أنا الناجية
يوم السادس من ديسمبر، ندمت على تخليّ عن رواية أيام قوس قزح لأنطونيو سكارميتا، قبل بضعة أشهر. لا أحب الاحتفاظ بأي شيء خشية فقدانه، لكنني ندمت هذه المرة، وأردت استعادته. أخبرني بائع الكتب بأنه يحتفظ به لأنه علم برغبتي في استعادته. في السابع من ديسمبر، استيقظت باكراً لأحصل على كتابي.
قرأت «أيام قوس قزح» منذ عامين. لم أسمع من قبل عن «حملة لا»، عرفتها فقط من الرواية. تشيلي العسكرية، أساتذة معتقلون، أسماء مستعارة، كل شيء في الرواية بدا مألوفًا لي، إلا نهايتها. أغنية بسيطة تقول لا مع بضع كلمات بسيطة، تعلق في أذهان الناس، كانت كافية لإسقاط حكم أوجوستو بينوشيه في تشيلي.
شعرت بالغيرة. كدت أموت من الغيرة. هكذا فقط؟ أهذا كل ما لزم لإسقاط بيونشيه؟ شعرت أن العالم ليس عادلًا، وتمنيت لو شهدت هذا اليوم في تشيلي.
عندما استعدت نسختي من الرواية، حملتها في يدي، وجُلت دمشق مع بائع الكتب الذي أعاد لي كتابي. كان الناس في الأسواق يستعدون لحربٍ ما، مع قرب وصول معركة ردع العدوان الى دمشق، يحملون كل ما يمكن حمله من الأسواق، القادرين على ذلك فقط. الجنود يحملون أسلحتهم بوضعية استعداد على كل الحواجز العسكرية، بما فيها مدخل دار الأوبرا. كنت أبتسم، لكنني رأيت عيونهم التي ترثي نفسها، لأنهم سيموتون في معركة ليست معركتهم. جنود التجنيد الإلزامي، جنود الخدمة الاحتياطية، الذين لا يمكنهم قول «لا» دون أن يتم الانتقام من عائلاتهم.
أحمل الرواية بيدي، أحتضنها، وألقي نظرة أخيرة شامتة على تمثال حافظ الأسد في دار الأوبرا الذي سيسقط قريبًا. لم أكن خائفة.
استمعت لأحاديث الخوف من حولي، الخوف من مداهمة المنازل، من مجزرة بحق العلويين، من حجر قد يستمر شهرًا، على جوع أولئك الذين لم يتمكنوا من تأمين قوت شهر، وقائمة تطول لم أسمعها جيدًا. كنا نجلس في «قهوة مظبوطة» في منطقة الشعلان، الخالية لأول مرة. شربنا قهوة على عجل ثم طردونا لأنهم يريدون الإغلاق. في ذلك الوقت كانت قوات هيئة تحرير الشام قد وصلت إلى جرمانا، ووسط دمشق قريب جدًا. نصحني رفاقي بالعودة إلى البيت سريعًا. وعدت.
انتظرت سقوط بشار الأسد لساعات وساعات. بدأت أعصابي بالانهيار، أخذت جرعة ربع قرص لورازيبام، وهي نصف الجرعة الموصوفة لي واستطعت النوم في الساعة الثالثة ونصف فجرًا تقريبًا. تساءلت قبلها، ماذا لو سقط وكنت نائمة؟ حسنًا سيوقظونني.
«شهد... شهد... سقط بشار، سقط بشار، سقط بشار»، أيقظتني شقيقتاي.
سيلٌ من الدموع.
بكيت طوال اليوم، بكيت حتى ظننت أنني سأموت من كثرة البكاء، ثم سجدت دون معرفتي باتجاه القبلة، سجدت كلاعب كرة قدم يحتفل. كنت أحتفل بنجاتي من معتقلات الأسد التي عشت مع احتمال دخولي إليها كل يوم.
الثامن من ديسمبر، التاسع... ضحكت. ذاكرتي مشوشة من البكاء. بكيت كل كوابيسي، بكيت من كابوس أن أعترف على رفاقي الصحفيين في معتقلات الأسد، الكابوس الذي تمنيت خلاله أن أعترف على الأقل بعد التعذيب، وليس بعد نظرة واحدة يرمقني بها الضابط.
بدأت هذه الكوابيس بعد انتهائي من المخيم الأول للأكاديمية البديلة للصحافة العربية، نهاية عام 2019 . قبل العودة إلى دمشق بيوم واحد، تخيلت أنهم سيأخذوننا عند الحدود اللبنانية السورية. أربعة سوريين. ولكن، نجونا، بالحظ.
خلال دراستي في الأكاديمية البديلة، عملت على موضوعين يخصان التجنيد الإلزامي، وكدت أنشر أحدهما لولا كوابيس لاحقتني، يُعتقل أبي فيها بدلًا مني. وخلال السنوات الماضية، كتبت بضعة تقارير بأسماء مستعارة، وفي كل مرة كنت أخاف، لكن شيئًا ما كان يدفعني للاستمرار.
سقط الأسد قبل أن يعتقلني، قبل أن يعتقل أبي، قبل أن يجعلني أعترف على الأسماء المستعارة الأخرى.
عشنا حتى اليوم، لنلعن روح حافظ الأسد علنًا، لنقول إننا صحفيون علنًا، لئلا نفكر في الهجرة، لأقول ما هو عملي حقًا، دون أن أختبئ خلف تجارة الساعات المستعملة.
سألتني أمي عن كل البكاء الذي بكيته، وكل الضحك الذي ضحكته، والقفز. اعترفت لها بكل ما كنت أفعله خلال السنوات الماضية: «ماما اني أكتب بصحافة معارضة». خافت أمي وكأنها عادت بالزمن إلى ما قبل سقوط بشار الأسد، عاشت كوابيسي بينما كنت أتخلص منها أنا، تسألني كل ساعة: ماذا لو؟
لكنه سقط، ولم يعد هناك «ماذا لو؟». كل يوم أستيقظ، أتأكد من أن ما حدث ليس حلمًا، أرى رسائلًا ومباركات ونقاشات ونوبات هلع من القادم وفرح، الكثير من الفرح، وأيضًا الكثير من الصراخ والبكاء على المعتقلين، وتعازي، ومطالبات وأفكار.
ليس حلمًا.
يوم الجمعة اتجهت إلى ساحة الأمويين، حيث اتجه كل سكان دمشق، غطّيت الاحتفالات، المظاهرات، لأول مرة كصحفية، بشكل علني. تعرّفت على صحفيين من شمال حلب، ومن إدلب، وتعرفوا علينا للمرة الأولى، كنا واحد، وأنا لم أكن خائفة من أحد. ولم يكن أحدٌ خائف من أحد. دفعني اعتيادي على الخوف لسؤال النساء المتجمعات في الساعة عمّا إذا كنّ قد تعرضن للتحرش أو المضايقات، قلن «لا». ليس وكأن هناك نشوة قد تصيب أحدًا أكثر من التجمع بحرية بعد أكثر من خمسة عقود على اعتقالنا جميعًا.
أنظر إلى الوجوههم المختلفة، أسمع لهجات أصحابها، ثيابهم، وكل تلك الابتسامات. أتساءل، لماذا لم يكتف بأن نقول له: «لا لا لا لا»؟ لماذا كان عليه أن يعتقل كل «لا» على ألسنتنا، وداخل أدمغتنا؟
خلال الأيام الماضية كلها، وضعت رواية أيام قوس قزح على سريري، نمت بجانبها، مبتسمة ناجية، ممتنة لكل من تظاهر ضد الأسد منذ 2011، وممتنة لأني عشت حتى هذه اللحظة، وممتنة لأني لم أعد أغار من تشيلي.
لم نقل «لا» بأغنية، هذا ما يبدو. بالنسبة للعالم سقط الأسد بسبب قوات الجولاني، لكنه سقط بسبب كل التضحيات منذ 2011 وحتى اليوم. كانت «لا» التي قالها الشعب السوري منذ ذلك الوقت. هذه أيام قوس قزح في دمشق.. في سوريا.
آراء أخرى
تقليد أم تراث ثوري؟
«يجنح «التقليد الثوري» إلى تصفية الحدث الذي هو الثورة وتأكيد نفسه»
تركيا في شرق الفرات: نبع للسلام أم بؤرة جديدة للصراع؟
«تبدو أنقرة مقيدة؛ فعليها أن تنجز خطتها سريعًا قبل تكثف التحركات الدولية لمنعها أو إدانتها دبلوماسيًا»
رجوعًا لأرسطو والمأساة: سوريا كمسرح تراجيدي
«سوريا دفعتنا نحو منطقة اللافعل، حولتنا إلى متفرجين على أحداثها»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد