العدالة الآن: ماذا تعلمنا عن مكافحة العنف الجنسي داخل المؤسسات؟ (3)
في كتابها الصادر قريبًا، «الشكوى!»، تذكّر الباحثة النسوية، سارة أحمد، القارئ بما كان سيبدو في عالم آخر واضحًا للغاية: أن عبء الشكوى من العنف الجنسي يقع بالأساس على عاتق الناجية/الضحية. وفي محاضرة بعنوان «لاحظ الفجوة! الشكوى كمنهج كويري»، والتي ألقتها في مجمع الفنون Hebbel am Ufer (HAU) في برلين، في صيف عام 2019، أوضحت سارة كيف أن المؤسسات، خاصة الأكاديمية منها، موبوءة بعدم الجاهزية، وغير راغبة دائمًا في التعامل مع الاضطراب الذي تأتي به اتهامات العنف الجنسي. هؤلاء اللواتي يعلنّ شكواهن، الرسمية أو غير الرسمية، تتحملن كلفة استغراق المؤسسات وقتًا مبالغًا فيه لتتعلم مواجهة العنف المعلن عنه. وليس هذا فحسب، ولكن هؤلاء اللواتي تشتكين، توصمن لاحقًا بتقويض السلام وعرقلة انسياب العمل داخل المؤسسات.
عندما دعانا إسماعيل فايد لنلتقي معًا، في ندوة برنامج العضوية في «مدى مصر»، لنتأمل الموجة الأخيرة لمقاومة العنف الجنسي في مصر، والتي ظهرت خلال صيف 2020، كنت قد مررت لتوي بمفاوضات موجعة للقلب مع منظمة مجتمع مدني حول خططهم لمواجهة اتهامات العنف الجنسي. وقد جعلتني التجربة أعيد التفكير في كيف تشتبك تلك المنظمات مع عمل النسويات في مكافحة العنف الجنسي. لقد اهتممت بهذا الموضوع لعدة سنوات الآن، ليس بالضرورة نتيجة الإيمان بأن نظم العدالة البديلة أقدس من غيرها، أو أكثر انصافًا، ولا حتى نتيجة الإيمان بأن وعودها دائمًا ممكنة. لقد تعاملت نتيجة قناعة بأن هذه المؤسسات يُحتمل أن تتمكن من حماية بعض النساء وأعضاء المجتمع الكويري، الأكثر عرضة للأذى، من المعايير والممارسات العنيفة التي تعتنقها الدولة، حول الجندر بصفة عامة، وفي حالات العنف الجنسي بصفة خاصة. فيمكن لهذه المؤسسات، نظريًا على الأقل، أن تقدم بصورة ما بديلًا محتملًا أمام تلك المؤسسات التي ترغب في إعفائها من صعوبات إبلاغ الدولة عن العنف الجنسي. كما أنّي لا زلت آمل أن منظمات المجتمع المدني يمكن أن تتخذ إجراءات عقابية سريعة وفورية ضد مرتكبي العنف الجنسي، والتي عند الحاجة، يمكن أن تؤثر على معيشتهم. وقد تجعل مسألة المعيشة تلك نظم العدالة البديلة أقل مسرحية، وأكثر اعتمادًا على اقتصاد سياسي نقدي؛ تستشعر فيه المقاربات الإصلاحية الكلفة المعنوية والمادية التي تتحملها الضحايا/الناجيات، وأهمية تضمينها في ممارسات العدالة.
فيما أكتب هذه السطور الآن، أدرك، عقليًا على الأقل، إن لم يكن بشكل عاطفي، أن الوجع الثاني الذي تلا ندوة «مدى مصر»، يجعلني أكثر تصميمًا على التفكير في مستقبل شكاوى العنف الجنسي. رؤية شاهدة قضية الاعتداء الجنسي في فندق الفيرمونت، محتجزة خلف القضبان، لتقدمها لدعم بلاغ الضحية/الناجية إلى الشرطة، كانت ولا تزال وجعًا حقيقيًا. ليس وجع الفيرمونت ضئيلًا. وليس وجعًا يمكن لأحدنا تجاوزه بشكل مباشر وبسيط. لقد كانت ولا تزال، ربما واحدة من أكثر الوقائع الصادمة التي مرت بها المجموعات النسائية المصرية المهتمة بالعدالة الجندرية؛ فكانت آثارها المباشرة واضحة في الصمت الذي ولدته لأسابيع بين كثيرات، جاعلة الكتابة عن العنف الجنسي، وهي بالفعل مسعىً ثقيل، أكثر هشاشة وإيلامًا.
برغم صعوبة التفكير على وجه مستقيم في أعقاب القبض على شهود قضية الفيرمونت، فإنني عندما أدفع نفسي للمحاولة، يبدو لي أن ما تبين أثناء المناقشة بندوتنا في «مدى مصر» لا يزال باقيًا، إن لم يكن قد أصبح أكثر صلة بالواقع. واحد من الهموم الرئيسية التي تشاركتها مع آخرين خلال مناقشاتنا في «مدى مصر»، دار حول استيلاء البيروقراطية، وأحيانًا الشوفينية الساذجة لأعضاء منظمات المجتمع المدني الذين يتصدرون مكافحة العنف الجنسي، على نضالات النسوية، لغتها، وتكتيكاتها ومنطقها. تعاملاتي السابق الإشارة إليها طوال الصيف مع منظمة المجتمع المدني بينما تتعامل مع الشكاوى، جعلتني على وعي متزايد بأننا في تقاطع حرج؛ تقاطع تستبدل فيه المقاومة السابقة والعرقلة للعمل النسوي ضد العنف الجنسي، بالاستيلاء على رموز واستراتيجيات هذه المجموعات النسوية نفسها. وأنا أعني بالاستيلاء هنا تبنٍ للغة النسوية (على سبيل المثال، أن عملية التحقيق في العنف الجنسي تحتاج إلى أن يكون محورها الضحية/الناجية، وأن تحاول الطموح إلى ما يشبه العدالة التحويلية)، وتكتيكاتها (كمثال، وجود لجان مستقلة لكل من دعم الناجية/الضحية والنظر في الشكاوى)، ومنطقها (أن العنف ضد النساء والكويريين طاغٍ ويحتاج إلى تدخل سريع)، ولكن دون الالتزامات تجاه محاسبة أوسع، وتواضع قد يجعل هذه العمليات تحويلية بحق. هناك بالطبع أيضًا استيلاءً على هذا النضال على مستوى الدولة، ولكن هذا يخرج عن نطاق المقال.
بعبارة أخرى، ثمّة مخاطرة بأن يُفرّغ المبدأ الجذري وراء كثير من السياسات الحماسية ضد العنف الجنسي من محتواه، بينما ينتقل خلال عوالم وانسدادات ديناميكيات السلطة في منظمات المجتمع المدني. وهذا ليس جديدًا. تاريخيًا تم احتواء موجات الحملات الناجحة للعدالة الاجتماعية، محليًا وعالميًا، من خلال الاستيلاء المباشر على أدواتها ورموزها. أو ببساطة، بمرور الوقت، عندما تصبح مؤسسات بيروقراطية.
لا تنسوا أنني وكثير ممن شاركوا في المناقشة في «مدى مصر»، لا زلنا نعتقد أن نشر لغة وتكتيكات ومنطق النسوية حول العنف الجنسي بين جمهور أوسع وفي هذه المنظمات، هو نصر كبير ينبغي الاحتفال به. لقد دفعت النساء والضحايا/الناجيات ثمنًا باهظًا للغاية حتى يعترف الجمهور الواسع بالمبادئ الأساسية لخبراتهن وبمطالبهن. ليس هذا أمر يمكن تنحيته جانبًا ببساطة. إن أملي ليس في بخس قيمة أثر هذا العمل الجماعي. فقد يسمح لنا الوقت، ربما، بأن نقدّر الحقائق الجديدة التي صاغتها النساء وضحايا/ناجيات العنف الجنسي، وحولناها إلى معيار.
إنني أيضًا مدركة، مع ذلك، أن التعليم يستغرق وقتًا. وأنه حتى تجعل المؤسسات العمليات التي تبنتها تعكس بحق مبادئ النضالات التقدمية خلفها، فإنها تتطلب الكثير من التعليم، العمل والاستثمارات، ولكن أيضًا الكثير من المحاسبة والتواضع. وهذا تحديدًا ما يخيفني ويذكرني بادعاء سارة أحمد أن عبء الشكوى من العنف الجنسي يقع دائمًا في النهاية على كتف الضحية/الناجية. إن هذا هو ما يجعلني أشعر بالاضطرار إلى الاشتباك أكثر مع السؤال عن كيف نحمي تلك الانتصارات الهامة والهشة التي حققتها الضحايا/الناجيات.
يتم التفكير في العنف الجنسي، بشكل متزايد، على أنه أزمة ينبغي «إدارتها» بدلَا من أنها أزمة تتطلب إعادة التفكير في ممارساتنا اليومية لعملنا، أزمة تتطلب كثيرًا من التواضع للاعتراف بأن التعلم الذي نحتاج إلى القيام به جميعًا ضخم، قبل أن نتمكن من ادعاء أننا قدمنا العدالة إلى ضحايا العنف الجنسي. بعبارة أخرى، أرغب في أن أسأل: ما الذي يعنيه القول إن عملية ما تقودها المعرفة بالصدمة، أو محورها هي الناجية ولكنها، على سبيل المثال، لا تُنشئ لجان تحقيق بهذا المنطق من خلفها، بحيث يوجه تشكيلها وتكليفاتها؟ كيف يمكن للجان محور اهتمامها هو الناجية، أن يظل المتوقع منها أن تحاكي النظام القانوني الأعمى تجاه اللامساواة الجندرية وديناميكيات السلطة؟ ما الذي يعنيه القول إن عملية ما تحويلية، عندما، على سبيل المثال، تعيق محاولات «إدارة» الاستجابات لشكاوى العنف الجنسي، المستويات المطلوبة للعمل على التوافق لإفهام جميع المشاركين عمق جرح العنف الجنسي؟ كيف يمكن لأحد أن ينخرط في عملية تحويلية، وفي نفس الوقت يخرق السياسات التي وضعتها المنظمة لتحقيق هذه العملية؟
لقد أصبح من السهل المساواة بين مكافحة العنف الجنسي وإنشاء لجان التحقيق للنظر في الشكاوى. وهذه المقاربة برغم نواياها الطيبة تخاطر بتفريغ مكافحة العنف الجنسي من السياسة التي تمنحها معناها. إنها تخاطر بجعل نضالات مكافحة العنف الجنسي مسرحية. العنف الجنسي لا يحدث في فراغ. إنه يحدث في مساحات تعج بافتقاد المحاسبة، حيث تُطبًّع كل أنواع العنف، الطبقي، والجندري، والعنصري، والديني، والجنسي. ولا يمكن بالتالي مواجهتها دون الاعتراف بأننا في حاجة إلى مجتمعات قابلة للمحاسبة، قبل أن نتمكن من ادعاء مكافحة العنف الجنسي في منظماتنا. إن المجتمعات القابلة للمحاسبة تنظر في منطق وممارسات التوظيف، الفصل من العمل، الترقية، وسياسات مكان العمل للمنظمات. إنها تقدّر العمل الإصلاحي الذي يمكن إنجازه مع محدودية الموارد، الوقت، والمهارات، والحريات المتاحة. وهي تُقيّم الآثار بعيدة المدى للممارسات التي تبنتها على مجمل ديناميكيات العدالة والسلطة داخل هذه المنظمات. وفي الغالب تتطلب قابلية أوسع للمحاسبة يصعب تحقيقها: مثل تحدي سلطة نفس هؤلاء المسؤولين عن تحقيق العدالة في منظماتهم. إنشاء لجان التحقيق وحده، دون أن يتبعها ممارسات أوسع للمحاسبة، يخاطر بإضافة مزيد من الأوجاع إلى سلسلة الأوجاع التي قد تركت علاماتها على تاريخ العمل النسوي.
دعوتي إلى التواضع، وإلى الاعتراف بالوقت والموارد اللازمين في عملية التعلم عن العنف الجنسي، يمكن أن تبدو إما حالمة أو انهزامية. وأتمنى ألا تكون أيً منهما. مقصدي بسيط. وربما ليس هو حتى مقصدي أنا. إن عبء إعلان الشكوى يقع على الناجية/الضحية كما تخبرنا سارة أحمد بشكل موجع، ومن ثم تحتاج استراتيجياتنا أولًا، وقبل أي شيء، إلى أن تكون متجذرة في هذه الحقيقة وملائمة لها. لا يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن «تتعامل» فحسب مع العنف الجنسي بعقلية إدارة موقف متأزم.
إن هذا تحديدًا هو ما يجعلني أفكر أن العمل النسوي على المحاسبة داخل مؤسسات المجتمع المدني ليس منفصلًا عن العمل المُنجز في دوائر أخرى، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في تسمية وفضح الجناة، والذي تزايد أيضًا خلال صيف 2020. التسمية والفضح يعملان تحديدًا لأن الأدوات التي لدينا لتحقيق العدالة في حالات العنف الجنسي في منظمات المجتمع المدني، إن لم يكن أيضًا تحقيق الالتزامات، لا تزال ناشئة، ناقصة، وتتطلب من النساء وضحايا/ناجيات العنف الجنسي أن يدفعن كلفة باهظة للتقدم بشكوى. كلفة يتحملنها دائمًا وحدهن، على الأقل حتى نتعلم دعمهن بشكل أفضل. العمل على وسائل التواصل الاجتماعي يعي ويفهم ديناميكيات السلطة المنحرفة بشدة التي تعمل في إطارها المؤسسات. وعلى عكس ما قد يعتقد كثيرون، لا يحل العمل داخل المؤسسات على مكافحة العنف الجنسي، محل العمل بالتسمية والفضح، وهو بالتأكيد ليس أكثر قداسة. العمل بالتسمية والفضح يعي أن تغيير السياسة حول العنف الجنسي يتطلب سلطة، يتطلب مجتمًعا، ويتطلب وقتًا.
إنني إذن أرى التسمية والفضح مكملًا للعمل المنجز داخل مؤسسات المجتمع المدني، ممهدًا له في أحيان، بل وفي أحيان أخرى بديلًا عنه، عندما تخذل المؤسسات باستمرار الضحايا/الناجيات. التسمية والفضح لهما أمل هش في عمقهما، أمل يتشاركه هؤلاء الذين يعملون على تحسين استجابة منظمات المجتمع المدني للعنف الجنسي، أمل في أن الناجية/الضحية لا تتحمل، وحدها، كلفة جهلنا الجماعي، وأحيانًا تواطؤنا.
*تُنشر هذه السلسلة ضمن نشاط الموائد المستديرة في برنامج عضوية مدى مصر، لمعلومات أكثر عن البرنامج برجاء الضغط هنا.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد