تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

آن أوان دفن الموتى

أكرم إسماعيل
7 دقيقة قراءة

في ٢٠٠٦ حضرت أول جمعية عمومية لي في نقابة المهندسين بعد تخرجي بعامين، كانت أول جمعية عمومية بعد ١١ عام من فرض الحراسة على النقابة بحكم قضائى عام ١٩٩٥، كان قضية رفع الحراسة والدعوة للانتخابات هي موضوع الجمعية، صدمني سيطرة الأخوان المسلمين شبه الكاملة على الجمعية العمومية، عشرات الأتوبيسات من كل محافظات مصر بلافتات "نقابة حره"، "فداك أبي وأمي يا رسول الله" في كل جوانب قاعة المؤتمرات. لم يستطع الحارس القضائي إدارة الجلسة إلا بدعم من م. عمر عبد الله مسئول الملف في الإخوان وبظهور د. محمد علي بشر على المنصه، وانتفضت القاعه من حشود الإخوان بالتهليل له.

حينها رأيت احدى زميلاتى من الكلية التي بدت مذعورة من هذا الحضور الإخواني الطاغي، وأخبرتني أن شركة "بتروجيت" قد نقلتها هي وزملائها بأتوبيسات لمكان الجمعية بعد أن منحتهم "نص يوم اجازة"، لم تُبلغ بموضوع الجمعية أو بقضية النقابة، فسألتني عن الموضوع وعن أي خيارات يجب أن تتبناها في التصويت على القرارات المعلنة. لم يكن هناك معنى للكلام أصلا، كل ما أراده الاخوان من الجمعية حينها حدث، وكان ذلك قبل أن توقف الدولة قرارات الجمعية وتستأنف الحراسه على النقابه لما بعد الثورة.

حينها تساءلت أين الدولة؟ من كلام الأصدقاء الأكبر سنا كانت الدولة قادرة على حشد مئات المهندسيين الموالين لها في الجمعيات العمومية في أعوام ما قبل الحراسة في مواجهة حشود الاخوان، أما في ذلك اليوم فلم يكن هناك وجود لهذه الحشود، فقط الإخوان، وبدا لي الأمر حينها أن النظام قد انهار، فأجهزة الأمن لا تكفي للإبقاء على نظام بلا أي "ظهير شعبي".

وتصاعدت الأحداث السياسية حتى الانتخابات البرلمانية لعام ٢٠١٠ التي برهنت بوضوح أن هذه الدولة لم يعد لها سوى الداخلية وشبكات البلطجية ولا شىء آخر، فالولاء الشعبي للسلطة كان قد تراجع في كل المواقع ولم يبقى سوى بعض المرتزقة والمخبريين، الأمر الذى فتح الطريق لثورة يناير التى لم يواجهها في الميدان سوى بعض هؤلاء المرتزقة يوم موقعة الجمل قبل أن يدحروا فيسقط مبارك.

ويأتى المجلس العسكري، ورغم الرضاء الشعبي الواسع عنه في البداية إلا أنه افتقد لأي ظهير شعبي، الأمر الذى أفقده توازنه سريعا في مواجهة الحراك الثوري ودفعه إلى الإستعانة بالإخوان كبديل أخير لحماية دولة يوليو من الانهيار، فلقد اتخذت الدولة قرار في مواجهة المد الثوري بمشاركة الإخوان السلطة والاستعانه بهم لتوفير ظهير شعبي محتمل لها، الأمر الذى سرعان ما انقضى بعد أن استمرت الثورة على الإخوان الذين من ناحية لم يلتزموا بشروط اللعبة ، كما أنهم عادوا قطاعات واسعة من الجمهور بعد ممارستهم السلطوية والطائفية الرعنه، التي فتحت الطريق للثلاثين من يونيو حيث نزل الملايين يتظاهرون ضد حكم المرشد ويستدعون ضمنا الجيش للتدخل.

حينها وجدت الدولة أن ظهيرا شعبيا قد أتى لبابها، ولو مؤقتا، ويمكن استغلاله للانقلاب على الإخوان وإعادة ترتيب المشهد بتحالف مع قطاع من قوى الثورة، إلى أن ساهمت مقاومة الإخوان الإرهابية في إعطاء الأجهزة الأمنية المدعومه من  شبكات الفلول اليد العليا بعد الثلاثين من يونيو للانقلاب من جديد على حلف ثلاثين يونيو وخريطه طريقه.

في إحدى التسريبات للفريق السيسي رد على أحد الظباط المستائين من الإعلام (في حديث قبل الثلاثين من يونيو)، قال "إن المشكله أننا ليس لدينا –كمؤسسه عسكرية- أذرع قوية للتأثير وعلينا بناء هذه الأذرع"، ويبدو أن هذا كان اعتراف من الفريق السيسي بأزمة الدولة بعد أن اختبرها في أعوام ما بعد الثورة كعضو في المجلس العسكرى. فهذه الدولة تفتقد لأذرع سياسية وإعلامية-فيما عدا بعض المخبرين- قادره على التاثير والحشد. ربما لم يعى حينها أن بناء هذا الظهير الموالى لم يعد بالأمر السهل في أعوام ما بعد ثورة، فالمجتمع أصبح طرف وعبء على أي سلطة واكتساب ولاء قطاعات اجتماعية بالرشوى والإرهاب لم يعد بالأمر السهل بعد هذا التحلل الذى أصاب شبكات دولة يوليو عبر أعوام طويلة، وبعد هذا التحول العميق الذي حدث في الخريطة الاجتماعية المصرية، وبعد أن فتحت الثورة الطريق للصراع على كل مستويات. فالثورة التى كشفت عن تحلل ووهن النظام قد استدعت القوى الاجتماعية لصراع مفتوح وجاد ولم يعد سهل احتواء أو تأميم هذا الصراع بالأمن والرشوة.

سعى الفلول –عن جهل- في شهور ما بعد يونيو لاستكمال مشروعهم الوهمى بإستعادة الماضي، عملوا على هدم تحالف يونيو والتحريض على جناحه الديمقراطي، بدأ بالإصرار على إجراء الانتخابات بالنظام الفردى (ولا أعرف هل كانوا ينجحون قبل الثورة بالنظام الفردي بدون تزوير) وانتهاءاً بالإصرار على إصدار قانون التظاهر واستغلاله للقبض على عدد كبير من نشطاء الثورة، هذا بالإضافة إلى حملة إعلامية مسعورة على ثورة يناير.

وتأتى الحقيقه سريعا أن ما يتمنونه لا يمكن أن يتحقق، فتأتي انتخابات نقابة الأطباء فتظهر القوى التى أنتجها ثورة يناير بأنها القادرة على خوض المعركة مع الإخوان، فتنتصر جماعة أطباء بلا حقوق على الإخوان المسلمين في انتصار تاريخي، ويأتى الاستفتاء على الدستور ليثبت أن الحشد الرئيسي للدستور هو الكره الشعبي للإخوان، أما الشبكات التقلديدية الفلولية فلم تعد قادرة على الحشد في مواقعها، ثم تأتي انتخابات نقابة المهندسين لسحب الثقه من الإخوان. فتسحب الثقة من الإخوان بتحالف واسع يبدأ بشباب الثورة الغاضب من تجاهل بل معاداة مجلس الإخوان لهم وينتهى بالمهندسين العسكريين الذين لم يستطيعوا إلا حشد المئات من المهندسيين بينما يبقى الكره الشعبي للإخوان هو أكبر حشد. بعبارة أخرى هذه الدولة لا ظهير شعبي لها يدين لها بالولاء وقادر على خوض معاركها في كل مكان، وهذا سبب ونتيجة ثورة يناير.

إن انهيار الفرعون كانت نتيجة هذه التناقضات التى اعتصرت نظامة وأفقدته القطاعات الاجتماعية التي حشدتها طويلا الشبكات الزبونية المرتبطة بالنظام والداعمة له، قبل أن تتغير الخريطة الاجتماعية لتصبح مجمل القوى الاجتماعية الفاعلة مناهضة للنظام المتحلل، لينتهى الأمر بالقوى الداعمة للنظام إلى عدة عصابات وبضعة أسر، هذه العصابات متناحرة وفاسدة وخائفة وغير قادرة بلا شك في انتزاع أى مساحة أو شرعية بعد يناير، فدولة يوليو التي تحتوي الصراعات بحشود جماهيرية موالية لم تعد قادرة على هذا وأصبح الصراع الاجتماعى والسياسى والأيدويولجي الجاري غير قابل للاحتواء إلا بتحالفات اجتماعية وموائمات، بكلمات أخرى هي غير قادرة على الاحتواء إلا بالسياسة.

إلا أن هذه العصابات لم تعي الدرس بعد ومستمره في طلب المستحيل، تطلب إعادة الماضي متمسحة في شعبية مؤقته للفريق السيسي، الذي يعرف جيدا -أو ربما لا يعرف- أنها زائلة لا محالة لو استثمر في هؤلاء الذين لا يمتلكون أي شىء في الحقيقة سوى علاقاتهم بظباط الداخلية. وربما وعى السيسي هذا حين أمر جهاته السيادية بوقف الحملة المسعورة على ثورة يناير، بعد أن نبهته المشاهد المتلاحقة أن الفلول ليسوا ظهير شعبي بل إنهم أضعف من الرهان عليهم، وأن قوى يناير الذى خسرها ربما أقوى من الفلول، ولهذا عاد من جديد يخطب ودهم ولو ظاهريا.

الظهير الشعبي الداعم للدولة الناتج عن كره الإخوان لن يستمر بدون تحقيق إنجازات حقيقية على المستوى الاجتماعي والسياسي وبدون تفهم لحقيقة الخريطة بعد يناير ٢٠١١، وكل الألعاب التي يلعبها الأمن سواء باستغلال إرهاب الجماعات الاسلامية أو باختراقهم لهذه التنظيمات وتحريكهم عند اللزوم لاستغلال حالة الذعر من الإرهاب لخلق ظهير داعم للدولة  لن تجدي طويلا، فهذه الألعاب "الدولاتية" بدون إصلاحات حقيقة قصيرة العمر (كما كان الحشد الإسلامي "القندهارى" قصير العمر أيضاً)، فالأزمة مثل "الثورة" عميقة.

وسيتراجع هذا التأييد وتعود الدولة من جديد بلا ظهر، هذه الدولة المهترئة غير قادرة "بمصروف" الخليج على خلق فاشية من أي نوع، فهي تحتاج  لتحالف مع قوى أكثر إصلاحية للإنقاذ ولكن العصابات ترفض هذا، ولكن يظهر ضعف هذه العصابات في كل موقعه على الأرض بل أيضاً في مواجهة قوى يناير بجناحيها الإصلاحي والثوري الذى بات أكثر قدره -ليس على الحشد في الميدان- بل على تحقيق انتصارات انتخابية نوعية.

الصراعات الدائرة تتيح المساحة لنمو القوى الديمقراطية فالفلول مثل الإخوان، في أسوأ حالاتهم، لأنهم لا يعبرون في الحقيقة عن شىء أكبر منهم. لا إصلاح إلا بحلف اجتماعي واسع، تتردد الدولة في دفع ثمنه ولكنه السبيل الوحيد لانقاذها، ويظل برهنة القوى الديمقراطية على نفسها في معارك متنوعه والتعبير عن نفسها بأنها تحمل مشروعا يمثل قطاعات جماهيريه واسعه، هو السبيل الوحيد لأن تتحول لشريك أساسي في هذا الحلف القادر على إعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر ديمقراطية ورشادة.

هل ستنتهز القوى الديمقراطية هذه الفرصه أم ستستمر في إضعاف أجنحتها بالمزايدة والطعن في الذمم الثورية، وإعادة إنتاج الفشل ومشاريع التذيل للإخوان تارة وللدولة تارة، لتتحول هي أيضا إلى قوى لا تعبر عن ما هو أكبر منها؟

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
بسمة عبد العزيز

حَدُّ الثورةِ: الأطباءُ يتقدمون الصفَّ

«ترى متى يثور الناس على أوضاعهم المُجحِفة؟ سؤال كثيرًا ما يُطرح وكثيرًا ما توضع له إجابات نظرية، لكنه لا يحظى بردٍ ثابت محُدَدَّ وقابل دومًا للتطبيق.…»

اقرأ →
رأي
شيماء مسلم

عن معركة الاطباء.. إحياء الأمل

«عاصرت منذ حوالي الست سنوات ما قام به مساعد وزير الصحة آنذاك د. سمير النمكي (والذي رشح نفسه عضواً في النقابة العامة في الانتخابات الأخيرة بالمناسبة)…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).