تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

أزمة النيوليبرالية الفرنسية و«التضحية» بالمهاجرين

محمود هدهود
11 دقيقة قراءة
أزمة النيوليبرالية الفرنسية و«التضحية» بالمهاجرين

تشتعل الاحتجاجات في فرنسا ضد العنصرية البيضاء مرة أخرى، على خلفية جريمة قتل جديدة، قامت بها الشرطة الفرنسية ضد مواطن من أصول عربية أو إفريقية. احتجاجات تجتر معها من الذاكرة تاريخًا من العنصرية الاستعمارية. كانت فرنسا نموذجًا للإمبريالية كحل سياسي للصراعات الاجتماعية في الرأسماليات الكبرى، أو ضرورة لإنقاذ المركز الرأسمالي من «الحرب الأهلية» على حد تعبير الاستعماري الإنجليزي الشهير سيسيل رودز، دون المستعمرات التي توفر فائضًا من الموارد، لن يكون من الممكن تخفيف حدة الصراع الطبقي في المركز وإخضاع العمال. قصة فرنسا اليوم لا تختلف كثيرًا عن قصة فرنسا الماضي، بلد دخل متأخرًا إلى الرأسمالية، وحاول أن يحرق المراحل عبر الاستعمار في سباقه مع إنجلترا من جهة، وألمانيا من جهة أخرى، واليوم هو بلد لم يكمل تحوله إلى النيوليبرالية، ويحاول أن يستخدم المهاجرين قربانًا على مذبح هذا الانتقال المتباطئ.

النيوليبرالية العرجاء

شرعت فرنسا كغيرها من الرأسماليات الكبرى في بناء دولة الرفاه والضمان الاجتماعي منذ ما بعد أزمة الكساد الكبير، وامتازت عن قريناتها بصعود الأحزاب الاشتراكية في خواتيم الجمهورية الثالثة (الثلاثينيات) ثم على امتداد الجمهورية الرابعة (1945-1958). وشهدت الجمهورية الرابعة بناء نظام الضمان الاجتماعي الفرنسي بالتعاون مع النقابات العمالية، وعلى رأسها الكونفيدرالية العامة للعمال CGT.. النقابة الماركسية الضخمة التي تولت بنفسها إدارة تمويل النظام عبر استقطاعات مباشرة من الأجور، ما أعطى ذلك النظام وظهيره النقابي صلادة سياسية في مواجهة تغير الحكومات.

حتى عندما حلّت الديجولية محل التحالفات الاشتراكية منذ 1958، فإنها لم تأتِ بموقف عدائي تجاه دولة الرفاه التي حافظت عليها ليس لأسباب اجتماعية بالضرورة، ولكن لالتقائها مع إرث الدولتية الفرنسية من لويس الرابع عشر إلى نابليون بونابرت: توحيد الدولة عبر جهاز بيروقراطي ضخم، فبقدر ما كان اليمين الفرنسي رأسماليًا ومنزعجًا من أعباء دولة الرفاه، بقدر ما تمسك عبر وقت طويل بالتقاليد الجمهورية: الدولة المركزية المغلقة، والمواطنون المتساوون أمامها.

لم يمنع ذلك التحاق فرنسا في الثمانينيات بالموجة النيوليبرالية، لكن التحاقها امتاز بتأخره وتباطؤه النسبي مقارنة بحالات الرأسماليات الغربية الكبرى: الولايات المتحدة، وإنجلترا، وحتى ألمانيا الغربية ثم الموحدة. فبينما تبنت حكومات الدول الثلاث البرنامج النيوليبرالي بحماسة أيديولوجية مثابرة، خاصة في الحالة الإنجليزية التي شهدت صدامات عنيفة بين حكومة المحافظين بقيادة مارجريت تاتشر والنقابات العمالية أرادت فيها الحكومة توجيه ضربة قاضية لنفوذ النقابات، كانت فرنسا على النقيض تشهد عودة الاشتراكيين للسلطة عام 1981 بقيادة فرانسوا ميتران بعد نحو 23 عامًا، ببرنامج تضمن فرض ضريبة جديدة على الثروة ISF، ورفع الأجور والمنح الاجتماعية، وحزم مساعدات للشركات الحكومية بما يضمن الحفاظ على معدلات التوظيف المرتفعة فيها، وصولًا إلى تأميم المصارف للسيطرة على تمويل الأعمال وتخطيطه.

لقد اضطر الاشتراكيون الفرنسيون مع ذلك للتخلي عن برامجهم في انقلاب 25 مارس 1983 الاقتصادي، عندما تبنت الحكومة الاشتراكية بقيادة بيير موروا برنامجًا تقشفيًا يتماشى مع النظام النقدي الأوروبي EMS الذي تم التوافق عليه آنذاك، بهدف تحجيم التضخم وتحرير أسعار صرف العملات الأوروبية بما يضمن سلاسة انتقال البضائع ورؤوس الأموال بين الأسواق الأوروبية دون تذبذب كبير في الأسعار. ثم تبع ذلك في يناير 1984 صدور القانون المصرفي الجديد الذي أنهى التحكمات الحكومية في الائتمان وأسواق المال. لكن ذلك التحول ظل فاترًا. من ناحية، قبل الاشتراكيون بسياسات مالية متشددة وحُرية أوسع لرؤوس الأموال، تمسكوا في المقابل بضريبة الثروة التي وضعوها سنة 1981 بشكل أنهى محاولات اليمين الفرنسي لإلغائها منذ محاولة حكومة شيراك سنة 1986، كما حاول ميتران عرقلة الخصخصة التي كانت الحكومات اليمينية تنفذها، إلى حين انخراط الاشتراكيين بفاعلية بها منذ أواخر التسعينيات مع حكومة ليونيل جوسبان. أما من الناحية الأخيرة، فإن اليمين الفرنسي نفسه بقى متحفظًا تجاه الانفتاح الزائد على رؤوس الأموال الأجنبية والتخلي عن القواعد الصناعية الضخمة في فرنسا، وبينما كان شعار تاتشر الشهير: «لا بديل» إلى حد تسميتها «Mrs TINA» إشارة إلى عبارتها: «There Is No Alternative»، كان إدوارد بلادور وزير الاقتصاد في حكومة اليمين بين 1986 و1988، ثم رئيس الحكومة اليمينية بين 1993 و1995، يصرح لجريدة لوموند بأن «يتعين على الليبرالية أن تخفف من غلوائها عندما يلوح الخطر».

شكلت عودة الجمهوريين إلى الإليزيه على يد شيراك عام ١٩٩٥ مع ذلك لحظة حاسمة في المسار النيوليبرالي الفرنسي، ففي تلك اللحظة أعلن رئيس الوزراء الجديد آلان جوبيه، الساعد الأيمن لشيراك، عن خطة لإصلاح دولة الرفاه الفرنسية تقوم على خفض المنح والامتيازات الاجتماعية خاصة ضمن نظام المعاشات المبكرة الذي أدى إلى تراجع هائل في نسبة العاملين في الأعمار بين 55 و65 عامًا. كان هدف جوبيه هو خفض عجز الموازنة الفرنسية من 5٪ إلى 3٪ اتساقًا مع اتفاقية ماستريخت المؤسسة للاتحاد الأوروبي. واجهت خطة جوبيه انتفاضة شعبية هي الأضخم في تاريخ الجمهورية الخامسة أطاحت بالخطة كليًا، وحافظت على دولة الرفاه الضخمة، وبالتحديد الرعاية الصحية الشاملة المجانية، وامتيازات المعاشات، والإنفاق الضخم على بدل البطالة، وبرامج التدريب المهنية.

أثبتت النقابات العمالية في فرنسا، وعلى رأسها الكونفيدرالية العامة للعمال CGT من اليسار، وحتى الكونفيدرالية الديمقراطية CFDT من اليمين، قدرتها على حماية دولة الرفاه الفرنسية، ويمكن اعتبار تاريخ فرنسا منذ 1995 إلى اليوم تاريخًا من الصراع بين النخبة السياسية، سواء من يمين الوسط أو يسار الوسط من جهة، والنقابات العمالية من جهة أخرى، على دولة الرفاه التي ترى النخبة استحالة استمرارها على حالها بنفقاتها الضخمة وتطلبها الضريبي وامتيازاتها العمالية في ظل عالم أشد تنافسية، يمكن لرؤوس الأموال فيه الذهاب بسهولة إلى ملاذات أكثر خضوعًا لها، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة في فرنسا فوق حاجز 10٪ في عهد فرانسوا أولاند، كما أدى إلى سلسلة من الاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات في أعوام 2005 و2006 و2007 و2010علاوة على انتفاضة 1995.

يمكن أن نلخص ما حدث في فرنسا عبر تحليل النيوليبرالية ببساطة. إن استعمال هذا المفهوم مهم لأنه يعبر عن حزمة سياسات اقتصادية محددة نظريًا وتاريخيًا بشكل يجعلنا من الصعب أن نتخلى عنه، لكنه في الوقت نفسه يُستعمل للدلالة على سياق وحقب تاريخية بكليتها المعقدة على نحو يفقد المفهوم قيمته الدلالية (يحدث هذا مع مفهوم الرأسمالية أيضًا، فالرأسمالية بالأساس مفهوم لنمط من أنماط الإنتاج، لكن المصطلح يستعمل للدلالة على التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية خلال القرنين الماضيين برمتها على نحو يعطي انطباعًا بأن كل منظومة سياسية أو اقتصادية حديثة يمكن أن تسمى «الرأسمالية»). النيوليبرالية أيديولوجية سياسية واقتصادية توصي ببرنامج اقتصادي مرتبط بسياق تاريخي محدد هو سياق الرأسمالية المتأخرة التي تمتاز بثلاث سمات رئيسية: طفرة تكنولوجية في القطاع الصناعي، توسع في قطاع الخدمات بسبب الطفرة التكنولوجية وفوائض الإنتاج الصناعي، هيمنة القطاع المالي. أمام تلك التحولات توصي النيوليبرالية بمجموعة توصيات يمكن تلخيصها في أمرين: على الدولة ألا تتوسع في الإنفاق، على الدولة أن تترك السوق حرًا لرأس المال الخاص المحلي والعالمي.

ما حدث في فرنسا هو أن الدولة لم تتمكن من إنجاز المهمة الأولى على الوجه الأمثل، أي أن النيوليبرالية التي تسير على قدمين، فقدت إحداهما في فرنسا. يستعرض كيفين بروكس معالم هذا في كتابه «لماذا أخفقت النيوليبرالية في فرنسا»: تتصدر فرنسا سائر البلدان الأوروبية من حيث نسبة الإنفاق العام من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يبلغ في فرنسا نحو 31.5٪، مقارنة مثلا بألمانيا 26.7٪، والمملكة المتحدة 22٪، والولايات المتحدة 22.5٪. تحل فرنسا بعد الدول الاسكندنافية مباشرة من ناحية نسبة التوظيف العام في الدولة من إجمالي القوى العاملة: فرنسا 21٪، مقابل المملكة المتحدة 18٪، وألمانيا 10.5٪، وإيطاليا 14.5٪.

أدى هذا الانسداد السياسي/الاقتصادي بين إرث دولة الرفاه الثقيل والنيوليبرالية المتأخرة المُطالبة بانسحاب الدولة، إلى انفجار الوسط السياسي الفرنسي في 2017. انقسم الحزب الاشتراكي الفرنسي على نفسه، فخرج الجناح اليساري تحت قيادة جون لوك ميلانشون مشكلًا حزب فرنسا الأبية، بينما خرج الجناح اليميني تحت قيادة إيمانويل ماكرون مشكلا حزب النهضة، وتحالف الجمهورية إلى الأمام، أما الجمهوريون فوجدوا أنفسهم يتراجعون خلف اليمين المتطرف ممثلًا في حزب الجبهة الوطنية بقيادة ماري لوبان. مثلت الماكرونية محاولة لحسم التحول النيوليبرالي في فرنسا، لكن ذلك يحدث في الوقت الذي تواجه فيه الرأسمالية المتأخرة أزمة عنيفة جراء أزمة التضخم العالمي الجارية التي تسبب بها وباء كوفيد-19 من جهة، والحرب الروسية الأوكرانية من جهة أخرى. دخل ماكرون الإليزيه رافعًا شعار الإصلاح الذي تأخر كثيرًا: في أعوامه الأولى، ألغى ضريبة الثروة وقلّص الضرائب على المؤسسات الاقتصادية وفرَضَ ضرائب على الوقود لتعويض العجز الناجم عن التخفيضات الضريبية، وحاول تعديل قانون المعاشات منذ 2019. أمام الاحتجاجات العارمة التي واجهته في كل تلك المناسبات، تبنى ماكرون خيار تاتشر، كسر الاحتجاجات والنقابات عبر جميع الأساليب الاستثنائية بما في ذلك استخدام الدستور لتجاوز البرلمان في أزمة تعديل قانون المعاشات الأخيرة.

فرنسا الطرفية

التنويعة الفرنسية من النيوليبرالية خلقت تشكيلة اجتماعية اقتصادية خاصة بفرنسا: ظلت القطاعات الأحدث من الرأسمالية كصناعة تكنولوجيا المعلومات أو القطاع المالي والمصرفي أو قطاعات الخدمات الترفيهية، متمركزة بشكل شبه حصري في مدن معدودة عبر فرنسا، تحديدًا في «باريس» علاوة على «ليون» و«مارسيليا»، بينما بقيت الصناعات الكبرى التقليدية كصناعة الصُلب والبتروكيماويات تهيمن على معظم أقسام فرنسا. خلق هذا ما أسماه الجغرافي الفرنسي كريستوف جيلوي «فرنسا الطرفية»، واكتسبت أطروحته تلك منذ 2014 مكانة كبرى في السياسة الفرنسية. الانقسام الاقتصادي استتبع بالتأكيد انقسامًا ثقافيًا بين المراكز الأكثر تقبلًا للأفكار الجديدة كالتعددية الثقافية واحترام الأقليات، والأطراف التي ما زالت عقولها متعلقة بالجمهورية ذات التكوين القومي المتجانس.

كان من الطبيعي أن يتركز المهاجرون، خاصة الجُدد، في المراكز، لا في الأطراف التي لا توفر سوى فرص محدودة ومغلقة غالبًا. لكن حتى في المراكز، كانت الفرص تتقلص بالنسبة للمهاجرين، فإذا كانت الفرص الصناعية في الأطراف محدودة ومغلقة، فهي في المراكز متطلّبة ونوعية وتنافسية جدًا بالنسبة لأغلب المهاجرين. وجد المهاجرون أنفسهم على هذا النحو يعانون الفقر في ضواحي «باريس» التي أصبحت تشبه الجيتوهات بالنسبة إليهم، وهم عاجزون عن الاندماج خارجها، سواء ثقافيًا أو اقتصاديًا. نظر اليمين الفرنسي منذ مطلع الألفية إلى هؤلاء المهاجرين وتلك الضواحي بوصفهم أعباء على الدولة الفرنسية وكوابح في طريق تطورها الرأسمالي، وكانت خطة هذا اليمين في التعامل معهم أقرب ما تكون إلى الإبادة الصامتة لا محاولات الاستيعاب الاقتصادي أو الثقافي، وهو ما أشار له مثلًا فيلم حركة بسيط كفيلم «الحي 13» الذي يصور تواطؤ الشرطة الفرنسية في تفجير ضاحية يتحكم بها رجل عصابات مهاجر يحمل اسما عربيًا ومسلمًا: «طه بن محمود».

لكن ذلك الحصار والتهميش لم يكن من الممكن ألا يخرج إلى العلن في شكل احتجاجات واسعة كالتي اندلعت في «باريس» عام 2005 عقب مصرع مراهقين من أصول إفريقية نتيجة التعقب غير المبرر لهما من قبل الشرطة. منذ ذلك الوقت، اتجه اليمين الفرنسي إلى استعمال قضية المهاجرين والضواحي كغطاء لأزمة التطور الرأسمالي الفرنسي، وتعمد نيقولا ساركوزي طوال فترة رئاسته إثارة قضايا ثقافية استفزازية بلا داعٍ كقضية حظر الحجاب، وهو ما تضاعف بصعود التطرف الديني عقب هزيمة الثورات العربية بداية من 2013 وهجمات باريس في 2015، ونجح اليمين الأكثر تطرفًا ممثلًا في حزب الجمعية الوطنية في إنجاز نوع من «الثورة السلبية» باستخدام مصطلحات أنطونيو جرامشي: تحويل مسألة استيعاب المهاجرين وأزمة التطور الرأسمالي الفرنسية من أسئلة اقتصادية اجتماعية، إلى أسئلة ثقافية وقومية مفادها ضرورة إيقاف الهجرة والدمج القسري للفرنسيين من أصول أفريقية وإخضاعهم لقيم الجمهورية. لقد انجرت النخبة الفرنسية وراء هذا الخطاب، بما في ذلك شرائح من اليسار الذي عرف باليسار الجمهوري، كمانويل فالس، رئيس وزراء أولاند الذي تبنى أطروحة فرنسا الطرفية، ولورين بوفيه، قائد حركة «ربيع الجمهورية». يركز بوفيه على ما يدعوه بـ«القلق الثقافي»، وهو عنوان كتابه الذي صدر في 2015، ويعني به القلق لدى شرائح واسعة من الفرنسيين على الجمهورية في مواجهة تهديدات التفتيت الهوياتي الذي تطرحه سياسات الهوية والجماعاتية والإسلام السياسي.

في هذا الإطار، تحول المهاجرون إلى كبش الفداء الذي ينفث فيه كثير من الفرنسيين غضبهم عوضًا عن أن يتصارعوا حول شكل التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية التي يحلمون بها. من جهة، ترى الطبقة الوسطى الفرنسية أن دولة الرفاه التي يشكل المهاجرون جزءًا من المنتفعين بها، عبء عليهم أن يتخلصوا منه ليلحقوا بالربيع النيوليبرالي المتخيل حال تدفق مؤسسات المال والأعمال العالمية إلى باريس غير مثقلة بالضرائب والتضخم. ومن جهة أخرى، يرى العامل الفرنسي المهاجر منافسًا محتملًا على سوق يغدو ضنينا بالفرص يومًا بعد يوم، وعلى دولة تحاول تفكيك التزاماتها الاجتماعية. في الحالتين، عوضًا عن الصراع الذي تخوضه النقابات واليسار الفرنسي حول تفكيك دولة الرفاه، يحاول اليمين ومعه شريحة من اليسار الجمهوري دفع الصراع في اتجاه ثقافي وهوياتي يتوحد من خلاله الفرنسيون البيض على حساب المهاجرين.

يواجه اليسار الفرنسي مأزقًا في وضع كهذا. إن يسار الوسط التقليدي (الحزب الاشتراكي) أو الأكثر تطورًا (الماكرونية) يرى أن إصلاح دولة الرفاه بهدف خفض الضرائب والأعباء المالية شرط لجذب الاستثمارات والأعمال التي يمكنها أن تستوعب المهاجرين وغيرهم من الفرنسيين، وإلجام وحش البطالة الذي يتهدد المجتمع الفرنسي ويسبب عدم استقراره برأيهم. مشكلة هذا الخطاب أن اليمين المتطرف يزايد ضده باعتباره متواطئًا ضد الجماهير الفرنسية مرتين: مرة برغبته في إخضاعهم للاستغلال والهيمنة الأجنبية (الاتحاد الأوروبي والنيوليبرالية)، ومرة أخرى ببحثه عن إمكانية استيعاب المهاجرين، وهذا الاستيعاب يأتي على حساب الفرنسي البسيط وفقًا للدعاية اليمينية المتطرفة.

اليسار الأكثر جذرية (حزب فرنسا الأبية) ليس أفضل حالًا كثيرًا في هذا المأزق. فدفاعه عن المهاجرين يهدده بخسارة شرائح من قواعده المتأثرة بالدعايا اليمينية الشعبوية، التي ترى أن حزب فرنسا الأبية يضحي بالعدالة الاقتصادية بسبب انشغاله بقضايا اليسار الجديد (سياسات الهوية) تجاه البيئة والمهاجرين والمرأة (ظهر ذلك في بيان جون كلود ميشا أثناء احتجاجات السترات الصفراء الذي تضمن هجومًا على «فرنسا الأبية»، وكذلك انتقادات بعض المستقيلين وقتها من الحزب). الخيار الثاني أمام «فرنسا الأبية» هو الاندفاع البرجماتي نحو الشعبوية بغض الطرف عن العنصرية ضد المهاجرين، لكن هذا يهدد بمحو الفوارق الفعلية بينه وبين اليمين المتطرف، ويحوله إلى اشتراكية وطنية أو يسار جمهوري هدفه عزل فرنسا عن الاتحاد الأوروبي والحفاظ على تجانسها الاجتماعي، لا مقاومة الاستغلال الاقتصادي من موقع أممي.

هذا المأزق التاريخي اليوم لليسار الفرنسي يؤدي إلى تراجع حصصه التصويتية، لكن إصلاح هذا اليسار واصطفاف أبناء الضواحي أنفسهم خلفه كخيار حاسم في وجه اليمين المتطرف ودعايته الشعبوية، يبقى هو الأمل الوحيد لإنقاذ هؤلاء المهاجرين الذين يراد التضحية بهم على مذبح الرأسمالية والوطنية الفرنسية.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
خالد منصور

ربيع السنوات العشر

«عاد الحلم في التغيير، مصحوبًا بالخوف منه ومن تبعاته، مع اندلاع موجات جديدة من الاحتجاجات الضخمة»

اقرأ →
رأي
علاء عبد الفتاح

شايل طاجن كوكبه

«ربما لا نكون معرضين للفناء، لكننا فطريًا ندرك أن ملايين منّا ستواجه ظروف ضاغطة قد تصل للهلاك»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).