تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الحياة في كمبوند.. لعنة المدينة وأطرافها

أميمة صبحي
12 دقيقة قراءة
الحياة في كمبوند.. لعنة المدينة وأطرافها

كل ما أقوله الآن، إنني سأعود إلى القاهرة، ولو بعد حين.

بدأت الحكاية منذ عدة سنوات، تحديدًا بعد تعلمي السواقة وامتلاكي سيارة، أصبحت كل الهواجس التي تدور حول بيتي لها علاقة مباشرة بإيجاد مكان يمكنني ركن سيارتي به. كلما فكرت في بيت جديد نظرت حولي، لكن أين سأركن السيارة؟ الأمر قد يبدو تافهًا لكنه فعلًا قطعة من الجحيم أن تعود إلى شارعك بعد يوم طويل ومرهق من العمل ومناوشاته ثم القيادة في شوارع القاهرة التي تعلمك ببطء أن تشهر جميع أسلحتك في وجه السائق الزميل بجوارك أو أمامك أو ورائك حتى تستطيع أن تنفذ من بين الجموع سليمًا معافيًا دون أن تفقد أعصابك أو تحك سيارتك، وبعد كل ذلك، وأكثر، لا تجد مكان لتركنها به وتظل تدور في الشارع ثم توسع دائرة البحث للشوارع المجاورة ثم المتفرعة منها، إلى أن تنسى أين أنت من بيتك، وتدور العمليات الحسابية في رأسك عن المسافة التي عليك قطعها لتعود إلى البيت إذا تركتها هنا وهي نفس المسافة التي ستعود وتمشيها في الصباح لتذهب لعملك، عن الشوارع التي عليك قطعها وأي الطرق الجانبية الأصلح لاختصار الطريق. أعرف أصدقاء يرسلون «لوكيشن» ركن السيارة لأنفسهم على الواتس آب حتى لا ينسوا مكانها بعد عودتهم للبيت أخيرًا، وتصبح السيارة هنا ورطة فوق الورطات التي تسبح بها أصلًا. أين أذهب بالسيارة؟ هل أكلها؟

هناك «لزمة» دائمة عند أبطال مسلسل «ساينفيلد» عن الركنة المثالية في المدينة التي قد يحظى بها صاحب السيارة. وأن هؤلاء لن يتركوا هذا المكان أبدًا، لا ليذهبوا إلى أعمالهم، ولا إلى الطبيب، ولا لزيارة أسرهم، ولا لأي سبب، مجرد أن تجد تلك الركنة لن تحرك سيارتك بعدها أبدًا وإلا أصابك الندم لأسابيع طويلة.

وهكذا، هذا الأمر الذي قد يبدو خفيف الظل في البداية لأسرة تعيش ضمن نظام الإيجار الجديد وتضطر إلى تغيير مسكنها كلما انتهى العقد، أو كما في حالتي، تغير مسكنها كلما أصابتها الكآبة ووجدت ضرورة للتجديد، فتنتقل. أبحث عن بيت جديد أبحث داخل جدرانه عن مكان لأثاثي بأكمله وضمن «باكيدج» البحث أدرس المنطقة جيدًا لأجد مكان لسيارتي، «بتركنوا فين هنا؟»  

كان السماسرة لا يصدقون سؤالي، أبي لا يستوعبه رغم أنه رجل لا يتحرك أبدًا من دون سيارته ويحفظ لها مكان دائم تحت بنايته لا ينازعه أحد به، لكن لا أحد يفهم. في إحدى المرات التي فكرت فيها بالانتقال داخل القاهرة، رأيت 20 شقة في 20 منطقة سكنية مختلفة، وسكنت في الشقة العشرين.

لم يكن الأمر هين، القاهرة ليست هينة حتى على أهلها وأنا منهم. تنعمت عمري بأكمله بشوارعها حتى قررت أن أعيش على أطرافها على أن أهبط للازدحام وقتما أشاء، لكنني لن أكون جزءًا منه بعد ذلك.

في الشقة الـ20 كما أحب أن أطلق عليها، وجدت مكانًا لكل ما لدي من أثاث، كان بيت لطيف يقع بين شارعي عباس العقاد ومكرم عبيد، في قلب القلب الخاص بشرق القاهرة، ذروتها كما أرى. أدخل في زحام عباس العقاد وانحرف يسارًا لأكون في شارع هادئ، أو أدخل مكرم عبيد وانحرف يمينًا، وفي كل مرة لا أجد مكان للسيارة. في كل يوم يتناهى إلى مسامعي ازدحام الأوتوستراد على الطريق الخارجي، ارتطام الميكروباصات واشتباكات ميدان الساعة الذي لم يعد له وجود حاليًا.

أجد نفسي محظوظة لأني تركت هذا البيت قبل كل التغييرات التي أصابت مدينة نصر، أصبت بلعنة المدينة، خاصة شرق القاهرة لكن عن بُعد، أو بالأحرى لم أشرب كأسها يوميًا، شربته جرعات كبيرة لكن على فترات متباعدة، وكان لي في أقصى الشرق حكايات أخرى وكؤوس أخرى لأشربها.

انفصلت نهائيًا تقريبًا عن القاهرة في 2016، بعد ولادة ابني الثاني، وبداية رحلة البحث عن نوادي ومدارس وأنشطة لابنتي الكبرى. الآن أصبح هناك أسرة حقيقية وأطفال وأماكن لا بد من التردد عليها بشكل يومي ولظروف حتمية وقتها كنت أنا المسؤولة عن كل هذا بشكل أساسي، أنا من سأتردد بصحبة طفلتي ذهابًا وإيابًا ولا بد من أماكن قريبة ومناسبة لوقتي وقوة تحملي وطاقتي.

فبدأنا رحلة طويلة لكنها ليست بنفس طول رحلة البحث عن بيت داخل القاهرة نفسها. لم أر حينها 20 شقة أو غيره، مجرد زيارة لحي العبور وأخرى لمدينتي حسمت الاختيار لصالح الأخيرة، ليس لشيء بالنسبة لي إلا لوجود مساحات خضراء واسعة فيها، وهو ما نفتقده كثيرا داخل المدينة، وهذا الافتقاد كان وقتها طبعًا رفاهية مقارنة بما نعانيه حاليًا.

هنا يمكنني التحدث عن لعنة المدينة التي أصابتني. زرت مدن كثيرة أثناء سفري للخارج، وفي كل مرة كانت القاهرة هي المكان الذي أقيس عليه كل شيء. من داخلي أعرف أن هناك شيئًا مريحًا كوني قاهرية، هذا يساوي تمامًا إمكانية التعامل مع أي مدينة أخرى في العالم، الهند؟ البرازيل؟ المكسيك؟ أشيح بنظري ولا أهتم. لا أريد أن أتكلم كثيرًا لكنه مدخل لا بد منه لما هو آت..

القاهرة مدينة عظيمة ومزدحمة ومرهقة وملوثة بكل هذا التحرش والدوشة والمخاطر والمغامرات والمواصلات، بكل درجاتها وشوارعها وحواريها وأزقتها وطبقات الناس ومستوياتهم، وكل أنواع الطعام وأشكال المطاعم وعربيات الفول والكبدة بل وعربيات مخصصة للبطاطس المحمرة فقط لا غير. بيوتها الآيلة للسقوط مقابل العمارات الفاخرة القبيحة المصطفة في الجهة المقابلة من الشارع. كل شيء ببساطة متجاور هنا في تناغم عجيب. فتجد نفسك تبتسم في سخرية وأنت في أي مدينة أخرى في العالم حين يقال لك «خلي بالك وأنت بتعدي الشارع! »، أي شارع؟ ونحن نسير كالبهلوانات على أحبال واهية في شوارع القاهرة. في أي مكان في العالم يمكن للقاهري أن يعيش وينام ويركب مواصلات ويأكل ويشرب ويعالج ويمشي ويسهر ويذهب من شرق المدينة لغربها مرتين يوميًا وعندما يستقر في بيته أخيرًا يكون ما زال لديه الطاقة ليحضر عشاء خفيف ويرى فيلمًا في السهرة قبل النوم. وهذه هي لعنة المدينة التي عرفتها لاحقًا. 

لم تكن مرحلة الكمبوند أو العزلة إذا أردنا التحري سهلة. لكنني انغمست بها سريعًا لأنها مناسبة لوجود الأطفال، المدرسة قريبة لكنها على طريق سريع، حسنا لا بأس، يمكنني على الأقل أن أكون هناك في 15 دقيقة، لو كنت في قلب القاهرة كنت سأقضي يومي ذهابًا وإيابًا فقط. النادي في الشوارع المجاورة بحيث يمكن للتمرين أن يكون في السابعة، فنتحرك في السابعة من البيت ونصل هناك في السابعة، يبدو الأمر نكتة فلسفية عميقة خاصة بلعبة الوقت. نعم هي لعبة نلعبها هنا. عشت سنوات سابقة في مدينة ساحلية صغيرة وكنت ألعب هذه اللعبة أيضًا بدافع الملل، التغلب على الوقت الوفير بتضييقه للحد الأقصى.. ويبقى وفيرًا رغم ذلك.

لكن، في الليل، بعد نوم الأطفال، لا يبقى غيري، أنا والعدم. الشوارع أمامي منبسطة بالهدوء والشجر المورد. كل شيء جميل، المباني أوروبية الشكل، الشوارع الواسعة، الهدوء ونقف هنا قليلًا، لأنك كقاهري لن تستطيع النوم في هذا الهدوء القاتل في البداية، ثم لن تستطيع النوم إلا به، ستفقد أحد مزاياك كابن للمدينة، كابن للازدحام، لن تمر سيارات متشاحنة أسفل شباكك، لن تسمع صوت شباب يتسامرون على الناصية، لن ينادي بائع على بضاعته في الصباحات المبكرة. لن تسمع إلا صوت الهدوء، في حالتي كنت أوقات أسمع أصوات السيارات المارة من بعيد، أكاد أجزم أن تلك الأصوات كانت تأتيني من على طريق السويس نفسه الذي يبعد كيلومترات عني، يبدو الأمر مبالغ فيه لكنه حقيقة.

مع الوقت تفقد بريقك شيئا فشيء. ستذهب للسوق؟ لا أسواق هنا، إنما مولات بها محلات للخضروات والفاكهة وبعض محلات السوبرماركت المتناثرة، ستجد الناس هناك بهيئة من يتحضر للقاء شخص ما، بينما لم أتنازل أنا أبدًا عن نزول هذا المشوار بشيء سوى بشبشبي الصغير وملابس بسيطة. لن أتطبع بأخلاق الكمبوند أبدًا، لأنها متكلفة ومصطنعة، ولأنه مشوار صغير من أجل الطماطم والبطاطس، ولأنني ابنة الحي الشعبي وجميع الأحياء الشعبية في شرق القاهرة، ولأنني ببساطة أتمرد على أي وضع أجد نفسي بداخله، ولأنه في النهاية سوق مهما غمسته الرأسمالية باهتمامها.

كلما مرت السنوات هناك تكتشف أنك انعزلت بالفعل عن كل ما خارج الأسوار. كنت أتحرك بالسيارة معظم الوقت، لا أركب حتى المواصلات الداخلية الفقيرة التي توفرها شركة طلعت مصطفى. ورغم وجود السيارة إلا أني لا أذهب إلى أي مكان أيضًا! بيني وبين القاهرة حوالي 40 كيلو، انظر للطريق وأقول «إحنا بعدنا أوي!»، لكن لا مجال للدخول إلى الداخل مرة أخرى. ليس بعد أن وجدت ركنة جيدة لسيارتي، أجدها كل يوم ببساطة، أي وقت في اليوم أستطيع أن أركن أسفل عمارتي أو بجانبها، لست في حاجة لتمضية الوقت في اللف حول الشارع وحول نفسي. ابنتي تلعب بالباتيناج بالأسفل، أسمع ضجيجها وأطمئن، ويمكنني قضاء ساعات كآبتي واكتئابي حين يحضر وسط مساحات خضراء هائلة، وسط أشجار تتسلق الزهور على أغصانها والهداهد تلتقط خشاش الأرض بمنقارها الرفيع. ريف مغلف بلمسة رأسمالية هادئة، «كومينتي» كامل حولي. أتذكر دوما الأفلام الأمريكية، حين يقرر الأبطال ترك المدينة لصالح الضواحي، من أجل أطفالهم، من أجل إيجاد مكان يلعبون به بعجلاتهم. يذهبون لعملهم بالقطار ويعودون آخر النهار ليتمتعوا بالهدوء بعيد عن صخب المدينة. هذا قد يصلح لأناس عاديين، لكن في حال كنت فنانًا فأنت بحاجة لهذا الصخب، فأنت ضائع هناك لا محالة.

في مرة، أندهشت من نفسي، حين وجدتني خائفة من ركوب تاكسي بمفردي! كانت صدمة. أنا خائفة من كل ما هو خلف السور. أنا؟ ما أنا! كنت أجوب القاهرة والجيزة في كل أنواع المواصلات، أجدني خائفة هكذا. كأننا نعيش في محمية طبيعية نصبوا سياجًا حولها. يظن الإنسان هناك أنه حمى نفسه، فيما نحن داخل السور والآخرون يشاهدوننا من الخارج. حديقة إنسان.

انعزلت، كما أشرت سابقًا، لكن العزلة كانت كبيرة للدرجة التي أحتاج بها أن أتحدث عنها في أكثر من فقرة. أم لديها طفلين، ليس لديها عملًا ثابتًا، كاتبة ومترجمة لا تكتب ولا تترجم. انسحاب الروح وسط الجناين والحدائق له طعم آخر. إلى أن اضطررت للنقل مرة أخرى.

التجربة الأخيرة في الانتقال من بيت لآخر، لم تكن أفضلهم، إن لم تكن أسوأهم على الإطلاق. كمبوند آخر، في الجوار. أصبح الآن لدينا حياة هنا، مدارس ونوادي وأطفال وهدوء لن أستطيع التخلي عنه وصديقة واحدة لم أستطع أن أندمج مع غيرها في هذه الطبقة الإجتماعية. لكنني الآن من دون سيارة! الركنة المثالية أسفل عمارتي معظم الوقت، شاغرة، تحدق بي في سخرية، وأتجاهلها.

زادت العزلة، وأحكمت حلقاتها. أقرب مكان للخدمات الحقيقية يبعد عني قرابة نصف ساعة مشي، أو أطلب «أوبر»، وأمضي به بين المحلات لأشتري كل ما أحتاج، طفلاي بصحبتي، كلما نزلت لمحل أصطحبتهما بالطبع معي وتركت ما اشتريت من المحل السابق، أراقب السائق خلسة خوفًا أن يمشي ومعه ما أشتريت، فأفقد المواصلة التي ستعيدني للبيت وأفقد المشتريات وأحتاس بطفلين وشنط مشتريات جديدة!

القلق من كل شيء، ألا أجد «أوبر» بسرعة في وقت العجلة، ألا أجده متأخرًا ليلًا لو أحببت النزول لأي سبب. الطفلان كبرا الآن، بدأت في النزول للعمل المنتظم في قلب القاهرة، بيني وبين مكتبي حوالي 50 كيلومتر، كل يوم مغامرة في مواصلات مختلفة. مترو أنفاق وميكروباصات، وأتوبيس، نجرب الأتوبيس الذي يذهب إلى الشروق، أقصى أقصى الشرق، يصطحبني في رحلة تطول لساعة ونصف عبر كل شرق المدينة، أحلق فوق التحرير ورمسيس والعباسية ومصر الجديدة وجسر السويس مستأنسة بصوت أم كلثوم وعرق المصاحبين لي، من حسن حظي أني كنت أركب من موقف عبد المنعم رياض، فأجلس في كرسي من اختياري وأضع وجهي بالشباك حتى لا يحرجني أحد ويطلب مني الوقوف مقابل جلوسه هو بأي حجة.. إنها رحلة طويلة بعد يوم عمل طويل وقبل يوم منزلي طويل آخر، فاصل مرهق بين إرهاق وإرهاق. فلا، لن أقف لتجلس أبدًا.

في كل التفاتة فكرت في العودة إلى القاهرة، «فيها إيه يعني لو سكنت جنب السيدة؟» ثم أنظر لأطفالي، لابنتي التي تتحرك هنا بحرية وتلبس ما تريد، تجري بالباتيناج الذي التقطه لها، تذهب للتمرين في النادي على ناصية الشارع، ابني الذي يركض بالجنينة أسفل العمارة ويلعب كما يحلو له بالكرة. أين في القاهرة يمكننا أن نفعل ذلك؟ أي مكان قد نذهب إليه يحتم عليّ أن أكون بصحبتهما، أن أتولى الأمر بنفسي، أذهب بهما وأعود بهما. كنت وقتها عدت للترجمة وبدأت أعمل كمحررة، لا وقت لدي لمشاوير النادي داخل القاهرة، ثم أين هذا النادي؟ وأين الحدائق التي قد أصطحبهما إليها؟ أين هي القاهرة أصلًا؟ أسير في شرق القاهرة الآن ولا أعرفها، لا أعرف أين أنا تحديدًا في مصر الجديدة! أضيق عيني وأحاول فهم الخريطة الجديدة، اعتبر نفسي ابنة لهذا الحي أيضًا الذي كان أقرب مركز تجاري لمكان معيشتي، كنت أحفظه ككف يدي، الآن أنا تائهة.

في الكمبوند الجديد، المواصلات أكثر فقرًا. لا أعرف الدول الاشتراكية بالطبع سوى من الكتب، لكن هذا الأتوبيس الذي يعطس ويكح على طول الطريق، وتنتصب كراسيه قيامًا وقعودًا في أوضاع قلابة من أجل دخول وخروج الناس هو أقرب صورة رسمها خيالي لهذه الحقبة. حتى عندما زرت براغ لم أجد أثرًا لمثل هذه المواصلة أبدًا، لكنني ظللت أفكر في الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا كلما ركبته، واضطررت إلى النزول على الطريق لينزل شخص كان جالس في آخر الأتوبيس ثم العودة مرة أخرى لكرسيّ في انتظار النازل القادم!

كثيرا ما كنت أترجل من المواصلة على الطريق السريع، خاصة أتوبيس هيئة النقل العام الذي لا يدخل الكمبوند بالطبع، ثم أدخل للمحمية الإنسانية عن طريق البوابة الرئيسية. إلى أن قرر أحدهم أن يغلق البوابة وينشئ كوبري يصل السيارات للطريق مباشرة دون الحاجة لبوابة. أنا لست من مالكي السيارات، أخوض رحلة شبه يومية لقرابة 50 كيلومتر لأصل في النهاية لكوبري يفصلني عن بيتي. أصبح من المعتاد أن تحدثني ابنتي لتسألني عن مكاني، فأقول لها: «أنا على الكوبري»، أصبحت مزحة، ألقيها كلما جاءت الفرصة وانفجر في وجه «السيكوريتي» إذا حاول التحدث معي بأي شكل في أي شيء يخص «الكومينتي»!

والمواصلات التشيكية، كما أطلقت عليها، سيئة وتحتاج لأكثر من فقرة كما العزلة حتى أحكي عنها. انتظارها فحسب قد يحتاج لمقال آخر. الخدمات السيئة والبعيدة، لا يعوضها غير ابتسامة أطفالي وراحتهم، أعض شفتيّ وأقول إنها ضريبة الأمومة وأدفعها وأنا سعيدة.

العزلة بأقصى الشرق، أو أقصى الغرب كذلك الذي لا أعرف عنه شيئًا وعلى الأغلب لا أكوّن صداقات من هناك أبدًا لأنها لن تدوم مهما حاولنا، العزلة هي ما كنت أتحدث عنه هي ثمن مبالغ به جدًا ستدفعه حين تختار هذا الاختيار. في كل يوم أقول إنني سأعود لكن ليس الآن (في صوت مشابه لكريم عبد العزيز بعد أن تركنا المميز تشكل حياتنا)، أنظر لأطفالي وأقول إنني سأعود. أنظر لصور المدن الهادئة المسالمة ولآهات الناس وهم يتمنون أن يسكونوا إحداها، وأعرف أنها مميتة، تلك التي بسويسرا أو بريف ما في الشمال، وأقول إنني سأعود. وهذه المرة لن أكترث لمكان أركن به سيارتي، لن أملك سيارة أصلًا لأني سأجد ما أستطيع ركوبه على مدار الساعة. سأبحث عن شارع مزدحم وأنسل بداخله، حين لن يعد الأطفال أطفالًا. ولأنني فقدت قدرتي على النوم وسط الدوشة، سأضع سدادات في أذني، وستنفع الحيلة في التغلب على آثار حبسي في هذه الحديقة الإنسانية الرديئة. سأعود قاهرية تبتسم بسخرية أمام التحذيرات من التلوث أو الازدحام أو كل ما تصطبغ به المدينة، قاهرية يمكنها أن تعيش في أي مكان بالعالم. 

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
إبراهيم عز الدين

عمران يوليو والإصلاح الزراعي

«صدرت قوانين الإصلاح الزراعي دون تخطيط مستقبلي يحمي حقوق الأجيال القادمة ويحقق الاستدامة»

اقرأ →
رأي
يحيى شوكت

بالإيجار تُحل أزمة سكن الفقراء

«فى مقال سابق لى، أشرت إلى أربعة تحديات يواجهها وزير الإسكان لإتاحة المسكن الملائم لملايين الأسر، المطالبة بحقها فى أربعة حوائط مناسبة تأويها. إحدى هذه التحديات هى مشاريع…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).