الصوم و«المكافأة»: خريطة الرغبات الإنسانية في رمضان
في رمضان يتزايد تعاطي المخدرات بشكل ملحوظ، ويتزايد معه عدد المدمنين الذين يموتون بجرعات زائدة أو يدخلون المستشفيات.
نحن، العاملين في هذا المجال، نعرف ذلك، كما نلاحظش أيضًا أن ارتياد الشباب لبيوت الدعارة يزداد، وينشط عمل تلك البيوت في رمضان أكثر من سائر الأوقات، وقد سجلت تقارير الشرطة هذا أيضًا، عن طريق ازدياد عدد محاضر الآداب في رمضان. ويشير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى كون معدلات الجريمة ترتفع في رمضان بالذات، بنسبة تتراوح بين عشرين وثلاثين في المائة، عن غيره من أشهر العام.
كل تلك الملاحظات استقيتها على مدار سنوات طويلة من عملائي في العيادة والأماكن الأخرى التي عملت بها من مستشفيات ومراكز تأهيل مدمنين، كما شاركني فيها زملاء المهنة والمدمنون أيضًا. أحد الشباب يخبرني بنفس المعنى: «المخدرات بتبقى أحلى في رمضان، نفس الضرباية لكن في رمضان غير... يمكن عشان الممنوع مرغوب.»
اعتدنا، نحن الأطباء والمعالجين النفسيين، تفسير ذلك الانفجار في السلوكيات غير المشروعة بالتراخي الأمني في الشهر الفضيل وصيام الضباط والجنود، وبالتالي انتشار تلك الممارسات غير القانونية، ولكني بدأت أعيد النظر في الموضوع عندما بدأت ألاحظ كميات الطعام التي يلتهمها الناس في رمضان، والتي تبلغ أضعاف ما في غيره من الشهور، وكذلك نوعيات الأكل التي يقبلون عليها، والتي تختلف عن غيره من الشهور، مثل المخللات والمكسرات، وأنواع الأكل الحريفة والطعام ذي السعرات الحرارية والدسم العالي مثل المحاشي واللحوم الحيوانية والطيور وغيرها، وهي الأكثر ارتباطًا بالمتعة والإثارة منها بالإشباع وتعويض الصوم النهاري، بالإضافة لارتباط الأكل بطقوس ترفيهية واحتفالية مثل الأكل على عربيّات الفول في الشوارع، وحضور حفلات الغناء والاحتفاء بالتجمعات والتواصل الإنساني.
في مخنا جهاز اسمه «مسارات المكافأة.. Brain reward system»، وهو نظام اتصالات خاص بأنشطة اللذة في حياتنا، وهو ما يحفّزنا على القيام بالأنشطة المختلفة التي تثير تلك اللذة، ويعمل من خلال نظام ألياف عصبية منتشرة في المخ تفرز «موصلات كيميائية.. Chemical Neurotransmitters»، كالدوبامين وغيره، وتعمل تلك المواد الكيميائية على إثارة «المستقبلات.. Receptors» داخل المخ، وهي ذات حساسية خاصة، ولكل مادة كيميائية مستقبلاتها الخاصة.
تعتاد تلك المستقبلات المواد الكيميائية التي تعمل على إثارتها، ما يحول علاقتنا بالأنشطة الممتعة إلى عادة، فالطعام يصبح أمرًا روتينيًا لا طعم له، ويتحول الجنس إلى واجب زوجي
هذا الجهاز ينشط لكي نشعر باللذة، ويزداد نشاطه عندما نأكل أو نمارس الجنس أو نتعاطى المخدرات أو نتواصل اجتماعيًا، وهو الجهاز الذي يولّد المتعة في أمخاخنا ويدفعنا إلى تكرار تلك الأنشطة الممتعة، حتى لو كانت ضد منطقنا في التفكير، لأنه أحيانًا يكون أقوى من التفكير المنطقي الواعي الذي يقع في الفص الأمامي للمخ، لذلك يدفعنا أحيانًا لفعل أشياء نعرف بوعينا أنها مضرة، مثل التهام كميات ضخمة من الطعام، أو تعاطي المخدرات بأكثر مما يفوق قدرتنا على التحمل.
لكن مشكلة هذا الجهاز تكمن في تناقص نشاطه مع تكرار الفعل، وذلك لأن المستقبلات تفقد حدة حساسيتها، وهو مايسمى بـ«التعود» أو «التحمل»، حيث تعتاد تلك المستقبلات المواد الكيميائية التي تعمل على إثارتها، ما يحول علاقتنا بالأنشطة الممتعة إلى عادة، فالطعام يصبح أمرًا روتينيًا لا طعم له، ويتحول الجنس إلى واجب زوجي نرتاح لعدم وجوده ونحمل همَّه إذا حضر، ويفقد متعاطو المخدرات الشعور بلذة التعاطي الأولى، بل يشعرون بالتعب والأعراض الانسحابية ويحتاجون لمضاعفة الجرعة لكي يحصلوا على نفس التأثير السابق على المستقبلات العصبية، أو على الأقل لكي يتوقف التعب.
ولتجاوز تلك المشكلة يجب شحذ تلك المستقبلات من فترة لأخرى، كمن يجليها ويرفع عنها الصدأ كي تزداد حساسيتها، وبالتالي يلجأ بعض المدمنين إلى الانقطاع الذاتي عن التعاطي بدون مساعدة طبية، أو يلجأون حتى لدخول المستشفيات أحيانًا فترات من الزمن، لأنهم لم يعودوا يستمتعون كما في السابق، وبعض المتزوجين يأخذون أجازة جنسية ليتمكنوا من مواصلة نشاطهم الجنسي مع زوجاتهم، كما نجد أنفسنا نعزف عن الأكلات التي كنّا نحبها دون فهم السبب.
ما الذي يحدث إذن في أمخاخنا أثناء صيام رمضان؟
ولأن جهاز المكافأة لايعرف «الحرام» و«الحلال»، كما لا يميّز بين القانوني وغير القانوني، فإن استثارته تتجه أيضًا صوب الجنس والمخدرات، بالإضافة للأكل
يبدو لي أن تعريض الناس أنفسهم للجوع والعطش المستمرين لساعات طويلة، يضع المستقبلات العصبية في حالة حساسية شديدة ويضع جهاز المكافأة في أعلى درجات تحفزه، كما ينشط «الجهاز العصبي السمبثاوي.. Sympathetic nervous system»، وهو الجهاز الذي يثير أجسادنا ويضعها في حالة الاستنفار القصوى عندما يشعر بالـ«خطر»، مثلما في حالات الجوع الصيامي، وهو المسؤول عن الإثارة الجنسية الظاهرية مثل انتصاب القضيب، كما أنه المسؤول عن نوبات الغضب والعراك والاعتداءات المختلفة الشديدة المنتشرة في نهار رمضان.
أكدت أبحاث علمية أن الصيام يحفّز جهاز الشهية في المخ على الأكل بشراهة غير تقليدية، وبأنواع غير معتادة، وبالذات تلك الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية، كما أظهرت كتابات أخرى أيضًا أن ارتفاع الرغبة الجنسية والقدرة على الانتصاب يزيدان في أوقات الصيام أكثر من غيره، وقد اعتدنا نصح المدمنين بشرب عصائر محلاة لإيقاف الرغبة الشديدة في التعاطي، وهي الرغبة التي يسميها بعض المدمنين بالـ«شعوذة»، وتنتاب المدمن عندما يجوع.
ولأن جهاز المكافأة لايعرف «الحرام» و«الحلال»، كما لا يميّز بين القانوني وغير القانوني، فإن استثارته تتجه أيضًا صوب الجنس والمخدرات، بالإضافة للأكل، حيث يعد الثلاثة بمثابة «توائم الروح» بالنسبة لهذا الجهاز.
في دراسات أخرى جرت باستخدام تقنيات حديثة لفحص المخ، وجد الباحثون أن بعض الأنشطة الروحية، مثل الصلوات الممتدة التي تتكثف في ليالي رمضان، تثير جهاز المكافأة أيضًا، وتضخ الدوبامين في جهاز المكافأة، كما يفعل كل من الأكل والجنس والمخدرات والتواصل الاجتماعي.
«جهاز المكافأة» ينشط إذن في المخ نتيجة للصيام، وتنشط معه مشاعر وسلوكيات وتوجهات كثيرة بل ومتضاربة، مثل الصلاة والأنشطة الروحية والتواصل الاجتماعي، إلى جانب الرغبة الجنسية واشتهاء الطعام والمخدرات، وفِي نفس الاتجاه تنشط أيضًا الرغبة في الممارسات الاجتماعية، مثل الاحتياج للقاء الناس، حيث تقام الولائم والعزائم وتُمد موائد الرحمن في كل مكان، ما يشعرنا بمتعة عظيمة تفوق أي متعة أخرى.
آراء أخرى
تأملات رمضانية: ثنائية التدين والفساد
«تثبت المقارنات أن نظم الحكم هي المسؤولة عن الإصلاح والتقدم، وليس الشعوب»
يوميات السجن – الحياة العادية للمسجون العادي (حلقة 4)
«كنت أقف على الباب الحديدي محاولا لمسه بجسمي حتى أتمتع ببعض البرودة»
تدوينة: في هجاء الواجبات الاجتماعية
«دائمًا ما أستقبل شهر رمضان بالكثير من التوجس، خوفًا من العزومات التي يصعب الهرب منها. عزومات رمضان، التي اعتدتها عند بعض الأقارب أو أصدقاء الأهل الذين…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد