تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ربيع محمد كتبها التي الروايات عموم 

ربيع محمد كتبها التي الروايات عموم 

عن الكاتب الراحل في ذكراه الـ16

كتابة: عمر شرارة 16 دقيقة قراءة

اليوم الذكرى الـ16 لرحيل محمد ربيع (1975- 2008) الكاتب الذي عمل ما لم ولن يُعمل في الأدب. سيرة ربيع موجودة على مدونة، ولن يجد أحد أدبه في أي مكان آخر، لا أعمال كاملة ولا عمل واحد يوحد ربنا من رواياته الخمس، لأن أحدًا لم يجرؤ على نشر شغله، إلا مجموعة من أصدقائه المخلصين الذين حرصوا على إبقاء سيرته على هذه المدونة، حتى لا يُنسى. 

وبهذه المناسبة، نذكر القراء بعوالم الكاتب الراحل لأن «إبقاء أدبه على السطح أمر غاية في الأهمية»، كما يقول لنا الكاتب الكبير، صنع الله إبراهيم، عن الأديب الذي رحل في الـ33 من عمره. 

وخلال إعداد هذه القصة، طُرحت الكثير من الأفكار لطريقة كتابتها، ومنها أن تُكتب من أسفل لفوق، بل من اليسار لليمين، وفق «ستايل بووك» كاتبنا الراحل. ثم قررنا كتابة عنوانها، المستوحى من إحدى رواياته؛ «عموم الروايات التي كتبها محمد ربيع»، من الشمال إلى اليمين مع ترك كلام مصادرها كما نطقوه. بررنا ذلك، بأنه يخدم القصة، ونحن نعرف أن ذلك مجرد لعبة وتحية لروح صاحب «عموم الليالي التي» (2000)

«كرتونة» كاتبنا

في الثالث من مارس 2008، غاب كاتبنا عنا نتيجة «حادث عبثي ناجم عن تسرب غاز من سخّان»، كما كتب محمد عبد النبي في ذكرى سابقة.  

وقبل وفاته بنحو أسبوعين قابل كاتبنا، الصحفي والشاعر، يحيى وجدي، وأعطاه «كرتونة أمانة» فيها رواياته، ورسائل بينه وبين صنع الله إبراهيم. يقول وجدي: «سألته لماذا: فأجابني أنه سينتقل لشقة جديدة ويخشى من ضياعها أثناء خوتة الانتقال». وفي التأبين الذي أقيم بعد الوفاة، في مكتبة عمر بوك ستورز (وهو مكان لم يعد موجودًا الآن، وكان مقره بشارع طلعت حرب)، أعطى وجدي «الأمانة» لأحد أقارب كاتبنا الراحل.

في التأبين نفسه، حين قرأ أحد الحضور مقاطع من أدب كاتبنا، ضحكت الناس. كما تعهد المشاركون على ضرورة نشر أعماله. وتحمست دار نشر «الدار» لهذه المهمة، بحسب وجدي.

خلال إعداد هذه القصة، تحدثنا مع بعض حضور التأبين، ومنهم محمد عبد النبي الذي يقول إن «ناس كتيرة من الحاضرين أبدوا استعدادًا للنشر، كان فيه حماس أن الولد لسه مخطوف» لكنه يوضح: «كنت عارف أن فيه صعوبات كتير هتقابل أي حد عايز ينشر شغله بشكل رسمي أو شرعي، نظرًا للغته مش أكتر». 

بعد رحيل كاتبنا، تردد أن أهله لا يريدون نشر أعماله، بل جمعوا ما لدى بعض أصدقائه من نسخها، وذلك بمبرر «منع أي ذنب يجيله وهو في رحاب الله». وحين سألنا والده عن ذلك، أكد كل ما قيل خلال 16 عامًا: «متمسكين بعدم نشر أعماله. عشان لمّا قرأتها، والله قرأتها»، ثم يستدرك:«ما قرأتش كل حاجة، بس الحاجات اللي قرأتها ما تتنشرش» ويبرر ذلك بأن الكتابة تهاجم بابا الكنيسة والشرطة «وحاجات تانية.. برضو ما ينفعش تتنشر». وحين تواصلنا مع شقيق كاتبنا، أحمد الذي كان سعيدًا باهتمامنا بأدب الراحل أخبرنا أن العائلة لديها أصول بخط يد الراحل، لكنه لا يستطيع أن يخطو خطوة تجاه نشرها «من غير الوالد»، ويبرر ذلك أن والده «شايف أن  محمد انتقل عند ربه، والروايات ضررها هيبقى أكبر من إفادتها عليه»، ويقول: «إحنا نحتسب عند الله خير كل ما كتبه ربيع، هو في دار، وإحنا في دار». 

 كاتبنا شاعرًا 

في عام 1990 تعرف الشاعر، مؤمن سمير، على كاتبنا لأول مرة. وقتها، كان ربيع تلميذًا بمدرسة الفشن الثانوية، بعدما انتقلت عائلته إلى قرية عزبة شرارة، في بني سويف من المنيا. 

«كنا نتبادل الكتب، ونطلع بعضنا على ما نكتبه». وفي 1993، درس سمير وكاتبنا في كلية الحقوق، أراد والد الأخير أن يتخرج ابنه «من كلية الحقوق ليصبح وكيل نيابة»، فيما كان كاتبنا «مثل الطيور التي إذا وضعت في قفص تموت». وعبّر عن نفسه بكتابة شعر العامية، تأثرًا بأحمد فؤاد نجم، بحسب سمير. ثم انتقل لكتابة القصص القصيرة. اعتبر أن تغيير العالم ممكنًا، يضحك ولا يخاف وعنده جرأة كسر أي حاجز أمامه، بسبب حبه للقراءة.

ثم كتب أولى رواياته، «موسيقى تصويرية» عام 1998، مستلهمًا أحداثها من قصة حب واقعية مرفوضة مجتمعيًا لكون الحبيب مسلمًا والحبيبة مسيحية، ثم نشرها في عام 2000، يقول مؤمن سمير موضحًا أن كاتبنا كان يعتبرها مجرد بروفة للكتابة.

يتجه إلى الرواية

 خلال إعداد هذه القصة، قدمت لنا الشاعرة، أسماء ياسين، نسخة من «موسيقى تصويرية» والتي حصلت عليها من كاتبنا أوائل عام 2004. اعتبرناها كنزًا ثمينًا، لأنها أول أعماله المنشورة على نفقته.

الكنز بلا غلاف. وعبر 15 صفحة، يرّص كاتبنا سخريته المعجونة بألفاظ -قد تزعج بعض القراء. النص مُنسق على هيئة فقرات، والرواية مُقسمة إلى فصلين، وهما الأمران اللذان لن يلتزم بهما كاتبنا في أعماله التالية، حيث تحوّلت الكتابة إلى سبيكة بلا علامات ترقيم أو ترقيم للصفحات، ودون تقسيمها إلى فصول.  

لا نعرف اسم الراوي في «موسيقى تصويرية»، لكن لدينا أسماء الشخوص من الصديق إلى الحبيبة، ويحكي هذا الراوي عن حبه لشابة جميلة اسمها «إيريني..» من النظرة الأولى. وهي حبكة رومانسية، لكن المحبين فيها مصيرهما الفشل، حيث يتصدى أحد رجال الكنيسة للحبيبين، ويصفه الراوي بأنه «كما شيوخنا» من أعداء الحب، وكلنا نعرف أن الحب لازم يعيش.

وهناك مسألة تبدو عادية لمَن لم يقرأ أدب كاتبنا، وهي أنها مكتوبة من اليمين إلى الشمال، لكنها مهمة لقرائه، لأن النص في «عموم الليالي التي» و«البابا» مكتوب من الشمال إلى اليمين، وسيكتب من أسفل الشمال لأعلى اليمين في «مؤامرة على السيدة صنع الله» وكذلك آخر رواياته «ناس أسمهان عزيز السريين».

يصل القاهرة

بعد توزيعه نسخًا من الرواية على معارفه، سببت «موسيقى تصويرية» غضبًا في «عزبة شرارة»، وأهالي القرية الغاضبين اتصلوا بأبيه اعتراضًا على ما كُتب فيها، واعتبروها تهاجم رجال الدين، وقتها شعر كاتبنا أن «التطرف ليس مقتصرًا على المسلمين المتشددين، بل عند الكل»، بحسب سمير. ونتيجة لهذا الغضب سمح والد كاتبنا لنجله بالسفر إلى القاهرة «لحد لمّا الدنيا تهدى، في أواخر 2000»، بحسب سمير.

يحكي الروائي نائل الطوخي أن كاتبنا جاء إلى القاهرة لأن أهله كانوا خائفين من «فتنة طائفية» بسبب روايته الأولى. ويتخيل كاتبنا يمشي بحوزته «فلوبي ديسك» عليه نسخة من إحدى روايته، يطبع بضعة نسخ على حسب الفلوس التي معه، ويروح «أخبار الأدب» ليوزع النسخ لمَن يريدهم يقرأوا، أو مَن يقابلهم على القهوة.

الحوار الأوحد 

في عددها الصادر بتاريخ 17 أغسطس 2003، نشرت «أخبار الأدب» حوارًا مع كاتبنا أجراه ياسر عبد الحافظ، ويُعد وثيقة عن رؤيته لأنه الحوار الوحيد معه، وفيه يقول ردًا على سؤال حول الهدف من فرضه طريقة مختلفة لقراءة أعماله، مثل أن تُقرأ من اليمين إلى اليسار، أو من أسفل إلى أعلى، إن كان ذلك كسرًا للملل أو لفتًا للنظر أو تعاليًا: 

*«مسألة التجديد في الشكل الخارجي للكتابة هو دعوة للجميع، روائيين ومثقفين وقراء، لنفض التراب المتراكم عليهم لدرجة أنه يكاد يخفيهم تحته. 

أنها دعوة لنجرب كل الأشياء ولنجعل إبداعنا أكثر براحًا وكفاية بقى كل الزمن اللي فات وإحنا مصدقين الجماعة القائلين بإن التجديد في الشكل يعتبر إفلاس من الكاتب وأنه يلجأ لهذا ليلفت الأنظار وأن لا قيمة للتجديد في الشكل، لقد ضحكوا علينا كثير بالمقولات العبيطة دي لدرجة أنهم صدقوا نفسهم مع أن كل الحكاية أن التجديد في الشكل هو مغامرة والمغامرة لا يقدر عليها الجميع مع أنها أجمل ما في الإبداع. 

وفكرة الكتابة من أسفل لأعلى أكيد وردت على خاطر كل كاتب، ولكنه خاف وتراجع عن تنفيذها حتى لا يُسأل هذا السؤال الذي أجاوبك عليه الآن. أنهم ببساطة غير قادرين ولا مستعدين لروعة المغامرات. 

وبعدين.. ما الذي حدث لهم أولئك التقليديين القدماء، لقد تعفنوا وهم يحاولون باستماتة وبإصرار غبي على أن يطبلوا في المطبل وتجد أغلبهم إلا قليلًا لم يأت بجديد وليس أصلًا عنده جديد يأتي به، لقد أصبح كتّابنا مثل معظم مطربينا الذين يبدأوا مشوارهم الغنائي بالغناء لعبد الحليم حافظ، تظل كل أعمالهم تدور في فلك عبد الحليم وأغانيه اعتمادًا على مبرر صغير أنه قال صوته حلو فمش مهم أي حاجة تاني، التقليديون يكتفوا بأنهم يتعرفون كيفية كتابة رواية وفي ستين داهية ومش على بالهم خالص موضوع ماذا سيكتب وهو السؤال الأهم. 

معظهم يلعب في المناطق الروائية التي قُتلت كتابةً، أنهم محلك سر كطبيعة كل المرحلة سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا. وممكن لو أنت عايز تقول أني بلفت النظر وكان ممكن أكتفي به دون دخول في موضوع الشكل الذي يوجع الآخرون ولكني أرى أن الأمر لا يتجزأ فالتجديد في المضمون يتطلب تجديد في الشكل. 

وبعدين ما إحنا أديلنا من أول التاريخ بنقرأ ونكتب من فوق لتحت إيه اللي حصل ما نجرب يا أخي مرة نقرأ من تحت لفوق يمكن يكون ده بداية لكون هناك جديد تحت الشمس. 

أما عن الترقيم فهو لم يفلح في إقناعي بنفسه مطلقًا ومش فاهم يعني إيه أقعد أرقم صفحات، أنا بأكتب إبداع واللي عايز يعد ويحط أرقام هو حر، لكن أنا برقم بطريقتي. بفتح حوار مع القارئ من خلال الترقيم بدل ما أكتب له أسفل الصفحة 10 مثلًا بأتكلم معاه بهاجمه بشتمه. وهذا التجديد في الشكل بدأته في روايتي الثالثة «البابا» وتصاعد في روايتي الرابعة «مؤامرة على السيدة صنع الله». ولسه هناك أكثر. والأمر ليس به أي متاهات، أن الأمر به كسر الجمود ونسف الثوابت وإعلان الحرب على المشي جنب الحيط. 

ولم يخطر في بالي ولا مرة موضوع التعالي على القارئ، المسألة أني أفعل في روايتي ما أريد وعلى القارئ أن يقبلني أو يرفضني.»  

وحين سُئل كاتبنا لماذا يكتب وعن سبب نشره أعماله على نفقته، قال:

«طب قوللي أنت أعمل إيه إذا كان اللي ممكن يطبعوا لي رواياتي جبناء ومرعوبين من خيالهم وبيمشوا يبصوا حواليهم وتلاقيهم ماشيين لازقين في الحيطان، طب دول أتعامل معاهم إزاي، أنا لو عرضت على أي دور نشر في مصر أو حتى لبنان رواية زي البابا مثلا ممكن صاحب الدار ينزف من مناخيره أو يصاب بجلطة أو ينشل. وعدم وجود أي عمار بيني وبين النشر الرسمي لا يشغلني لأن في النشر الخاص بطريقتي بكون متحكم تمامًا في كتاباتي ولا واحد حمار يطلب مني حذف أو إضافة أو تغيير فيما أكتبه ولا حتة موظف نطع ينشر لي رواية مكتوبة في 2003 ينشرها لي في 2007 طب وعلى إيه، طظ فيهم. ولطبيعة رواياتي وموضوعها فهي مقروءة والنسخة الواحدة تمر على كثيرين وتتداول طول الوقت. 

أما أنا بأكتب ليه، هذا لأن لدى مشروعي الخاص في الرواية ولأن الكتابة هي الباقية ولأن في البدء كانت الكلمة.»   

شهادة محاور كاتبنا

عن الحوار، يقول مدير تحرير« أخبار الأدب» والروائي، ياسر عبد الحافظ: «كنت عايز أقدم الكاتب ده لقارئ 'أخبار الأدب'، وأقوله إن فيه نوع من الكتابة مختلف وأكثر جرأة بمراحل عن الجيل اللي كنا بنقدمه وقتها، اللي هو جيل التسعينيات، اللي كان بيقول عن نفسه أنه جرئ وبيقدم كتابة جديدة».

وقتها اعتبر عبد الحافظ أنه أمام كتابة صادمة للغاية في كل شيء، «مفهومي للأدب كان بعيد شوية عمّا يكتبه ربيع، مثلًا مفهومي للرواية أنها صنعة، لا بد من مراعاة بعض النقاط فيها، زي الشخصيات والحبكة والسرد واللغة، ربيع كان بيهد كل ده، بيهده بضهر إيده، من غير ما يحط أي اعتبارات». 

رغم ذلك يعتبر عبد الحافظ أنه أدب يلفت نظر أي شخص مباشرة، «لجرأته وطزاجته، وفي نفس الوقت للعمق اللي وراه، الرغبة في كسر كل التابوهات، والتفكير الحر بدون أي قيود أو أعباء أو حتى خوف أو حسابات من أي شيء.. وكأنه شخص لا يدرك أي شيء عن العالم، بالمعنى الساذج والعميق معًا، بالمعنى الساذج عشان تحس أنه شخص بلا خبرة عشان مش مدرك أن كتابته ممكن تودّيه في ستين داهية، وبالمعنى العميق لأنه شخص يدرك المعنى الساذج، لكنه لا يهاب خوض المغامرة وارتكاب فعل الكتابة».

حاول عبد الحافظ فهم تجربة كاتبنا، والتعرف على أبعادها بالكامل، ويشرح أكثر: «بيعمل ده بناء على نظرية إيه؟ وهياخد التجربة لحد فين؟ هيطوّرها ولا لأ؟ هل ده مجرد شكل بدائي للتعبير عن النفس، ولّا وراها مدرسة أدبية ممكن توصل لحتّة أبعد؟». وذلك مع تركه يعبّر عن وجهة نظره بالكامل مع الحفاظ على «نبرة السخرية في ردوده». ويقول: «كتابة ربيع هتفتح دماغك على كيفية تفكير المجتمع، إلى أي حد هذا المجتمع كذاب. وعنده قدرة على الوصول إلى جوهر الأشياء والشخصيات، ولمّا قرأته دار في ذهني أنه إزاي التجربة الصادقة دي يمكن تطويرها، إزاي الشكل الحيوي ده من الكتابة ممكن يبقى أفضل، عشان غيرنا من اللي معندهمش مساحة قبول الاختلاف يقبلوا أعماله. لكن لا يمكن إنكار أننا قصاد موهبة فطرية صادقة، قدمت نفسها بنفسها، فكان لازم نقف عندها ونعجب بها».

 دور الأديب 

عن تجربة كاتبنا يقول صنع الله إبراهيم إن «ربيع كان يسترسل في عملية سرد ميحكمهاش غير تداعي الكلمات والمعاني اللي تخص السياق، وبين الحين والآخر يظهر موقف أو كلمة قبيحة، لكنه أدب قريب من الكاتب الأمريكي هنري ميللر، اللي أحدث تغيير في الذوق العام بقدر ما. ولمّا يتغير الذوق العام والمقاييس الأخلاقية البالية، وهي هتتغير، وفي الإطار ده هياخد ربيع المكان اللي يستحقه».

وكاتبنا، بحسب الطوخي، كان يجرب ويلعب حرفيًا بالكلام وشكله، «كسّر تقاليد أدبية صارمة بجرة قلم، وخفّة دم الروايات هي أسلوب ربيع في التعبير عن نفسه، لم تكن حبكة، كان هذا صوته فعلًا. يخليك تنبسط وتضحك من ذكاء تعبيره عن فكرته».

في روايات كاتبنا إشارات لنقاط مهمة بسخرية، حتى أنك تستطيع فتح أي رواية من نصفها وتدخل Mood واقع مهرج يسخر من كل شيء، رغم أن سرد الروايات متصل. الروايات عنده سبيكة واحدة، لا فصول أو فقرات، والحوار بين الشخصيات خلطة من الفصحى والعامية.

في هذا الزمن، لم يكن لربيع قراء حقيقيين، فقط قراء من دوائر المثقفين، وجذبت عيون متسائلة لما قدمه من أدب: هل أدبنا منصاع للأطر الجامدة المعفنة؟ في حين أنه فعل ما يجب أن يفعله أي أديب «ألا يكون عنده سقف أو إطار أو حدود لما يكتبه»، بحسب الطوخي. بينما يعتبر وجدي أن روايات كاتبنا الخمس تُعتبر نقلة نوعية في تاريخ الأدب، «لما فيها من جرأة متحررة؛ فلا هو أدب له طابع سياسي أو إيروتيكي، كانت فانتازيا بلغة الشارع مفرطة المحلية» وصاحبها أديب صاحب خيال جامح، وتجربة أصيلة لم تُقدم من قبل، يكتب من أجل المزاج والأدب، صنع لغته الخاصة. أراد اللعب مع القارئ لعبتهما الخاصة؛ «من أسفل الشمال لأعلى اليمين، رواية في هيئة ملزمة، فصحى وعامية، الضحك والكتابة متصلين ومتواصلين».

 

سخرية مضحكة فعلًا 

يرى سمير أن كاتبنا «جاب نهاية الأشياء، طالما هو نموذج لم يكسر بعد يبقى هيظل ملهم»، بينما يحاول الروائي أحمد ناجي تأمل تجربة كاتبنا في السياق الزمني الذي جاءت فيه؛ «ساعتها كان الزمن مختلف في كل حاجة، كان شعراء زي سعدني السلاموني وصادق شرشر، بيروحوا يقرأوا شعرهم في الشارع ورافضين النشر». كما يشير ناجي إلى أن الطريقة اللي نشر بها كاتبنا أعماله تشبه تقاليد أدبية حصلت في مصر من الستينيات، «عندك مثلًا مجلة جاليري 68 كانت تُطبع photocopy وتوزع باليد». 

وقت نشر كاتبنا أعماله، كان من الممكن أن نجد شاعرًا «ماشي في وسط البلد بكام ورقة شعر كتبها ويوزعها، فده مكنش حاجة غريبة» لكن ما ميّز كاتبنا السخرية لأنها «مش موجودة عندنا لا في الأدب العربي ولا المصري، معندناش كاتب يضحكك فعلًا، قليل جدًا، مثلًا محمد مستجاب، أو كتاب ساخرين كتبوا في الصحافة زي محمود السعدني، لكن معندناش أدباء كتبوا اللي يضحكنا. حتى إبراهيم أصلان بيضحكك من منطقة الدراما، مش السخرية العنيفة اللي عند ربيع، ودي كانت حاجة مميزة جدًا، وعنده وصلت لحتّة بعيدة ومدمرة».

يعتبر ناجي أن كاتبنا غيّر صورة الكاتب؛ مثلًا طول الوقت الكاتب عنده إحساس إنه يكتب «أدب مصري»، أي يساهم في تكوين الخيال الجمعي عن مصر، ويسجل تاريخ الطبقات الاجتماعي، وما يحدث لها، لكن ربيع «كان ضد ده، ورواياته دمرت ده، الفرق شاسع جدًا بينه وبين باقي الكُتّاب، زي الفرق بين رواية 'خالتي صفية والدير' لبهاء طاهر و'البابا' اللي كتبها ربيع، اختلاف كبير جدًا وصادم وعنيف». 

كما يشير سمير إلى أن كاتبنا كان مكتفيًا بتوزيع أعماله، «عشان فاهم أن محدش هينشرها، كان بيقول إنها احتمال تُنشر لمّا تقوم ثورة، لأن الثورة هتقبل بالنموذج ده. مكنش عايز يعمّم التجربة، لكن كان عايزها تكون موجودة في المكتبة». ويضيف سمير أن مَن قرأوا أعمال كاتبنا في حياته، سواء صحفيين أو نقاد أو أدباء، «قابلوها بترحيب حذر عشان صدمتها، وعشان متبقاش نموذج، اللي هي كتابة بلا ضوابط أو رقيب». 

أثره 

تعرفت الشاعرة أسماء ياسين على كاتبنا من الحوار الوحيد معه، وحين قابلته في 2003، «بقينا أصحاب من أول لحظة» وتقول: «مش عايز أبالغ، بس أدب ربيع مدهش. وببساطة هي كانت تجربة فارقة وجديدة تمامًا عن الموجود».

مثلًا كاتبنا مزج السخرية بالجنس بطريقة لا يمكن اعتبارها إيروتكية، كما تقول ياسين، فهي ترى أن «السخرية بتكسر الإيروتيك الصرف، فده مش إيروتيك، كان ممكن يخليها رواية درامية مثلًا، محترمة وفيها مشاعر وبتاع، لكن السخرية الشديدة والمتكررة والممتدة خلت الكلام عن الجنس يضحك فعلًا»

تنفي ياسين عن تجربة كاتبنا أن تكون «انتهت بموت صاحبها» بل كل أعماله صالحة للقراءة وجديرة بها، لأنها تجربة لا غنى عن الاطلاع عليها، خصوصًا أنها «بالغة التأثير على كتابة الجيل المعاصر له كله. أثره في غالبية الروايات اللي ظهرت بعده، خصوصًا الجرأة وكسر التابوهات»، سواء أدركوا ذلك أم لا، بحسب ياسين. 

وعن أسلوب كتابته وتحديدًا ضرورة القراءة من تحت لفوق، تقول: «دا لعب ربيع، بس أصلًا الفن هو لعب. فنيًا مش بيخدم الرواية في حاجة، ولا القارئ، لكن هو لعب. ومينفعش تمنع الكاتب من اللعب» بل ترى أن اللعب جزء أصيل من كتابة الأدب «لو مش هتلعب متكتبش»، لكنها تعلّي أكثر، وتقول بشكل أكثر حسمًا: «أي كاتب مبيلعبش، زي صنايعية كتير من جيلنا، مكتوب على كتابتهم أن دمها تقيل، رغم أنها ممكن تاخد جوايز أو Short list. بس في الآخر دمها تقيل جدًا، عشان هي ماشية على كتاب المدرسة بتاع الأدب». 

حول هذه النقطة تحديدًا يقول صنع الله إبراهيم: «نفسي أعمل الشغل اللي عمله، دون قيود أو تحفظات يفرضها المجتمع، هو قدّم شيء مختلف في اللغة وعملية الكتابة عمومًا. لم يتجنب استخدام المفردات اللغوية اللي إحنا بنستخدمها في حياتنا اليومية في الشارع، وده السؤال: ليه نتجنب نكتب كده؟»

بينما يعتبر عبد النبي كاتبنا «مفارقًا للمألوف والمُعتمد في الأدب. ربيع لسه مُلهم لحد دلوقتي وبدرجة أكبر من زمان، عشان غالبية الإنتاج دلوقتي رايح في سكة الكتابة التقليدية»، كما يستلطف روايات كاتبنا، ويشير إلى أن الأولى، «موسيقى تصويرية»، فيها «رومانسية شوية، ولمحة سخرية تعتبر مختلفة عن كباريه المسخرة اللي عمله في الباقي». وعن هذا الكباريه يقول إنه حين يقرأ أدبه «مش ببطل ضحك، ودي حاجة مختلفة مش عن السائد بس، [بل] عن علاقتنا مع الأدب الساخر عمومًا، لكن في حالة ربيع فهي مسخرة أدبية في السرد والأحداث، مختلف وفي حتّة لوحده.. الاختلاف لاستخدامه اللغة، وشخوص الروايات سواء كانوا رجال دين أو مدّعي دين أو غيرهم».

الذي تجاوز خطوطًا لا نعرفها

آخر أعمال كاتبنا هي رواية «ناس أسمهان عزيز السريين» (2007)، وعنها يقول عبد الحافظ إنها «مشوقة ولطيفة وخارجة عن المألوف، والأهم أنها جريئة بشكل غير طبيعي، فعلًا، أعماله تجاوزت خطوط بألوان لسه ما نعرفهاش». 

يعتبر عبد الحافظ أن «ناس أسمهان عزيز السريين» فضحت الجماعات الدينية من الداخل، «ربيع كان بيشوف الحاجات من جوّاها، بيشوف المجتمعات دي إلى أي حد هي مخوّخة. الحدوتة عجبتني، اللغة السوقية بتاعتها ما حسيتش أنها مبتذلة، وإنما متصاغة ومتوظفة كويس. بس في رأيي، أن ربيع كان لازم لمّا يخلص الدرافت، يقعد يشتغل عليه مرة تانية، هتبقى أحلى لو بص على اشتراطات الرواية». 

في حين يتوقع الطوخي أن «ناس أسمهان عزيز السريين» إذا طُبعت في نسخ بجد كانت ستُقرأ على نطاق واسع، خصوصًا بعد الثورة لما فيها من ضحك حول الجنس والدين والسياسة. لكن لم يحدث فرق بعد الثورة في ما يخص نشر الأدب، كما تقول ياسين، «حتى لو تجرأ ناشر وعايز ينشر الروايات، هيبقى فيه ضرر عليه»، لذا كنت من المهتمين بوجود أعمال كاتبنا على الإنترنت. وعن ذلك يعلق سمير: «هو معملش حساب موته، كان فاكر أن طالما رواياته مع الأصدقاء يبقى الأدب عايش، لكن الإنترنت سمح أن أشخاص مختلفين يقرأوا إنتاجه».

*الجزء المائل هو إجابات محمد ربيع (1975-2008) كما نُشرت في جريدة «أخبار الأدب» في عددها الصادر بتاريخ 17 أغسطس 2003.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#فيديو

على كل الأشياء أن تتأثر ببعض: رسالة من نائل الطوخي

يسر «مدى مصر»، بشراكة مع مؤسسة هيفوس وبرنامجها «مصادر للأذهان المنفتحة»، توصيل رسائل فيديو شخصية من منتجين مبدعين في مصر ولبنان. عن طريق اللغة والصوت والصورة والفعل، يشاركون أفكار ومشاعر…

مدى مصر 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن