المرأة في السينما المصرية
قطعا لم يكن يقصد أمل دنقل بالعرافة في قصيدته الأشهر "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" السينما المصرية، ولكن بما أنها بشكل من الأشكال لا تعدو عن كونها عرافة أو نبية فنستطيع أن نسقط ما قاله دنقل على السينما.
هذه الساحرة التي تكشف لنا ما في نفوسنا ونفوس غيرنا دون أن ندري أو يدرون. النبية التي تأخذ البشر من ضيق النفس والضجر من الواقع ومعطياته الخانقة والضاغطة إلى رحابة الخيال ومتعة الحلم، هذه النبية التي أرى أمل يخاطبها في محنتها الأزلية في ظل مجتمع ذكوري ومزدوج المعايير، وأحيانا يرى البعض من أعضائه أن لا جدوى من السينما وأنها وهم و بوار ولا تقدم للمجتمع نفعا بل على العكس هي شر مستطير:
"أيتها العَّرافة المقدسة
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ
فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار!
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار!"
(١)
قبل ١٧ عاما، ومع ظهور جيل المضحكين الجدد (هنيدي، علاء ولي الدين، محمد سعد وغيرهم) انتشر مصطلح السينما النظيفة، والذي قصد منه سينما بدون قبلات أو ملابس ساخنة أو مشاهد جريئة.
كانت بداية هذه الموجة من السينما مع فيلم "إسماعيلية رايح جاي" - ١٩٩٧ للمخرج كريم ضياء الدين، الذي لم تكن فيه مساحة للمرأة وكان التركيز فيه على بطلي العمل محمد فؤاد ومحمد هنيدي. الفيلم رغم اعتبار النقاد له بأنه بداية لتردي السينما المصرية، نجح جماهيريا، وكانت الإيرادات التي حققها (٢٨ مليون جنيه) دافعا لتكالب المنتجين على إنتاج هذه النوعية من الأفلام الخالية من المضمون والقائمة في الوقت نفسه على "الإفيهات" طمعا في تحقيق أرباح مضمونة سلفا، لتأتي البطولة الحقيقية والميلاد الفعلي لمحمد هنيدي مع فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية" - ١٩٩٨ للمخرج سعيد حامد، وكما فعل صناع فيلم هنيدي الأول فعل صناع فيلمه الثاني حيث البطولة الذكورية ولا مكان حقيقي أو دور فاعل للمرأة سواء كانت حنان ترك في (إسماعيلية رايح جاي) أو منى زكي وغادة عادل في (صعيدي في الجامعة الأمريكية).
بدأ المنتجون يبحثون عن وجوه جديدة صالحة لتقديم هذه النوعية من الأفلام فجاء علاء ولي الدين ليلعب دور البطولة في فيلم "الناظر" ٢٠٠٠ للمخرج شريف عرفة، لتؤكد الأفلام الثلاثة على اعتماد تيار السينما النظيفة على استبعاد المرأة على الرغم من إعطاءها مساحات، لكن في أحيان كثيرة تكون غير مبررة لتتحول المرأة إلى مجرد "حلية" يتجمل بها البطل في فيلمه، فكما جاءت حنان ترك ومنى زكي وغادة عادل في الفيلمين السابقين جاءت بسمة في فيلم "الناظر"، هامشية حيث كان من الممكن الاستغناء عن دورها لولا رغبة صناعه في تقديم المرأة في الصورة التي يريدها المحافظين.
أبطال هذه الأفلام تباهوا في لقاءات تليفزيونية وصحفية أن أفلامهم تدخل كل البيوت، وتستطيع أي أسرة بكامل أفرادها أن تشاهدها دون خجل أو خوف من أي مشاهد خادشه للحياء أو الذوق العام، وكأن ظهور المرأة في السينما الغير هامشي لا يهدف إلا إلى خدش حياء الجمهور وإفساد الذوق والأخلاق!
(٢)
مع سطوة تيار السينما النظيفة كانت هناك محاولات للخروج والتمرد على هذه النوعية التي همشت المرأة، من هذه المحاولات فيلم "سوق المتعة" - ٢٠٠٠ للمخرج سمير سيف الذي ظهرت فيه إلهام شاهين في دور جريء كعادتها، وبالرغم من تناول الفيلم موضوعا مهما (متطرقاً إلى مفهوم السجن داخل النفس: سجن الروح والرغبة والإرادة) إلا أن البعض اعتبر الفيلم، وبالتحديد دور بطلته، خادشا للحياء، وأنه كان ينبغي على الرقابة حذف المشاهد التي جمعت بين محمود عبدالعزيز وإلهام شاهين .
بعد "سوق المتعة" بعام واحد جاء فيلم "الساحر" للمخرج الراحل رضوان الكاشف، الذي أعطى لبطلتيه منة شلبي وسلوى خطاب مساحة كافية لتعبرن بجرأة عن مشاكلهن في ظل سطوة ذكورية يفرضها عليهن المجتمع، وأراد صناع الفيلم أن يوصلوا للمجتمع رسالة مفاداها "أنك لو كنت ساحرا فلن تستطيع كبت الرغبة في التحرر من أي أسر."
كذلك فعلت إيناس الدغيدي في فيلميها "مذكرات مراهقة" - ٢٠٠١ و"الباحثات عن الحرية" - ٢٠٠٤ حيث جاءت مشاهد الفيلمين جريئة، فلاقت اعتراضا واسعا من جانب بعض النقاد وتيار المحافظين والمتشددين، واعتبروا أن الفيلمين والملابس الساخنة التي استخدمت في مشاهدهما لا تتفق مع ثقافة وقيم وعقائد المجتمع .
(٣)
رواج سينما المضحكين الجدد أو ما تعرف بـ "السينما النظيفة" وكذلك رفض الجمهور وبعض النقاد والمتشددين لأفلام احتلت فيها المرأة مساحة كبيرة تمردت من خلالها على السطوة الذكورية للمجتمع، ورغبته في اختزالها والتعامل معها من وراء حجاب، أربك كتاب ومخرجي السينما فوقعوا بين سندان الجمهور ومطرقة المنتجين المرعوبين من الخسائر.
ولكن بعضهم امتلك قدرا كبيرا من الشجاعة والانحياز لفن السينما، غاضين أبصارهم عن ما يفترض أن يرضي الجمهور، فنجد مثلا رضوان الكاشف الذي قدم رائعته "عرق البلح" - ١٩٩٩ في ذروة رواج أفلام هنيدي، ولم يلقي بالا لهذا السيل العارم الذي دمر السينما المصرية.
قدم أسامة فوزي كذلك فيلم "جنة الشياطين" في العام نفسه، ولم يلتفت لضعف الإقبال عليه واكتفى بما كتب وقيل عنه من نقد كان في أغلبه في صالح الفيلم وأبطاله، وفي عام ٢٠٠٤ قدم فيلمه "بحب السيما" الذي لاقى سيلا عنيفا من الهجوم والاعتراضات التي أدت إلى محاصرة بعض الأقباط لبعض الدور التي تعرض الفيلم.
قبل "بحب السيما" بعام واحد قدم هاني خليفة فيلمه "سهر الليالي" الذي أثنى النقاد عليه ورأى الجمهور أنه لا يخدش الحياء ولا الذوق العام، وأن صناعه قدموه بما يتفق مع تقاليد المجتمع وعاداته، ورغم النجاح الكبير للفيلم لكنه عجز عن خلق تيار موازي لما سمي بتيار السينما النظيفة الجارف حتى هذه اللحظة.
(٤)
لا ننكر أن هناك أفلاما احتلت فيها المرأة مساحة كبيرة وكانت فيها محور الفيلم، لكن للأسف من حيث الشكل وليس المضمون، فكانت المرأة فيها لا تعدو عن كونها سلعة رخيصة لجلب الجمهور وتحقيق مكاسب مادية من وراء مشاهد ساخنة ليس لها أي مبرر درامي فضلا عن خلو العمل نفسه من أي مضمون يستحق أو يستلزم أن تظهر فيه المرأة في صور "المرأة المغوية"، والأمثلة على هذه النوعية من الأفلام كثيرة منها: "سيدة الأقمار السوداء" - ١٩٧١ للمخرج سمير خوري، "قطة على نار" - ١٩٧٦ للمخرج سمير سيف، "أعظم طفل في العالم" - ١٩٧٣ للمخرج جلال الشرقاوي، "رجب فوق صفيح ساخن" - ١٩٧٨ للمخرج أحمد فؤاد، "عنتر شايل سيفه" - ١٩٨٣ للمخرج أحمد السبعاوي. القائمة التي تضم هذه النوعية من الأفلام التي قدمت المرأة في صورة المرأة المغوية واختزالها في صورة السلعة لجذب الجمهور طويلة جدا.
لكن لا ننكر أيضا أن أفلام "السينما النظيفة" أساءت -ربما بشكل أكبر- للمرأة ولم تنصفها وساهمت مع دعاة "مكان المرأة بيتها" في تهميش المرأة، وتصوير أنها لا تصلح إلا في مساعدة الرجل في ما يقوم به من أعمال دون ان تستقل بنفسها.
النوعيتان ظلمتا المرأة المصرية، وقدمتاها للعالم في أسوأ صورة؛ إما أنها امرأة تصلح للأغواء وحسب، أو أنها نصف إنسان لا يصلح لأي عمل.
لكن ظلم السنيما النظيفة كان الأشد وطأة لأنها تسببت في تربية ذوق جيل كامل على أن السينما لا ينبغي أن تظهر فيها المرأة بغير الصورة التي عودته عليها أفلام هذه السينما، لذا ليس غريبا أن تقوم الدنيا ولا تقعد عندما عرض فيلم "حلاوة روح"!
آراء أخرى
مقتل «سيرجيو» أم نهاية أحلامنا؟
«تأكد مع مقتل سيرجيو الدرامي وفاة أحلام وآمال عديدة ساذجة»
رجل يشاهد فيلمًا عن «البيريود»
«تذكرتُ نفسي مبتسمًا وأنا أشاهد الفيلم الوثائقي القصير Period. End Of Sentence الفائز بالأوسكار»
ملحمة «ابننا» البوهيمية
«حديث البعض عن حصد مالك للجوائز لإنه من أسرة مهاجرة نكاية في ترامب محض «هري» يا جماعة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد