبناء الشعب.

لم يكن أيًا من هذه الحقوق يحتاج إلى «وساطة» أو «تزلف» أو «مذلة». وذلك لأن العقد الاجتماعي غير المكتوب، لكن الملزم، كان يضع كل هذه الأمور في منزلة «الحقوق» وليس «المنح»، ما كان يعطي المواطنة مضمونًا اجتماعيًا واقتصاديًا حقيقيًا وملموسًا. بتعبير آخر: كانت فكرة المواطنة حية في قلوب المواطنين بمقدار ما كانت تمنح الفرد، والأسرة، والمجتمع بأسره، شعورًا بالكرامة والاستحقاق.

‏‎لكن كما تتآكل الصخور بفعل الزمن، بدأت هذه الفكرة تتلاشى تدريجيًا. فمع امتزاج طبقة الحكم مع طبقة رجال الأعمال أصحاب المليارات، ومع ركوعها أمام المؤسسات المالية الدولية، وانبطاحها أمام الاستعمار الجديد والصهيونية، وفي إطار صراعها من أجل توريث ثروتها ومصالحها لأبنائها وأبناء أبنائها، تحولت الدولة، التي كانت تمثل الإرادة الجمعية للشعب، إلى رهينة لطبقة المحاسيب ومعبرة عن مصالح الأقلية من الموسرين، ومن ثم انفسخ العقد الاجتماعي الذي كان يمثل الأرضية الصلبة التي تقف عليها المواطنة الحقة، فتآكلت الثقة في مؤسسات الدولة التي أصبحت في نظر المصري أدوات في يد أصحاب السطوة لسلب حقوق ومكتسبات هذا الشعب.

هنا وجد المواطن نفسه أمام واقع جديد لا يكترث بالعقود أو الحقوق: واقع أساسه المحسوبية وانتهاز الفرص والتزلف لذوي الأموال والسلطان. فأصبح البقاء للأكثر قدرة على التقرب إلى أصحاب السلطة والتزلف لها ولتابعيها. وهكذا بدأ المصري يتحول من مواطن يطالب بحقه، إلى زبون يتودد إلى صاحب السلطة ليحصل على منفعة.

هذا التحول من المواطنة إلى الزبونية ليس مجرد تغيير شكلي في الألفاظ والمصطلحات، بل هو تحول جذري في علاقة الفرد بالدولة والمجتمع. تحول يطرح كثير من الأسئلة الجوهرية حول هوية المجتمع الذي نعيش فيه. فهل نحن أمة من المواطنين المتساوين الخاضعين لسلطة دولة عادلة، مستقلة، وحرة؟ أم نحن مجموعة من الزبائن نتسول ما كان حقًا في الماضي فأصبح اليوم سلعة تباع بالمال؟ هل نحن مجتمع من أصحاب الحق المتساوي في العيش الكريم؟ أم نحن منقسمون بين أصحاب حق مهضوم وأصحاب مال حاضرون لشراء أضعاف حقهم، بل ولشراء ما ليس حقهم؟

مواطنة الحقوق المتساوية المضمونة -التي يؤكدها امتثالك الطوعي للقانون العادل، وكدحك، حسب قدرتك، من أجل كسب العيش، ودفعك للضرائب المستحقة عليك، واستعدادك للتضحية من أجل الوطن- هذه المواطنة القائمة على مضمون حقيقي هي بالضبط، وعلى طول الخط، معكوس المواطنة الزبونية التي يكون المال والمحسوبية والقرابة والتوريث من ناحية، والاستبعاد والإفقار والتذلل وكسر النفوس من ناحية أخرى، هما القائمتان الرئيسيتان التي تقوم عليها.

‏‎عندما تكون مواطنًا حقًا، فأنت سيد الموقف، وطرف أصيل في عقد اجتماعي عادل لا يقوم على الحصول على منة من أحد. عندما تكون مواطنًا حقًا، فمطالبتك بتعليم جيد أو مستشفى عام لا تمثل طلبًا لجميلٍ من أحد، بل هي مطالبة بحقك المستحق. هنا يكون شعورك بالمسؤولية تجاه مجتمعك نابعًا من شعورك بالملكية التي لا فضل لأحد على أحد فيها. هنا أيضًا تكون مشاركتك في المجال العام هي حقك وأداتك في الحفاظ على المواطنة الصحية ضد مواطنة الزبونية الفاسدة التي لا تعترف إلا بالسلعة والمال والنفوذ.

أنت -المواطن السيد- لا تطلب «جميلًا» من أحد، بل تطالب بما هو لك. هذا الشعور بالملكية والمسؤولية هو ما يدفعك للمشاركة في الحياة العامة، لانتقاد الفاسدين، وللدفاع عن الصالح العام، لأنك تعرف أنك إذا لم تفعل ذلك، فستخسر أنت ومجتمعك.

أما إذا أذعنت لوضع الزبون، فساعتها ستكون رهينة: سواء رهينة لعطف أصحاب المليارات، أو رهينة للدولة التي تبيع لك حقوقك الأصيلة التي اكتسبتها بكدحك ودفعك للضرائب، أو رهينة لصاحب نفوذ يمكنه أن يحصل على ما ليس ملكًا له ليعطيه لمن لا يستحقه.

‏‎في عالم الزبونية، لا قيمة للقانون أو المؤسسات. الأمر الفاصل هو «من تعرف ومن قريبك ومن أبوك». في عالم الزبونية، يصبح مصيرك الوظيفي أو التعليمي أو الصحي.. إلخ، مرهونًا بعلاقتك بشخصية معينة. هذا نظام فاسد يغذي الفساد ويضعف المؤسسات ويجعل الأفراد يتنافسون على رضا «الرعاة» بدلًا من التنافس على الكفاءة والإنتاجية.

‏‎ويبقى السؤال في نهاية الطريق سؤال هوية يحسم حال حاضرنا واتجاه مستقبلنا: أمة من المتساوين أم مجموعة من المتنافرين؟

‏‎الفرق بين الهويتين هو الفرق بين بناء أمة حقيقية من ناحية وتكوين مجموعة مصالح من ناحية أخرى. المواطنة تبني جسورًا من الثقة بين الناس وبعضهم وبينهم وبين الدولة لأنها تضعنا جميعًا في مركب واحد، فيما الزبونية تضعنا في مراكب متناحرة كل منها لها زعيمها الخاص، وكل فرد من ركابها يبحث عن نجاته الشخصية.

التحول من الزبونية إلى المواطنة ليس سهلًا، لكنه ضروري بمقدار ما الكرامة الإنسانية والمساواة بين البشر ضروريين. إنه يتطلب منا أن نؤمن أن حقوقنا ليست فضيلة من أحد، بل هي ملك لنا، وأن كرامتنا لا تقاس بحجم «وساطاتنا» بل بقوة أصواتنا ومشاركتنا ودفاعنا عن حقوقنا.

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).