تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الجنرال يناور بالدولة (٢)

علي الرجّال
4 دقيقة قراءة

الثورة هتفت: "الشعب يريد إسقاط النظام"، ولكنها لم تذكر الدولة من قريب أو بعيد، حتى إن الثوار لم يقتحموا ماسبيرو قائلين إنه مؤسسة تابعة للدولة يجب الحفاظ عليها والاستفادة منها حينما تنتصر الثورة، وكذلك الحال مع مجمع التحرير رمز البيروقراطية المصرية الحديثة. لم يكن واضحًا ما النظام المقصود تحديدًا. ولكن الثورة نجحت في بلورة أهداف عدة للهجوم عليها مثل: الحزب الوطني، الرئيس مبارك والداخلية. وفي ظل وضع نظام مبارك، يكون النظام السياسي هو الرئيس والبرلمان والحزب الحاكم، وكان يصنف كنظام شبه رئاسي أميل للنظم الرئاسية الصريحة، كما صنف كثير من المفكرين والأكاديميين طبيعته بشبه السلطوية.

في أثناء الحدث الثوري، كان هناك رأي عام يرسخ خروج الدولة كأجهزة وسيادة وحدود (إقليم) من دائرة الصراع. فلم يطالب أحد بإلغاء أو الهجوم على أي مَعْلم من معالم الدولة القومية الحديثة في الفترة الأولى من الثورة، باستثناء الداخلية التي اعتبرت اليد الباطشة للنظام ولم يتم تأطيرها كأحد أجهزة الدولة، والتي تمت محاولة استيعابها فيما بعد كأحد أجهزة الدولة التابعة للشعب والجمهورية المصرية. ويمكن القول إن جزءًا من هذا التأطير يرجع لأمرين: الأول مضادة خطاب السلطة في عصر مبارك وأثناء قيام الثورة، والذي يربط بين أي تحرك سياسي واجتماعي، ومحاولات الصهيونية العالمية- الغرب "إسرائيل وأمريكا"- لتفكيك الدولة بمصر. وتم اتهام الثوار ومن قبل أغلب الحركات السياسية بأنها تهدف إلى إسقاط وتقسيم الدولة المصرية. الأمر الثاني، هو غموض وعدم اكتمال رؤية واستراتيجية واضحة للثورة للتعامل مع جهاز الدولة. أخيرًا، يصعب على أية حركة سياسية أن تقنع قطاعًا واسعًا من الجمهور أن يقوم بمهاجمة الدولة ذاتها، بينما الهجوم والانقضاض على النظام السياسي أمر أسهل وأكثر يقينًا إذا ما نجح؛ حيث تظل الدولة قائمة بينما يتم تغيير طبيعة ونمط السلطة الحاكمة هي ونظامها السياسي. كان رد فعل الدولة على الحدث الثوري، هو محاولة شيطنته وإخراجه من كونه موجهًا ضد النظام إلى كونه خطرًا على سيادة الدولة. وبالفعل بعد سقوط مبارك صار خطاب الثورة المضادة يرتكز على مقولة: "خلاص النظام سقط، أنتم تهاجمون مؤسسات الدولة الآن". 

جاء عبد الفتاح السيسي بعد مرحلة طويلة من الصراع السياسي المتأرجح بين الهجوم على النظام السياسي، والهجوم على مؤسسات الدولة ذاتها وطبيعتها السلطوية الكامنة بها بعيدًا عن نظام الحكم. ومن هنا هو يحاول أن يغلق أية مساحة للانقضاض عليه ومعارضته من خلال التوحد مع الدولة، أي أنه لا يريد أن يتم فصله عن الدولة وجعله في خانة النظام السياسي الذي يحاول الناس إسقاطه. ومن ثم يردد كثيرًا في لقاءاته وخطبه أن أي احتجاج هو لزعزعة وتفكيك الدولة وليس نظامها. كما أن الرجل جاء من قلب أحد أجهزة الدولة السيادية، ولم يتقلد أي منصب سياسي، ولم ينخرط في أي عمل سياسي. وبالتالي فما يعرفه هو الدولة وليس نظام الحكم. كما أنه لم يكن نائبًا للرئيس أو أحد كوادر الاتحاد الاشتراكي أو حتى عضو بالحزب الوطني. ومن ثم فكل ما يتعلق بعالم السياسة وفضائه وتركيباته المختلفة، لا يمثل له شيئًا، فهو لا يعرف غير الدولة- كما يقول.

لماذا لا يقوم السيسي بتركيب نظام سياسي ما (حزب حاكم، برلمان، سواء شبه رئاسي أو رئاسي حتى مع مخالفة الدستور)؟  ببساطة كي لا يفقد الشرعية والصيغة التي طرح نفسه من خلالها على الشعب.. فطبقًا لرؤيته التي لا ترى غير نظام سياسي بل فقط دولة، هناك شعب (متوحد وملتف حول الدولة)، وهناك قائد تحل فيه الدولة.. أما الدولة ذاتها فيتم التعبير عنها بأقصى صورها الحداثية، من جهة كتلة مادية ضخمة تعبر عنها المؤسسات، بموظفيها وجدرانها، ومن جهة ثانية جانب ميتافزيقي، أي أن الدولة بحدودها ومؤسساتها وهي كفكرة مقدسة، وهي التي تقوم بخلق الوجود الاجتماعي لأفرادها، وهي مفارقة لهم ومتجاوزة عنهم، وأحيانًا طبقًا للأغاني والخطب الوطنية أبدية وأزلية، ويجب الدفاع عنها حتى لو تطلب الأمر القتل أو التضحية بأبناء المجتمع. ويأخذ الشعب طابعًا ميتافزيقيًا هو الآخر؛ فهو واحد غير قابل للانقسام أو الاختلاف ولديه هوية وقيم ثابتة لا تتغير، وهو مقدس وأفضل شعوب الأمم كافة، وكلاهما (الدولة والشعب) واحد متوحد؛ حيث يلتف حول قائده ودولته، وهو أمر لا يخلو من التناقض الحاد؛ حيث إن الدولة والشعب متحدان، إلا أن الدولة مفارقة للشعب ككيان أسمى يرتقي فوقه ويقوم بتنميته وتحديثه ومنحه الحياة.

الخطير فيما سبق ليس أن هذه الرؤية هي هجين بين دولة يوليو وخطاب عبد الناصر وبين السيسي وقوى الثورة المضادة، وبالأخص مؤسسة الجيش، الرعب الحقيقي هو تبني قطاعات من المجتمع لهذه الرؤية وإعادة إنتاجهم للخطاب نفسه. ففي داخل العائلة الواحدة يتم اتهام الشباب الذي شارك في الثورة أو تعاطف معها– بالطبع لا يعني هذا أن شباب مصر كلهم شاركوا في الثورة، وأن كبار السن كلهم ثورة مضادة- بأنهم خونة وأن مهاجمة السيسي ما هي إلا مهاجمة الدولة ومخلصها الذي جاء لينقذها من السقوط. السيسي يعلم ذلك جيدًا، ويحاول استخدام كل الطاقات والألاعيب الخطابية والأجهزة لترسيخ كونه مخلص الدولة التي تنهار. فهو يستخدم الأزهر والكنيسة ورجال الدين، ويلجأ إلى جهاز الأسرة، وعلى رأسه يوجه خطابه للأم المصرية حتى تقوم بتصحيح المسار إذا ما انحرف أبناؤها وهاجموا الدولة أو حتى احتجوا مطالبين بتحسين ظروف المعيشة.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
ندى شاهين

الدولة الضعيفة ولجام السلطة

«يقولون إن الشيطان يكمن في التفاصيل والتفاصيل في حالة الدولة المصرية متخمة بمالا يسر ولا يدعو للتفاؤل»

اقرأ →
رأي
ندى شاهين

مصر بين قوة الدولة ودولة القوة

«هل يفترض أن تكون الدولة في خدمة المواطن أم أن المواطن هو الذي يجب أن يكرس نفسه لخدمة الدولة؟»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).