تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

«الفتنة الإبراهيمية» تلاحق الشيخ الطيب 

محمد سعد عبد الحفيظ
8 دقيقة قراءة
«الفتنة الإبراهيمية» تلاحق الشيخ الطيب 

لشيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، مكانة كبيرة في قلوب الشعوب العربية والإسلامية. لم تأت تلك المكانة من فراغ، فالرجل الذي تولى منصبه قبل عشر سنوات، نجح في استعادة دور الأزهر الشريف بعد سنوات من التغييب المتعمد، قضتها تلك المؤسسة في كنف السلطة توجهها كيفما تشاء وتضبط بوصلتها كيفما تريد.

بدا الطيب في هذه السنوات أنه أكثر انفتاحًا، طرح آراء فقهية تقدمية في العديد من القضايا بدءًا من المساواة بين المرأة والرجل ووصولًا إلى قبول الآخر والتعايش المشترك بين أصحاب الأديان، وفي ذات الوقت اختار أن يكون مستقلًا عن السلطة، قاوم محاولات تطويعها له، وأعلن رفضه وتحفظه على الكثير من آرائها، فنأى بالأزهر من الدخول في بيت الطاعة.

هذه الحالة التي صنعها الطيب بمواقفه وتمسكه بما يعتقد أنه صحيح، وضعته في خانة الاستهداف أكثر من مرة، مع ذلك لم يلن الشيخ وأصر على المضي قدمًا في الطريق الذي سبقه إليه رموز هذا الكيان من المقاومين الذين انحازوا لحقوق الشعب وإرداته على مر العصور.

مكانة الطيب لم تُصنع فقط بحرصه على استقلال الأزهر أو لأفكاره الفقهية التقدمية، لكن أيضًا بانحيازه للقضايا الإنسانية والقومية وفي القلب منها القضية الفلسطينية. فبعد توليه منصبه بأسابيع أكد الرجل على «مشروعية المقاومة الفلسطينية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي»، بحسب ما جاء في حواره مع جريدة «الأهرام» في يونيو 2010.

الطيب قال في هذا الحوار إن «إن زيارة القدس لا تحقق مصلحة للمسلمين، لأنها في ظل احتلال إسرائيلي وبإذن من سلطات الاحتلال»، مشددًا على رفضه استقبال حاخامات يهود أو استقبال ومصافحة الرئيس الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز أو حتى التواجد معه في مكان واحد. وذلك على عكس سلفه الشيخ محمد سيد طنطاوي الذي صافح بيريز في مؤتمر حوار الأديان عام 2008 وجالسه وأبدى استعداده لاستقباله واستقبال أي شخصية يهودية، وحتى الذهاب إلى القدس إذا سمحت الظروف الأمنية والسياسية بذلك، «طالما يعود ذلك على خدمة السلام في المنطقة والقضية الفلسطينية».

لم يتوان الطيب عن دعم الحقوق الفلسطينية وفضح مخططات الكيان الصهيوني، محذرًا من المشروعات التهويدية والاستيطانية، وهاجم بشراسة قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، وأعلن في خطاب رسمي رفضه مقابلة نائب الرئيس الأمريكي آنذاك مايك بنس، احتجاجًا على قرار نقل السفارة إلى القدس. وقال في بيان له: «كيف لي أن أجلس مع من منحوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون.. يجب على الرئيس الأمريكي التراجع فورًا عن هذا القرار الباطل شرعًا وقانونًا». ثمّ اجتمع بهيئة كبار العلماء، وأصدروا بيانا دعوا فيه الحكومات العربية والإسلامية إلى اتخاذ كل الإجراءات السياسية والقانونية اللازمة لإبطال هذا القرار الجائر.

تتابعت مواقف الطيب المناهضة ليس للاحتلال الإسرائيلي وجرائمه فقط بل الرافضة والناقدة للتطبيع والمطبعين والداعمين للكيان الصهيوني والصامتين عن انتهاكاته للحقوق الفلسطينية، حتى وصلنا إلى محطة الاتفاقات الإبراهيمية التي عقدت بين عواصم الخليج وتل أبيب. في هذه المحطة انحاز الشيخ إلى جمهور الصمت، لم يبارك أو يدافع كما فعل بعض أسلافه عندما بادر الرئيس الراحل أنور السادات بفرض اتفاقية كامب ديفيد على الشعب المصري، لكنه سكت سكوتًا فتح بابًا لتساؤلات واستنتاجات مسّت مكانة الرجل.

خلال السنوات التي سبقت توقيع اتفاقات إبراهام، كانت علاقة الطيب قد توثقت مع حكام الإمارات، ترأس الشيخ مجلس حكماء المسلمين الذي أُطلق من «أبو ظبي» في 2014، كمؤسسة إسلامية موازية مهمتها سحب البساط من مجلس علماء المسلمين الذي يترأسه الشيخ يوسف القرضاوي، ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع زيارات الطيب للإمارات، كما لم تنقطع عطايا وتبرعات حكامها لمؤسسة الأزهر وجامعته ومكتبته.

في عام 2019، وبينما كان الرأي العام ينتظر أن تطيح التعديلات الدستورية بالشيخ الذي «أتعب رئيس الجمهورية»، تدخل أولاد زايد حتى لا تمس تلك التعديلات طريقة تعيين وعزل شيخ الأزهر، بحسب تقرير نشرته «مدى مصر» حينها.

في ذات العام استقبلت أبوظبي شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان فرنسيس الثاني، ووقعا معًا وثيقة «الإخوة الإنسانية»، وبعد هذا التوقيع بشهور أعلن محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي عن تشييد «بيت العائلة الإبراهيمية» تخليد لذكرى زيارة الإمام والبابا، وتعبيرًا عن «حالة التأخي الإنساني الذي يعيشه المجتمع الإماراتي».

ويجمع مشروع «بيت العائلة الإبراهيمية» مسجدًا يحمل اسم الإمام الطيب، وكنيسة باسم البابا فرنسيس وكنيس يهودي باسم موسى بن ميمون في صرح واحد بجزيرة السعديات بالعاصمة أبو ظبي.

كل ما سبق يمكن أن يكون مقبولًا في إطار علاقات دولة لديها وفرة مالية يسعى حُكامها إلى تقديمها كممثل للإسلام الحضاري بمؤسسة دينية إسلامية يملك شيخها رؤى وسطية تقدمية.

بعد توقيع الإمارات «الاتفاق الإبراهيمي» مع دولة الاحتلال برعاية أمريكية، وتطبيعها العلاقات مع تل أبيب بشكل أثار حفيظة وحيرة المراقبين والمتابعين، وجد شيخ الأزهر نفسه بين نارين، فماذا يمكن أن يفعل الرجل الذي أعلن عدائه للكيان الصهيوني وندد بجرائمه وانتقد المطبعين معه والصامتين عن انتهاكاته مع أصدقائه حكام الإمارات الذين ذهبوا بتطبيعهم إلى أبعد مما يتصور أحد؟ وكيف سيتصرف في الدعوة التي ستوجه إليه بعد شهور لحضور افتتاح «بيت العائلة الإبراهيمية» الذي يحمل مسجدًا باسمه، ومن المتوقع أن يحضره رجال دين يهود إسرائيليين؟

قبل شهور وعلى استحياء أصدر الأزهر بيانًا في ذكرى قرار تقسيم  فلسطين دعا فيه إلى إحياء القضية الفلسطينية والتعريف بها «حتى تظلّ حاضرة في قلوب وعقول الأطفال والشباب ومواجهة الحملات الممنهجة الهادفة إلى طمس القضية إلى أن يعيد الله الحق لأصحابه»، وهو ما اعتبره البعض محاولة من الشيخ للتأكيد على أن ثوابته في ما يخص القضية الفلسطينية لن تتأثر بتطبيع أصدقائه مع المحتل.

عدد من رفاق الشيخ ومستشاريه وأعضاء بهيئة كبار العلماء، رأوا أن بيان الأزهر في ذكرى التقسيم غير كاف للرد على ما يثار عن صمته على التطبيع الإماراتي المتصاعد، في الوقت الذي لا تزال فيه إسرائيل تقتل أبناء الشعب الفلسطيني وتقضم أرضه وترفض الاعتراف بدولته، بحسب ما قال لي مصدر مطلع بالأزهر.

بعض أعضاء الهيئة اتهم الطيب، بحسب ذات المصدر، بأن « صمته على اتفاقات إبراهام بين تل أبيب وأصدقائه حكام الإمارات، يعد نوعًا من أنواع المباركة لتلك الاتفاقيات»، وحُذر الشيخ من التورط بالمشاركة في افتتاح «بيت العائلة الإبراهيمية» في فبراير المقبل حفاظًا على مكانة المؤسسة وسمعة شيخها.

عقب الضغوط التي تعرض لها الطيب، رأى أن يخرج عن صمته ويعلن موقفه مما يسمى «الديانة الإبراهيمية»، التي اعتبرها البعض لافتة جديدة لتسويق السلام والتعايش مع إسرائيل، واستغل شيخ الأزهر الاحتفالية التي أُقيمت بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس «بيت العائلة المصرية» ليسجل موقفه.

الطيب أكد خلال كلمته رفضه لما تطمح إليه هذه الدعوات «فيما يبدو من مزج اليهودية والمسيحية والإسلام في رسالة واحدة أو دين واحد يُخلّصهم من النزاعات، والصراعات»، مشددًا على أن الدعوة إلى توحيد الأديان فيما يعرف بـ«الديانة الإبراهيمية» دعوة «أقرب إلى أضغاث الأحلام منها لإدراك حقائق الأمور وطبائعها».

المراقبون المتابعون لمواقف شيخ الأزهر وعلاقاته بالإمارات فسروا رسالة الطيب خلال احتفالية العائلة المصرية على أنها موجهة إلى أصدقائه في أبو ظبي، فالرجل أراد أن يقطع الطريق على أي حديث يربطه بالتطبيع أو بما تفعله الإمارات دون أن يذكرها بالاسم حرصًا على علاقاته بحكامها.

أراد الشيخ أن يبرئ ساحته من الترويج لمشروع يبدو في ظاهره ديني يدعو إلى التسامح ونبذ التعصب، لكنه يحمل في جوهره بُعد سياسي يراد به غسل سمعة إسرائيل وتقديمها وكأنها دولة طبيعية لها جذور في المنطقة، وليست دولة مغتصبة محتلة.

تحدثت بعض التقارير التي نشرت حينها إلى أن كلام شيخ الأزهر عن «الإبراهيمية» أفسد العلاقة بينه وبين حكام الإمارات. استخدم البعض تعبير «قطيعة» في وصف ما وصلت إليه العلاقات بين الطرفين، فما كان من الرجل إلا أن يسارع إلى إصدار بيانيين يعلن فيهما عن تقديره  لأبوظبي. الأول صدر عن المجلس الأعلى للأزهر بعد احتفالية بيت العائلة بثلاثة أيام، شكر فيه الطيب الإمارات والشيخ محمد بن زايد على إتمام إنشاء مكتبة الأزهر الجديدة، ويعرب فيه عن تقديره لدور الإمارات وقيادتها في خدمة قضايا الأمة الإسلامية، والقضايا الإنسانية العالمية.

وبعد ساعات البيان الأول، صدر بيان آخر هنأ فيه الطيب ولي عهد أبو ظبي بفوز الإمارات باستضافة قمة المناخ « COP 28» وذلك بعد اتصال هاتفي بين الطرفين. وكتب شيخ الأزهر على حسابه الرسمي بموقع فيسبوك: «سعدت بالحديث مع أخي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وتهنئته بفوز دولة الإمارات العربية المتحدة باستضافة قمة المناخ»، مضيفا: «الإمارات جزء عزيز من القلب العربي والإسلامي، يسعد كل عربي بنجاحاته وتمثيله المشرف لوطننا العربي في المحافل الدولية».

وفي مطلع الشهر الجاري زار الطيب أبو ظبي، أو اُستدعي للزيارة، ليهنئ حكامها بذكرى مرور 50 عام على تأسيس دولة الإمارات، ويبدد تداعيات حديثه وهجومه على «الديانة الإبراهيمية». 

الطيب قال في البيان الذي أعقب الزيارة التي لم تستغرق سوى يوم واحد، إن ما تقوم به دولة الإمارات من جهود تسعى فيها لخدمة قضايا الأمة العربية والإسلامية؛ ليس بمستغرب على أبناء حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان، الذي سار أبناؤه من الحكام والأمراء على دربه وتمسكوا بمنهجه والتزموا بأخلاقه.

الإمام يحاول إمساك العصا من المنتصف، يسعى إلى تبرئة ساحته وغسل سمعته من الترويج أو الصمت عن مشروع تسويق إسرائيل في المنطقة، ثم أعرب عن «اعتزازه وتقديره لدور الإمارات وقيادتها في خدمة قضايا الأمة الإسلامية، والقضايا الإنسانية العالمية».

يبدو أن الطيب، وُضع في حجر الزاوية، فالرجل حائر بين الحفاظ على شعبيته واستقلاله ومكانته التي تأثرت بوضعه في موضع المهادن القابل لتطبيع العلاقات وبشكل متسارع بين العواصم العربية ودولة الاحتلال، وبين إرضاء أصدقائه في أبوظبي. 

فتنة الاتفاقات الإبراهيمية تلاحق الشيخ الطيب، ولن ينقذه من نارها سوى إعلانه موقف واضح وصريح من دعاوى التطبيع مع المحتل، على أن يتبع ذلك باعتذار عن عدم المشاركة في احتفاليات افتتاح «البيت الإبراهيمي» التي من المنتظر أن يحضرها ممثلون عن الكيان الصهيوني.. فماذا سيفعل الإمام؟ 

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).