تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

«الحقل»: بيوتنا التي نألفها في العالم الاجتماعي

تامر موافي
14 دقيقة قراءة
«الحقل»: بيوتنا التي نألفها في العالم الاجتماعي
بيير بورديو

ما الذي أضافه بورديو إلى علم الاجتماع ولم يعد بإمكان أي مشتغل بهذا العلم أو بالنظرية الاجتماعية في الفلسفة أن يتجاوزه؟ أولًا، هدمه للثنائيات المتناقضة التي كان على من قبله أن يختار دائمًا بينها: الذاتية في مقابل الموضوعية، البنية في مقابل الإرادة المستقلة، المجتمع في مقابل الفرد، الميكانيكية التامة في مقابل الحرية المطلقة. هذه الثنائيات عناوين لجانبين لم يكن تلاقيهما ممكنًا، وفي العهد الذي بدأ فيه بورديو عمله، في النصف الثاني من القرن العشرين، كان يمثلهما مدرستان فكريتان سائدتان في فرنسا وأوروبا كلها هما الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولجيا Phenomenology) وسليلتها الوجودية، والبنيوية (Structualism). لقد تحدثت في المقال السابق بشكل مبسط عن تناقض الموضوعية والذاتية، والذي يمثل مفهوم الهابيتوس أداة بورديو لتجاوزه، فالهابيتوس يمثل الموضوعية وقد تجسدت كجزء من الذات. الهابيتوس هو مجموع ما طبعته الظروف الموضوعية التي اختبرها الشخص على جسده، فتحولت إلى ميول وتوجهات ونزعات، هي مبادئ تحكم أفعاله وسلوكياته التلقائية التي قد تصدر عنه دون وعي كامل بها، وكذلك تحكم خياراته عندما يكون عليه أن يفكر في كيفية التعامل مع موقف جديد. الإنسان في المحصلة إذن، كما يراه بورديو، ليس مطلق الحرية في اختيار تصرفاته حسب منطق عقلي متحرر من أي تاريخ سابق أو ظروف موضوعية شكلته، وهو في نفس الوقت ليس آلة تنفذ برنامجًا حددته هذه الظروف الموضوعية فلم تترك له أي مساحة لاختيار مسار فعله بين مسارات مختلفة، بما في ذلك تفكيك وإعادة تركيب مسارات مبتكرة عند الحاجة.

ولكن لبورديو أيضًا إضافة أخرى شديدة الأهمية يغفلها كثيرون وهي مبنية على مفهوم الهابيتوس وتتعلق بالسؤال: كيف يمكن للباحث في علم الاجتماع أن يدرس علاقة الأفراد بعالمهم على حقيقتها، كعلاقة عملية مباشرة، دون أن يفرض عليها نموذجًا عقلانيًا يستمده في الواقع من الهابيتوس الخاص به؟ وإجابة بورديو تتلخص في أن الباحث عليه أن يخضع نفسه أولًا لدراسة الهابيتوس الخاص به، فيمكنه أن يفهم علاقته بموضوع دراسته، ويعي ما يمكن أن يفرضه عليها فيتجنبه. ولكن أحد الحاضرين طرح على بورديو سؤالًا هامًا وهو: إذا كنا سنطبق على الباحث الاجتماعي أدوات بحثه (فتصبح علاقته بموضوعه هي موضوع دراستنا) ألسنا نعود إلى المربع الأول؟ أي أننا نصبح في موقف الباحث ومكانه بالنسبة لموضوعه الذي هو شخص آخر في علاقة بموضوعه، وهكذا إلى مالا نهاية. في إجابته الأولى عن السؤال أوضح بورديو أنه سيكون عليه العودة إلى إجابته لاحقًا، ولكن كبداية أكد أن السؤال في الواقع ينطوي على تناقض زائف، وأن إجابته تكمن في التطبيق العملي. لاحقًا وبينما ينتقل من الحديث عن مفهوم الهابيتوس إلى التمهيد للحديث عن مفهوم الحقل قدم بورديو تطبيقه العملي هذا من خلال إيضاح كيف يمكن أن ندرس هابيتوس الباحث الاجتماعي نفسه، هذه المناقشة، التي قدمها بورديو في محاضرته بتاريخ 23 نوفمبر 1982، هي في اعتقادي التمهيد الأفضل للتعرف على مفهوم الحقل، فهو في الحقيقة يقدم فيها الخطوات العملية لبناء التصور النظري لحقل من الحقول، هو في هذه الحالة حقل علم الاجتماع نفسه.

من عالم الاجتماع إلى علم الاجتماع

يتعرض بورديو أولًا لتلك الأسئلة التي يطرحها الناس عادة حول عالم الاجتماع، والتي يلخصها السؤال «من أين يأتي؟» ببساطة، يسود اعتقاد بأن بإمكانك أن تفهم مقولات عالم اجتماع وتخضعها للنقد إذا ما عرفت ظروف نشأته الاجتماعية وأوضاعه الاجتماعية الحالية. يؤكد بورديو أن هذه التساؤلات تعاود الظهور «بصور ساذجة بقدر أو بآخر: فلا يزال الناس يرغبون في تحديد القيمة العلمية لدراسة علمية وفق القيمة الاجتماعية لمؤلفها، كما لو أنه ينبغي أن تأتي من عالم الطبقة العاملة حتى يمكنك أن تكتب عنها». وهو يضيف أن هذه الأسئلة «لا يزال لها سلطة كبيرة: فهي أسلحة فعالة للغاية في ممارسة الإدانة، والتشهير، والاستقطاب، والتي تشكل منطق صراعاتنا اليومية (بشكل غير واع في معظمه)، فيمكننا دائمًا أن نجبر أحدهم على أن يخرس بتذكيرهم بـ «من أين أتوا». في المقابل يرى بورديو أن ما علينا أن نتساءل عنه هو «كيف هو الحال عندما يكون أحدهم ما هو عليه. في حالة علماء الاجتماع، على سبيل المثال، قبل أن نسألهم عن خلفيتهم العائلية وصلاتهم الاجتماعية، ينبغي ببساطة أن نسألهم عن مجالهم العلمي المهني: ما الذي يعنيه أن تكون عالم اجتماع؟ وهل يمكن أن يكون جزء من محدودية فهمهم العلمي ناتج لما يعنيه أن تكون عالم اجتماع؟» ولكن هذا لا يعني أن التساؤل عن الأصول الاجتماعية ليس مهمًا، ولكن هذه الأصول «لا يمكن التحقيق فيها قبل أن نكون قد نظرنا في الموقع».

«الموقع»، هذه هي النقطة المحورية التي يتلاقى عندها الهابيتوس بالحقل، في البدء يكون «الموقع»، وسنرى لاحقًا كيف أن الحقل هو بالأساس مجموعة من علاقات القوى التي تخلق مواقع مختلفة، وهذه المواقع هي ما يحدد أي شخص، أو بعبارة أدق أي هابيتوس، يمكن أن يشغلها. ففي الواقع «عالم الاجتماع» هو أولًا موقع في حقل هو «علم الاجتماع». ويقول بورديو: «إن الفاعل/القائل لخطاب علم الاجتماع، سواء قدم هذا الخطاب في بيركلي [في الولايات المتحدة]، أو باريس، أو لندن، هو أولًا وقبل أي شيء، علم الاجتماع، بتاريخه، برأسماله المتراكم، وبعدد معين من مجالات التساؤل الإجبارية. إن أي مجال علمي يمكن تعريفه كلا -وعي جمعي، والذي يمكِّن من يعملون به من فهم بعضهم البعض؛ وهم لديهم نوع من الإجماع اللا-واعي على عدد معين من الأسئلة التي يحكمون بأنها مهمة بقدر أو بآخر». ولكن ثمة ما هو أهم من ذلك، «فما هو أقرب لأن يكون موضوع الإجماع ليس هو حتى علم الاجتماع كمجال علمي له تاريخ وإنما موقعه في فضاء المجالات العلمية».

هذا يلخص الخطوات الأولى في منهج بورديو لفهم ما ينتجه شخص مهني ما، عليك أولًا أن تنظر إليه كموقع في حقل، ولكن هذا يتطلب أن تضع الحقل نفسه أولًا في فضاء أوسع بين الحقول الأقرب إليه، وذلك ليكون بإمكانك أن ترى الحقل، ثم المواقع المختلفة فيه بإطار العالم الاجتماعي أو المجتمع. فإذا أردت مثلا أن تدرس أعمال أديب كنجيب محفوظ مستخدمًا منهج بورديو، فستبدأ بالنظر إلى الأديب كموقع في حقل الإنتاج الأدبي، وهذا سيتطلب منك أن تضع حقل الإنتاج الأدبي نفسه بموقعه في الفضاء الأوسع، وهو في هذه الحالة فضاء حقول الإنتاج الثقافي. هذه الخطوات في منهج بورديو تعكس طبيعته كمنهج "مختص بالعلاقات relational»، أي أنه يعطي الأولوية للعلاقات (علاقات القوى بالأساس، الجاذبة والطاردة، الرابطة والمفككة). وهذا في مقابل المناهج «المختصة بالجوهر substantial» التي تنظر إلى الأفراد، الجماعات، والأشياء على أن لكل منها جوهر يحدد صفاتها بذاته ويحكم سلوكها وعلاقاتها بغيرها.

علم الاجتماع في الفضاء الأكاديمي

الملاحظة الأولى التي يطرحها بورديو أن الفضاء الأكاديمي يتكون من عدة حقول (مجالات دراسة علمية) لها علاقات تراتبية بين بعضها البعض. ولكن «كيف نجد مؤشر تراتبية الحقول الأكاديمية؟» بالنسبة للحالة التي يتعامل معها بورديو، في الثمانينات وفي فرنسا على وجه التحديد ثمة مؤشر يمكن قياسه لتراتبية الحقول الأكاديمية في الجامعات هو عدد الملتحقين بكل حقل أكاديمي من خريجي مدارس النخبة في فرنسا. وينبغي لنا هنا ملاحظة أن لعدد محدود من مدارس النخبة في فرنسا مكانة خاصة إلى الحد الذي دعا بورديو في واحدة من أهم دراساته «نبلاء الدولة: مدارس النخبة في حقل السلطة» إلى دراسة علاقة التناظر بين هذه المدارس والمواقع في حقل السلطة في فرنسا. الفكرة هنا أن أغلب رجال السلطة لفترة طويلة كانوا وظلوا يأتون من بين خريجي هذه المدارس. هذه ليست ملاحظة إحصائية عابرة، فهذه العلاقة الوثيقة بين خريجي مدارس تتقبل طلبتها من طبقة محددة ولها نمط محدد للتعليم، وبين مواقع السلطة لها دلالاتها ولها تأثيرها في توجهات السلطة في فرنسا. بنفس المعنى، لأعداد الملتحقين من خريجي هذه المدارس بالكليات المختلفة في الجامعة دلالتها فيما يتعلق بتراتبية هذه الكليات وبالتالي المجالات العلمية التي تدرس بها. ولكن هل ثمة تناقض هنا بين استخدام أعداد خريجي مدارس النخبة كمؤشر لإنشاء العلاقات التراتبية بين الحقول الأكاديمية والسؤال الذي تحدثت عنه قبل قليل «من أين تأتي؟» ليس صحيحًا، فأولًا لا يتحدث بورديو هنا عن السيرة الذاتية لشخص، بل يستخدم حقيقة إحصائية دالة، وثانيًا كما قلت ليس سؤال الأصول الاجتماعية مهملًا بالكلية، الفكرة أين ومتى وكيف يستخدم.

باستخدام أعداد الملتحقين بكل كلية من خريجي مدارس النخبة يحصل بورديو على تراتبية خطية بسيطة تبدأ بالفلسفة وتنتهي بالجغرافيا. تتناقص أعداد خريجي مدارس النخبة ومعها يتدنى المستوى الاجتماعي للملتحقين بالكليات كلما اتجهت من الفلسفة إلى الجغرافيا، ويقابل ذلك أيضًا نمط مماثل للأساتذة بهذه الكليات وإن كان ليس بنفس الوضوح بسبب أن الأساتذة في النهاية هم مجموعة مختارة ومحدودة. هذا التناظر (أي تشابه علاقات المواقع ببعضها) بين تراتبية الحقول الأكاديمية، وبين التراتبية الاجتماعية لمن يلتحقون بدراستها والعمل بها، هي كما تكشف دراسات بورديو للحقول المختلفة، متكررة بشكل واضح ودال. لا يدخل الناس إلى الحقول المختلفة كيفما اتفق، ثمة دائمًا علاقة تجاذب متبادلة بين موقع الحقل بين غيره من الحقول، وبين موقع من يدخلونه بين غيرهم، وهو الموقع الذي يحدده محصلة ثلاثة أنواع رئيسية من رأس المال وهي: رأس المال الاقتصادي، ورأس المال الثقافي (التعليمي والمهاري والتذوقي.. إلخ)، ورأس المال الاجتماعي (صلات الانتماء والقرابة والنسب إلخ). محصلة وتركيب رؤوس الأموال هذه هي المؤشر الرئيسي لمجموع الظروف الاجتماعية الموضوعية التي تنعكس صورتها المطبوعة في هابيتوس شخص، وفي المقابل فإن القيمة النسبية لرؤوس الأموال هذه مقارنة ببعضها البعض هي أساس القوى الخارجية المؤثرة على أي حقل من الحقول والتي تترجم داخله إلى علاقات القوى المنشئة للمواقع المختلفة فيه، مواقع الحقول الفرعية له، ثم مواقع الأفراد والمؤسسات والجماعات داخل كل منها.

من إنشاء الحقل إلى مفهومه

يمكنك إذن أن تبدأ إنشاء نموذجك العقلي أو النظري لفهم حقل من الحقول، بتحليل المعلومات الإحصائية عن هؤلاء الذين يشغلون مواقع مختلفة داخل هذا الحقل، مقارنة بمن يدخلون الحقول القريبة منه. ولكن هذا يخبرك عن موقع الحقل بين غيره من الحقول، فماذا عن الحقل نفسه؟ أو ما هو الحقل على أي حال؟

في مناقشتنا السابقة من الواضح أن الحقل يصف بصورة مبدئية مجال وظيفي، مجال ممارسة وظيفة اجتماعية. ولكن ليس لكل وظيفة اجتماعية حقل، كما أن الغالبية الساحقة من الوظائف الاجتماعية فيما قبل العصر الحديث لم يكن لها حقول. ومن ثم فمن سبل فهمنا للحقل أن نتعرف على نشأته، وهو بالضبط ما فعله بورديو في دراسته لحقول متعددة، فتحمل أكثر من دراسة له عنوانًا مثل «تكوين وعمل الحقل س»، وس هنا قد تكون «الديني، البيروقراطي، الثقافي.. إلخ». عملية نشأة الحقول في بداية العصر الحديث كانت نتيجة لعملية تميز واستقلال الوظائف الاجتماعية المختلفة. تطور أداء وظيفة اجتماعية ما مواكبة للتقدم في المعرفة العملية والعلمية، يؤدي إلى مزيد من التعقيد لعمليات ممارستها، وبالتالي أن تتطلب هذه الممارسة أن يبذل الأفراد مزيدًا من الوقت والجهد في التعلم والتدريب اللازمين لأن يكونوا مؤهلين لها. يقابل ذلك ضرورة أن ينمو سوق الطلب على ما تقدمه هذه الوظيفة من خدمات، حتى يكون ثمة جدوى من بذل الجهد والوقت اللازمين لتعلمها. وفي المحصلة تصبح ممارسة الوظيفة الاجتماعية موردًا اجتماعيًا نادرًا، للمحدودية النسبية للمؤهلين لممارستها. وترتبط مصالح من يحتكرون معا ممارسة هذه الوظيفة بالحفاظ على قيمتها كمورد اجتماعي، وتظهر الحاجة إلى تنظيم هذه الممارسة، ووضع قواعد لها، قد يكون بعضها مكتوبًا، لكن يبقى كثير منها غير مكتوب.

يظهر الحقل عندما يتم تنظيم ممارسة وظيفة اجتماعية بالقدر الذي يسمح لها بالاستقلال عن غيرها من الوظائف وكذلك بالاستقلال في مواجهة الخضوع التام لأي سلطة خارجها سواء كانت اقتصادية أو دينية أو سياسية. فالحقل الفني نشأ فقط عندما استقلت ممارسة فن الرسم مثلا عن الخضوع للرعاة أفرادًا كانوا أو مؤسسات، وأصبح ثمة سوق مفتوح للطلب على أعمال الفنانين ينظمه وكلاء لبيع هذه الأعمال يمثلون وسيطًا يتحمل عن الفنان عبء التسويق لأعماله والتفاوض المباشر على بيعها. والحقل الطبي قد نشأ بتميز وانفصال شكل من أشكال تقديم الخدمة الصحية وهو الشكل العلمي المنهجي عن بقية أشكالها مثل التداوي بالأعشاب ومنتجات العطارة، والسحر، والرقى الشرعية لرجال الدين.. إلخ. استقلالية الحقل تعبير مباشر عن قيمة الممارسة التي يقوم عليها وهي القيمة التي يستثمر فيها الفاعلون في الحقل جهودهم، وينشؤون لها تعريفًا داخليًا خاصًا بهم يمثل التصور السائد بينهم لمتطلبات الامتياز في ممارسة وظيفتهم الاجتماعية. هذا التصور يختلف عما قد يكون لمن هم خارج الحقل من تصورات عن الوظيفة وممارستها، ولكن الحقل نفسه من خلال أدوات مختلفة يفرض على من خارجه قبول تقييمه لتراتبية الفاعلين فيه. بعض الحقول تكون تراتبيتها واضحة في مسميات وألقاب وظيفية محددة. الحقل البيروقراطي مثال بارز، فهيكله الإداري ومسمياته الوظيفية تعكس تراتبية الفاعلين فيه بشكل يلتقطه من هم خارجه مباشرة. في الحقل الطبي التراتبية بين الممارس العام، والأخصائي والاستشاري يحددها الدرجات العلمية وسنوات الخبرة، وهي معايير اعتمدها في الأساس الفاعلون في الحقل أثناء تطوره، ولكن ثمة أيضًا معايير داخلية أخرى ليست واضحة لمن هم خارج الحقل.

رأسمال الحقل

التعريف الداخلي لقيمة/تقييم الممارسة هو ما يحدد لكل حقل رأسمال خاص به يتنافس الفاعلون في هذا الحقل على مراكمته، وتتحدد مواقعهم داخل الحقل بقدر ما يجوزه كل منهم منه. وفي كل الحقول ما عدا الحقل الاقتصادي نفسه، ليس رأس المال الخاص بالحقل اقتصاديًا. وهذه هي الحقيقة البسيطة التي تؤدي إلى فشل محاولة تحليل مواقع الفاعلين في حقولهم المختلفة على أساس رأس المال الاقتصادي، أو محاولة فهم مساعيهم وسلوكياتهم من خلال المصالح الاقتصادية وحدها، في الخروج بنتائج تعكس الواقع بدقة. صحيح أن ثمة تراتبية اجتماعية أساسية ومهمة ومؤثرة حسب رأس المال الاقتصادي لكل فاعل اجتماعي. وصحيح أن للفاعلين الاجتماعيين مصالح اقتصادية يسعون طيلة الوقت إلى تحقيقها، ولكن هذا لا يجعل رأس المال الاقتصادي والمصالح الاقتصادية وحدهما كافيين لفهم كل مساعي وسلوكيات هؤلاء الفاعلين خاصة فيما يتعلق بتنافسهم داخل الحقول التي ينتمون إليها، فهذا التنافس داخل أي حقل هو على رأس المال الخاص بهذا الحقل، والذي يحكمه هو منطق وقواعد وقوانين الحقل المكتوبة وغير المكتوبة والتي تنظم كيف يحصل الفاعل الاجتماعي على المزيد من رأس المال هذا وكيف يستثمره لتحقيق أكبر عائد ممكن.

التراتبية داخل الحقل التي يحددها قدر رأس المال المتراكم في كل موقع منه ينشئ علاقة هيمنة بين فئة مهيمنة وبقية الفاعلين في الحقل. هؤلاء المهيمنون في أي حقل هم من يملكون ما يكفي من النفوذ لاستخدامه في حفظ ومحاولة تثبيت قواعد المنافسة داخل الحقل. في المقابل دائمًا ما يسعى الأقل حظًا من النفوذ في الحقل إلى تعديل هذه القواعد والتمرد والثورة عليها، وغالبا يقومون بذلك تحت عنوان «تيار التجديد»، وهذه الظواهر أوضح ما تكون في حقول الإنتاج الثقافي (الحقول الأدبية والفنية)، فالمدارس الفنية الجديدة على سبيل المثال، تبدأ دائمًا في موقع الهامش في الحقل، فهي مستبعدة من المعارض الفنية المهمة ومن الجوائز ومن اعتراف الدولة ومن صالات بيع الأعمال الفنية.. إلخ، وفي نفس الوقت يصف المنتمون إلى هذه المدارس أعمالهم بأنها تجديد يعبر بشكل أصح عن قيمة الفن (التعريف الداخلي للقيمة ولرأسمال الحقل الفني). لا تنجح دائمًا ثورات هذه المدارس الفنية الجديدة ولكنها إذا ما نجحت انتقلت بالمنتمين إليها إلى مواقع الهيمنة في الحقل الفني، وحولت تعريفهم للقيمة الفنية إلى التعريف المعتمد لها. هذا الصعود والهبوط وتناوب موقع الهيمنة في الحقل، أوضح تاريخيًا في حقول الإنتاج الثقافي أكثر منه في حقول أخرى، ولكنه ليس غائبًا تمامًا عنها، وكل ما هناك أن تغيرات كهذه في الحقول الأخرى، التي تبقى تفاعلاتها الداخلية بعيدة نسبيًا عن الأضواء، لا تكون ملحوظة لمن هم خارجها. فثمة مدارس مختلفة تعاقبت في الهيمنة على الحقل الطبي والحقول الأكاديمية، بل وحتى الحقل البيروقراطي، فتغيرات السياسات الاقتصادية للدول المختلفة لم تحدث في يوم وليلة في أي دولة، أو بمجرد وصول دعاة التغيير إلى الحكم من خلال الحقل السياسي. فهؤلاء كان عليهم أن يمارسوا ضغوطًا كبيرة وأن يدخلوا في صراعات مريرة للتأثير في الحقل البيروقراطي ليبدأ المهيمنون عليه في فرض العمل وفق السياسات الجديدة. في مصر احتاجت سياسات الليبرالية الجديدة إلى أكثر من عقد ليتقبلها الحقل البيروقراطي، برغم أن عدة حكومات متعاقبة كان التحول إلى هذه السياسات على رأس أولوياتها.

خاتمة

لا تكاد المناقشة السابقة تقدم إلا القليل مما يمكن قوله عن مفهوم الحقل عند بورديو، ولكنها مع ذلك قد تصلح كبداية لفهمه. فقد تعرضت أولًا لبعض الخطوات العملية لبداية بناءً صورة/نموذج عقلي أو نظري لأحد الحقول، من خلال التصنيف الإحصائي لبعض الخصائص الدالة للفاعلين في الحقل. وينبغي أن أضيف هنا أن اختيار تلك الخصائص هو أحد القرارات التي يتخذها الباحث في بداية عمله على أحد الحقول، وهو اختيار قد ينجح أو يفشل بقدر ما أن التراتبية التي تعكسها هذه الخصائص يمكن ملاحظة تراتبية مناظرة لها في توزيع مواقع الفاعلين في الحقل. وفي حال الفشل يكون على الباحث اختيار خصائص مختلفة ليستعين بتوزيعها الإحصائي آملًا أن يناظر توزيع المواقع في الحقل. وثانيًا انتقلت هذه المناقشة إلى الوصول إلى تعريف للحقل من خلال فهم النشأة التاريخية له من خلال تبلور ممارسة إحدى الوظائف الاجتماعية وتنظيمها من خلال قواعد وقوانين تؤدي إلى إنشاء وحدة داخلية لممارسيها تحقق لها الاستقلال كحقل قائم بذاته له تعريفه الداخلي لقيمة هي رأس المال الخاص به، الذي يتنافس الفاعلون داخل الحقل على مراكمة أكبر قدر منه، ومن ثم الانضمام إلى المهيمنين على الحقل.

في المقال القادم سأناقش حقل السلطة، الحقل الذي يتنافس فيه المهيمنون على الحقول الرئيسية في المجتمع على قدر أكبر من النفوذ يتيح لهم دفع مصالح حقولهم ومصالحهم الشخصية أيضًا، وكذلك فرض تصوراتهم عن كيف ينبغي إدارة المجتمع. ثم سأحاول عرض صورة لتلاقي الهابيتوس بالحقل، وهو ما يمثل الوحدة الأساسية للدراسة في علم الاجتماع عند بورديو، وفي إطار هذه الصورة سأقدم تصور بورديو عن الجسد الذي لم يكن له مكان في سلسلة المحاضرات التي أقدم قراءة لها، ولكنه في الواقع يمثل إضافة رئيسية لبورديو لا يمكن بدونها فهم تلاقي البنى الاجتماعية الموضوعية (الحقل) بالبنى الاجتماعية المتضمنة/المتجسدة (الهابيتوس).

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
فؤاد حلبوني

فالتر بنيامين وسؤال المستقبل

«فكرة خوض الحياة كأننا على شفا الموت، بطريقة تشحذ الذات والجسد نحو الاستعداد الدائم للموت كأنه لحظة عابرة»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).