العدالة الغائبة داخل معسكر أمن طرة
شهادة محامي حقوقي حول سير التحقيقات مع المقبوض عليهم في أحداث الذكرى الرابعة للثورة.
............................................
الحلقة الأولى: بدأت الانتهاكات يوم 25 يناير 2015 حين تم إلقاء القبض على مجموعة من الشباب من محيط وسط المدينة بالقاهرة من عدة أماكن متفرقة على سبيل الحصر: "عبد المنعم رياض، نقابة الصحفيين، شارع رمسيس"، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن المقبوض عليهم، أو المختطفين إذا ما أردنا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح. صباح يوم الذكرى الرابعة لثورة يناير تلقيت بلاغًا باختفاء الشاب عمر أحمد مرسي من عبد المنعم رياض أثناء وقوفه بورقة مدون عليها "كلنا خالد سعيد" وهو من أحد شباب الثورة المخلصين وقد أصيب في أحد معارك الثورة بطلق ناري في رأسه.
بدأت رحلة البحث عندما توجهت إلى قسم قصر النيل- مع العلم أنه الدائرة الشرطية المسئولة عن تأمين ميدان عبد المنعم رياض- وحين قمت بالسؤال عن عمر، أنكروا وجوده وأبلغوني أنه لم يتم إحضاره للقسم ولا نعلم عنه شيئًا، بعد ذلك توجهت إلى قسم عابدين للسؤال هناك وتم إبلاغي أنه ليس موجودًا عندهم، فتوجهت أخيرًا إلى قسم الأزبكية وبالفعل علمت من أحد أمناء الشرطة أنه موجود بالداخل هو وعدد من الشباب المقبوض عليهم من محيط وسط البلد، وعلى حد تعبيره أن العدد الموجود كبير جدًا، فقمت بمحاولة لدخول القسم وهو ما قوبل بالرفض التام من قبل قوات تأمين القسم، وهو ما يعد مخالفة صريحة وصارخة لقانون المحامي الذي جاء في المادة الـ 52 منه "... ويجب على جميع المحاكم والنيابات ودوائر الشرطة ومأموريات الشهر العقاري وغيرها من الجهات التي يمارس المحامي مهمته أمامها أن تقدم له التسهيلات التي يقتضيها القيام بواجبه وتمكينه من الإطلاع على الأوراق والحصول على البيانات وحضور التحقيقات مع موكله وفقًا لأحكام القانون ولا يجوز رفض طلباته دون مسوغ قانوني"، بعد ذلك علمت أنه سيتم ترحيل جميع المقبوض عليهم إلى معسكرات قوات أمن دون أن يخبروني بالأماكن تحديدًا، وبالفعل تم إحضار سيارات الترحيلات وركب بها الشباب المقبوض عليهم استعدادًا لترحيلهم وبعد خروجهم بسيارات الترحيلات دخلنا إلى قسم شرطة الأزبكية أنا وأحد الزملاء المحامين للسؤال عن مكان ترحيلهم فأخبرنا أحد ضباط القسم أنه سيتم ترحيلهم إلى مديرية أمن القاهرة بطرة، وبعد أن توجهنا إلى مديرية أمن القاهرة وبالسؤال عن ما إذا كانت سيارات ترحيلات حضرت إلى هنا بها بعض الشباب المقبوض عليهم من وسط البلد، أخبرتنا قوات التأمين أنه لم تحضر أي سيارات ترحيلات إلى هنا! وبعد مدة من الوقت علمنا أن مجموعة من الشباب موجود داخل معسكر قوات أمن طرة ويقدر عددهم بـ 62 شابًا وفتاة - بحسب ما أخبرنا به أحد ضباط تأمين المعسكر- ولم نتمكن من الدخول للاطمئنان عليهم بسبب رفض قوات المعسكر، وحيث أن عمر مرسي يظهر عليه بعض مظاهر التعب بسبب إصابته بطلق ناري في أحداث سابقة ما يؤثر على حركته، فقد أخبرني أحد الضباط أنه موجود داخل المعسكر، وأن هنالك بالفعل مجموعة أخرى من الشباب المقبوض عليهم أيضًا من وسط البلد داخل معسكر قوات أمن السلام، فقمت أنا ومجموعة من المحامين والأهالي بالذهاب إلى المعسكر وحين قمنا بالسؤال عن الشباب أخبرتنا قوات الأمن هناك أنه لا يوجد أي شباب داخل المعسكر من المقبوض عليهم، وأن المعسكر لا يوجد به أماكن احتجاز للمدنين، وأن ما به من أماكن احتجاز خاصة بالمجندين فقط، وحينا أكدنا على علمنا بوجود الشباب المقبوض عليهم داخل المعسكر، قام أمين شرطة بتهديدنا نصًا "لو ما مشيتوش من هنا أنا هضربكم بالنار".. وهذا هو المنتظر من رجال الداخلية، فهي مؤسسة لا تؤمن بالقانون ودائمًا ما تكون نزعة البلطجة هي السمة الحاكمة لآدائهم.. انتهت ليلة البحث هذه في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
الحلقة الثانية: يوم 26 يناير 2015 وهو اليوم التالي للقبض على الشباب، توجهت أنا ومجموعة من الزملاء المحامين إلى نيابة قصر النيل وعابدين والأزبكية ونيابة وسط الكلية ونيابة الأزبكية الكلية للسؤال عن مصير الشباب وما إذا قد تم إبلاغ النيابات المذكورة بأي إخطارات بالقبض أو ورود أي محاضر لهم بخصوص الشباب، وكانت الإجابة واحدة "مانعرفش أي حاجة ومافيش حاجة جتلنا"، ما دفعنا لتقديم بلاغات اختفاء قسري واحتجاز بدون وجه حق للمقبوض عليهم للنيابات المذكورة ولكل من محامي عام نيابات وسط القاهرة وشمال القاهرة، وذلك طبقًا لما جاء من نصوص المواد "54 من الدستور المصري لسنة 2014، والمادة 36 من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية"، كما توجهت أيضًا مع مجموعة من المحامين للنائب العام للسؤال عن أماكن احتجاز الشباب ومتى تباشر النيابة العامة التحقيق معهم، وكانت الإجابة "إحنا مانعرفش عنهم حاجة" ، وقمنا أيضا بالتقدم بطلب لمحامي عام نيابات جنوب الذي يقع في دائرته معسكر قوات أمن طرة بتفتيش المعسكر للتأكد من صحة كلامنا بوجود الشباب المقبوض عليهم واحتجازهم دون وجه حق وذلك طبقًا لنصوص المواد "41، 42 من قانون الإجراءات الجنائية" ولكن قُوبل الطلب بالرفض وعدم الاختصاص بذلك، وقمنا بتقديم بلاغات الاختفاء القسري والاحتجاز دون وجه حق للنائب العام، وبعد يوم طويل من البحث في النيابات وحوالي الساعة الثامنة مساءً أخبرنا رئيس نيابة قصر النيل أنه يوجد محضر لـ 79 شابًا وفتاة، وأنه قد وصله جواب من قوات الداخلية بتعذر نقل الشباب للتحقيق معهم بالنيابة لظروف أمنية، وأخبرنا أنه سيتم التحقيق معهم في اليوم التالي بأحد معسكرات قوات الأمن وسيتم إبلاغنا بمكان انتقال النيابة للتحقيق في الصباح الباكر.
الحلقة الثالثة: يوم 27 يناير 2015 توجهت في الصباح إلى نيابة قصر النيل لمعرفة مكان التحقيق مع الشباب والفتاة الوحيدة بالمحضر وبعد انتظار لأكثر من ثلاث ساعات قابلت رئيس النيابة وعلمت أن عدد ١٩ وكيلًا للنائب العام سوف ينتقلون إلى معسكر قوات أمن طرة للتحقيق مع الشباب، وبالفعل انتقل أعضاء النيابة العامة وانتقلت مع مجموعة من المحامين للمعسكر وبعد دخول أعضاء النيابة قمنا بتجهيز قائمة بأسماء المحامين الذين سيحضرون التحقيقات مع الشباب، ولكن فوجئنا بأن النيابة تخطر قوات الأمن على البوابة الأولى للمعسكر أنها تريد دخول 10 محامين فقط للحضور مع الشباب المقبوض عليهم، وهو ما قوبل بالرفض من المحامين جميعًا، وقمت بالدخول أنا واثنين من الزملاء المحامين لمناقشة النيابة في ضرورة حضور جميع المحامين باعتباره حقهم وحق المقبوض عليهم قانونًا في الدفاع والتمثيل، وهو ما قوبل بالرفض وأبلغونا نصًا "هما بس 10 محامين اللي هيدخلوا ولو مش عايزين ما تدخُلوش" وهو ما رفضناه، جميعا، كمحامين، وقمنا بإرسال تلغرافات وبلاغات للنائب العام بمنعنا من دخول التحقيقات مع الشباب المقبوض عليهم وعدم تمكيننا من الحضور، وهو ما يعد إخلالًا بالحق في محاكمة عادلة ومنصفة وتمكين المحامين من ممارسة عملهم وتمكين المقبوض عليهم من الحصول على كافة حقوقهم المكفولة لهم طبقًا للدستور وقانون الإجراءات والعهد الدولي لحقوق الإنسان.
وبعد إصرار المحامين على الدخول وإلا سيتم الانسحاب وعدم دخول أي محامي سُمح بدخول 27 محاميًا ومحامية إلى المعسكر لحضور التحقيقات، ولكن إمعانًا في التعسف دخل المحامين بعد التحقيق مع مجموعة من المقبوض عليهم دون حضور محام معهم، بعد دخول المعسكر عادت بي الذاكرة إلى لحظات حضور التحقيقات بمعسكر قوات أمن السلام منذ عام مضي بتاريخ 29 ديسمبر 2013 عندما تشرفت بحضور التحقيقات مع مجموعة من الطلاب تم إلقاء القبض عليهم من جامعة الأزهر، نفس المشهد لم يختلف سوى قليلًا نظرًا لكثرة عدد أعضاء النيابة هذه المرة، وكانت التحقيقات هذه المرة عبارة عن الآتي: "ثلاثة أماكن خاصة بأعضاء النيابة والمقبوض عليهم والمحامين، غرفتي تحقيق لأعضاء النيابة ومكان آخر عبارة عن صالة حوالي 15 متر ومكتوب على بابها "مكان ميس الضباط"، أي الغرفة الخاصة بمكان تناول الضباط للطعام، وكان بها حوالي 10 من أعضاء النيابة العامة يباشرون التحقيقات بحضور المحامين والمقبوض عليهم وسكرتير التحقيق"، لم يستغرق التحقيق مع الـ 79 شابًا وفتاة سوى ساعة أو ساعة ونصف تقريبًا، ليصدر القرار بعد ذلك في التحقيقات بالحبس أربعة أيام على ذمة التحقيقات لجميع المقبوض عليهم.
غياب تام لحقوق المقبوض عليهم في محاكمة عادلة ومنصفه طبقًا لنصوص المواد، وفي غياب تام لأي مظهر من مظاهر الآدمية والإنسانية واحترام كرامة المواطن، وجدير بالذكر أن معظم الشباب في حالة جيدة ولا يظهر عليهم علامات تعذيب، إلا رجل يتعدي عمره الـ 60 عامًا ظهر عليه علامات تعذيب، بالإضافة لشاب في العشرين أيضًا، وتم إثبات كل تلك الانتهاكات في محاضر التحقيق وإثبات أثار التعذيب التي ظهرت على الرجل والشاب وتم إثبات طلب تحويلهم للمستشفي لمعالجتهم وإثبات ذلك التعذيب.
حلقات غياب العدالة في مصر هي جزء من حلقات كثيرة في قضايا كثيرة تنبئ عن مدى التدهور الذي وصل إليه حال تطبيق القانون والعدالة في مصر.
#أهلا_بكم_في_معسكر_قوات_أمن_طرة
#أنعي_لكم_العدالة_في_مصر
آراء أخرى
شادي حبش.. نقطة فاصلة تنتهي عندها الدائرة
«ما لم يحسبه مُقرِر اعتقال شادي منذ 26 شهرًا، أن تكون وفاته في محبسه لها كل هذا الأثر.»
تدوينة: ابن موت
«هكذا ينفذ براح الذات، هكذا مات شادي.»
مستعمرات الكربون وعقد جديد أخضر
«هل سنقول للأجيال القادمة أننا خسرنا 10 أو 15 أو 20 عامًا حاسمة أمام هذه الأنظمة البالية؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد