تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الفوسفات.. وكارثة الثقافة المصرية

خديجة جعفر
6 دقيقة قراءة

فور انتشار خبر غرق خمسمائة طن من الفوسفات في مياه النيل، اتّصل بي أحد الأصدقاء من خارج مصر محذرًّا إيايّ من الشرب من مياه الصنبور، قائلاً: "المياه المعدنية ليست رفاهية الآن!"؛ فأخبرته أنّ لديّ "فلتر" يصفي الشوائب. فعاجلني: "ليس بمقدور الفلتر معالجة المياه المحملة بالفوسات الآن، بل ولا "الفلاتر" الأكثر تعقيدًا". تملكتني الدهشة من شدة يقينه من كلامه، والذي يتناسب مع جلالة الخبر المفزع!! وأصابني العجب من سرعة إصدار الأحكام واتّخاذ ردّ الفعل العاجل لمثل هذا الخبر! ولعلمي أنّ صديقي خارج مصر؛ وبالتالي فإنّ مصادره لن تعدو أن تكون أكثر من صفحات التواصل الاجتماعي، واتصالات ببعض الأصدقاء، حاولت زعزعة يقينه، متسائلة: أليس من الممكن أن يكون الخبر شائعة؟ وإن كان الخبر صحيحًا، أليس من الممكن أن يكون مبالغًا فيه؟ وهل هناك أية معلومات موثقة لدينا عن كيفية تعبئة المياه المعدنية حتى نثق فيها هي الأخرى تمام الثقة؟

لم تفلح محاولاتي في زعزعة يقين صديقي العزيز، كما لم أفلح في مواجهة موجة الهلع وردود الفعل الهائلة على مواقع التواصل الاجتماعي. إذ فور ما نشرت صحف مصرية خبرًا من سطرين ملحقًا به صورة أرشيفية عن "غرق صندل محمّل بالفوسفات في مياه النيل"، حتى أصدر "الفيسبوكيون والمغردون"- ومنهم صحفيون ونشطاء معروفون- أحكامًا مطلقة على أنّ الأمر كارثة بيئية محققّة؛ وذلك في سباقهم المحموم نحو من الذي سيسجل موقفه أبكر من الآخر! ومن الذي سيكشف "معلومات" وصلته حصريًّا عن طريق صندوق الوارد! ومن الذي سيقوم بالتحليل والحكم وقيادة الرأي! ومن الذي سيضع "الكارثة" في إطارها السياسي، بل والسياسي المعارض!  ثمّ انطلقت موجات التحذير الشديد أنّ على المصريين أن يتفادوا شرب الماء؛ بل وأكل الأسماك أشهرًا، وربما سنينًا؛ حتى تتخلص مياه النيل من السُمية التي أصابتها بسبب الفوسفات!!

  لم يمرّ من الوقت أكثر من ساعة، حتّى بدأت الآلة الإعلامية في السير التلقائي نحو الأمام باتجاه "الكارثية" والعويل والندب المستمر على المصائب التي تنهال على المصريين يوميّاً؛ إذ تلقفت كثير من الصحف والمواقع الإلكترونية المعارضة منشورات الفسبوكيين، وجعلتها مادة "صادقة" و"حقيقية" لأخبارها ومقالاتها. وبما أنّ الآلة الإعلامية تسير دون عقل تقريبًا؛ فإنّ الصحف المؤيدة للحكومة بدأت موجة من "الدفاعية"، إذ لم تنكر الخبر في ذاته، لكنّها اتخذّت الموقف المضادّ من "الكارثية" وهو التقليل من قدرة تأثير الفوسفات على صلاحية مياه النيل للشرب! حتى خرج علينا من يقول إن الأمر لا يمثّل خطرًا على الإطلاق، بل قد يكون فيه فائدة! فإنّ كثيرًا من الدول تلقي الفوسفات في مياهها لأجل تلك الفائدة!

 مر يومان على الحدث، وبدأ بعض المهندسين المتخصصين في المياه والبيئة بنشر منشورات علمية مطولة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمّن معلومات ونسب وإحصاءات عن الفوسفات وغيره.  يثبتون من خلالها أنّ الفوسفات لا يذوب. أصابني الدوار والصداع لهذه الموجة العاتية من الأخبار والأخبار المضادة، والمنشورات والمنشورات المضادة.  ولم أجد سوى القليل من "الإعجابات" على "فيس بوك"، حينما كتبت منشورًا أتساءل فيه: هل الخبر في أصله صحيح؟ هل وقعت الحادثة بالفعل؟ إذ كيف لهذا الصوت الذي يتساءل عن البدايات و الحقائق أن يُسمع وسط صخب الكارثية وصياح المصائبية؟

 في تصوري، فإنّ الكارثة الحقيقية تكمن في الثقافة المصرية وليس في الفوسفات أو غيره. إذ بقدرة قادر، يصل العقل الجمعي المصري إلى النهايات (أي الحكم النهائي في قضية ما) وما ينبني عليه من عمل وتصرف، قافزًا على مرحلة التحقيق والتفصيل والفهم والتحليل. هذا مع تلاشٍ تام لمرحلة البدايات من الأساس، وهي مرحلة التثبت من صدق الخبر ذاته! ومرحلة معرفة التفاصيل إن كان صادقًا. لا يملك العقل الجمعي المصري منهجًا يمكّنه من الوقوف عند كل مرحلة للتحقق منها ثمّ فهمها وتفسيرها، حتّى يصل بسلامة إلى الحكم النهائي!

تعلّمنا في علم المنطق، أنّ تعريف الخبر هو "ما احتمل الصدق والكذب لذاته" وهذا يعني أنّ أي خبر، أو قصة صحفية أو رواية لديها فرص متساوية من الصدق والكذب؛ وذلك لأنّ اللّغة في ذاتها بناء منفصل قد ينطبق على الواقع أو لا ينطبق. وما يؤدي إلى ترجيح أحدهما على الآخر هو وجود مرجّح خارجي، قد يكون شهادة شهود موثوقين أو نقل مؤسسة ذات سمعة صادقة أو غير ذلك من وسائل التثبت. فكيف إذًا لخبر مكتوب من سطرين  في إحدى الصحف، بلا صور أو شهادات أو تحقيق شامل أن نجعله مبدأً لمثل هذه الموجة العاتية من الأحكام والمنشورات؟ وفي لا وعيٍ نحسد عليه، طمسنا مرحلة "التثبت" ولم يصبح بالإمكان أن نعود إلى سذاجة البدايات، ونتساءل: هل وقع 500 طن من الفوسفات في مياه النيل نتيجة حادث تصادم؟

لم أسمع حتى الآن عن صحفيّ ذهب بنفسه لمكان الواقعة ليسأل أسئلة البدايات، ثم أسئلة الاستقصاء؛  لينقل لنا حقيقة ما جرى، وحجمه، وليلتقِ مثلاً بمن كان يقود هذا المركب الغارق ليسمع منه ما حدث، وليحاول الوصول إلى المسؤول الأول عن تحميل مثل هذه الشحنة، والذي يملك المعلومات الأولية عنها! وليسمع لشهود عيان، وليصور موقع الحادث... وهكذا.

نأتي الآن للمرحلة التي تتلو مرحلة التثبت والاستقصاء، وهي مرحلة الفهم والتفكير. هل يمكن لأي شخص أن يتحدث في قضايا "الفوسفات"؟ الإجابة الواضحة هي "لا"؛ فالصحفي الذي عليه أن يتثبت ويتقصّى الواقعة، وينقل لنا خبرًا صحيحًا، لا يمكنه أن يساعدنا على فهم وتقدير أثر وقوع شحنة من الفوسفات في مياه النيل.  فمن يساعدنا على ذك هو الخبير في علوم المياه والمعادن. المسألة إذًا فنية ومتخصصة وذات أبعاد متعدّدة؛ ولكنّنا نبيح لأنفسنا الخوض في كل ما هو ليس في حدود علمنا، بل ونبيح لأنفسنا أن نهرف بما لا نعرف!

ليست هذه القضية قضية رأي وحريّة إذًا، حتّى يشعر كلٌّ منّا بوازع الواجب يحركه ليكتب تحذيرًا لمتابعيه من "الكارثة البيئية المحققة". من المنطقي إذًا أن نصل بعد المرحلتين الأوليين اللتين تشملان التثبت والاستقصاء والفهم والتفكير إلى تكوين "رأي" أو "حكم" في القضية محل النظر. والحكم يعني أن نستطيع قول جملة مفيدة متعلقة بالموضوع. أي أنّ هذه القضية خطر أو ليست بخطر.  هذه المرحلة الثالثة هي التي قفزنا إليها فورًا إثر سماعنا بالخبر.

لا يمكن أن نصل إلى مرحلة "الفعل" أو السلوك الصحيح بإزاء قضية ما إلاّ بمرورنا عبر هذه المراحل الثلاث المتعلقة بها: التثبت والتفكير والحكم. ولكنّنا استطعنا إقناع أنفسنا بكل ثقة نحسد عليها أنّ علينا الآن أن نملأ بيوتنا بكرتونات المياه المعدنية؛ فمياه النيل التي شرب منها قاطنو وادي النيل في كل العصور لم تعد صالحة للشرب! لم نكلف أنفسنا إذًا بالتثبت والتفكير، واتخذنا الحكم الذي لم نشكّ في صوابه في ثوانٍ معدودة، وقررنا بالثقة نفسها أنّ على جميع المصريين أن يوجهوا أموالهم الضئيلة الآن نحو شراء المياه المعدنية!

في الواقع، فإنّ الكارثة الحقيقية ليست في "الفوسفات"، بل الكارثة في الثقافة المصرية، التي لا تتيح مجالاً لتكوين عقل جمعي قادر على التثبت والتفكير والحكم والتصرف، وعندما يختفي العقل؛ فإنّ ما يتمدد هو العواطف والانفعالات التي تجعل صاحبها دائمًا في ضجيج وصياح دائم، وتجعل متابعيه في هلع وخوف مرضي، علّهم بذلك يُسكتون صوت كل ذي عقل.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).