الفيوم-- "اﻷولوية لمصلحة مصر"، يجيب عبدالتواب بريك، أحد فلاحي قرية تونس التابعة لدائرة إبشواي ويوسف الصديق بالفيوم، عند سؤاله عن المقاييس التي ينشدها في المرشحين.
أمام نفس اللجنة وعن نفس السؤال يقدم ممدوح حمدي أبو زايد، أحد فلاحي قرية اﻷبعدية، نفس اﻹجابة: "مصلحة مصر". ويتدخل صديقه عبدالجواد زايد ليؤكد هو اﻵخر: "مصلحة مصر".
يتفق ثلاثتهم على تعريف بسيط ومحدد لما يرونه "مصلحة مصر". يرى بريك مثلا أن مصلحة مصر هي بناء مؤسسات الدولة واستكمال البنية التشريعية، بينما يعتقد أبو زايد أن النائب في هذه الدورة الانتخابية لابد أن يكون شخصا "يفهم في القانون، معاه دكتوراه، وله خبرة طويلة في العمل السياسي" كي يساعد في "إصدار التشريعات وبناء مؤسسات الدولة".
النقاش في اﻷمور السياسية العامة للبلاد يأتي في عبارة قصيرة أو اثنتين في بداية كل حوار يميزهما الطابع البلاغي: مجموعة من الجمل والتراكيب المستخدمة عمومًا في المجال العام، سواء في التصريحات الرسمية للدولة أو في معظم وسائل اﻹعلام المحسوبة على النظام. تسيطر كلمات من نوع "مؤسسات الدولة"، و"البنية التشريعية"، و"العمل السياسي" على الجمل الافتتاحية لأغلب الناخبين.
لكن الشأن السياسي العام يغيب عن الحديث مع انقضاء الدقائق الأولى، حيث يخفت التركيز على "مصلحة مصر" لتحضر بقوة شئون السياسة المحلية "الصغيرة". بعد حديثه عن بناء مؤسسات الدولة وأهمية استكمال البنية التشريعية، يوجز بريك تعريفه للنائب البرلماني المثالي كما يراه: "اللي يعرف يقضي المصلحة".
عند الوصول إلى هذه النقطة يتمحور النقاش حول سؤالين أساسيين: إذا كان المطلوب من النائب البرلماني أن "يقضي المصلحة"، فما هي تلك "المصلحة" التي ينبغي قضاؤها، ثم من هو الشخص الذي قد يعرف كيف "يقضيها"؟
إجابة السؤال اﻷول تأتي مباشرة ومتكررة. "المصلحة"، طبقًا لما صرح به الجميع، هي وصول المياه بعد شهور من الغياب المتصل أو المتقطع في العديد من قرى محافظة الفيوم، ومدّ طرق صالحة للاستخدام، وتوفير فرص عمل للشباب.
لكن من هو الشخص الذي يعرف كيف "يقضي" هذه المصلحة؟
تختلف اﻹجابة عن هذا السؤال باختلاف المكان، لكن جميع اﻹجابات تتشارك في التطرق تلميحا أو تصريحا إلى العصبية العائلية أو القبلية.
تضم محافظة الفيوم ست دوائر انتخابية، يستحوذ مركز الفيوم على دائرتين منها، وتجمع دائرة بين مركزي إبشواي ويوسف الصديق إضافة إلى دائرة لكل من طامية، وسنورس، وإطسا.
وباستثناء مدينة الفيوم، تتشكل المحافظة بشكل أساسي من مجتمعات ريفية صغيرة. داخل المجتمع الريفي تسيطر العائلات الكبيرة بشكل أساسي على المشهد الانتخابي. أما العائلات الصغيرة والمتوسطة فترتبط بدورها بصور مختلفة من علاقات القرابة والنسب بتلك العائلات الكبيرة.
ففي مركز يوسف الصديق يخوض الانتخابات كل من علي عبد الله علي عبد القادر، وابن عمه عمر عبد القادر علي عبد القادر، باﻹضافة إلى قريبهما ربيع أبو لطيعة.
ومن إبشواي، ترشح علاء العمدة للإبقاء على ذكرى والده، والذي كان قد ترشح في العديد من الانتخابات السابقة. كما يخوض الانتخابات محمد طه الخولي، عضو مجلس الشعب عن الدائرة لعدة دورات، وابن طه الخولي الذي كان بدوره عضوا بمجلسي الشعب والشورى عن إبشواي في السابق، باﻹضافة إلى يوسف أحمد على الصاوى الذي ينتمي إلى نفس العائلة.
كما ينافس على تمثيل إبشواي كل من عبد الفتاح أحمد المليجي وحاتم علوي المليجي من نفس العائلة. وهكذا.
يجلس ربيع عبدالتواب، أحد سكان إبشواي (28 عاماً)، أمام كمبيوتر محمول أمام إحدى اللجان الانتخابية بإبشواي ليساعد الناخبين في استخراج بياناتهم وتوجيههم إلى لجان قيدهم. عند سؤاله عن مرشحه المفضل، يجيب أنه قرر مقاطعة الانتخابات. فلماذا إذن يجلس أمام اللجنة متطوعا لمساعدة الناخبين؟ يبتسم عبدالتواب مقراً بالمفارقة ويجيب بأنه مضطر للمساعدة تلبية لطلب أحد أقارب المرشحين.
يرى عبدالتواب أن الشكل العائلي أو القبلي الذي تتسم به الانتخابات في الفيوم يتسبب في توجيه أصوات الناخبين بعيدًا عن الغرض اﻷساسي للانتخابات، وهو اختيار نواب لتمثيل مصالح الشعب والدفاع عنها حسب قوله. "الناس بتختار ابن بلدها، المرشح بتاعها"، يضيف عبدالتواب، قبل أن يستطرد "لكن بعد الانتخابات مش هنشوف النائب تاني".
يعتقد أحمد فوزى، الأمين العام للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن استمرار تأثير العوامل القبلية والعائلية في المشهد الانتخابي يرجع بشكل أساسي إلى طبيعة النظام الانتخابي نفسه: "النظام الفردي في الترشح يمنع وجود برامج انتخابية حقيقية ويجعل من سيادة الطبيعة العائلية والقبلية على المشهد الانتخابي أمراً حتمياً" في رأيه، بعكس نظام القوائم الحزبية الذي يطرح على الناخب خيارا بين برامج وتو.
يضيف فوزي أن العديد من الناخبين لم يعرفوا عن طبيعة نظام القائمة وكيفية عملها وطريقة اختيارها بسبب غياب الثقافة الانتخابية وعدم وجود أي دور لتوعية الناخبين عن طبيعة نظام النظام الانتخابي.
فيما يرى يسري العزباوي، رئيس برنامج النظام السياسي المصري ومنتدى الانتخابات بمركز اﻷهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الطبيعة العائلية تمتد لتسيطر حتى على نظام القوائم نفسه. ويضيف العزباوي أننا "بحاجة لنظام انتخابي واضح المعالم يتجاوز التركيبة التقليدية، مع العمل على تغيير ثقافة الانتخابات المهيمنة على المجتمع المصري".
لكن العزباوي يرى بعداً آخر للمشكلة. "استمرار الحاجة لمرشحي العائلة يرجع أيضاً إلى سوء الخدمات المقدمة من الدولة، وغياب أي دور حقيقية للمحليات"، يقول العزباوي، مضيفًا أن "احتياجات السكان المتزايدة وقلة الخدمات تساهم في استمرار المشهد الراهن".
يتفق بريك من قرية تونس مع الطرح اﻷخير للعزباوي، فبعد أن يتحدث عن بناء مؤسسات الدولة والانتهاء من البنية التشريعية اللازمة لمصلحة مصر، يتوقف مفكراً للحظات، ثم يتذكر في أسى: "والمحليات، أتمنى من الله إنهم يظبطوا المحليات".
تقارير ذات صلة
أبرز ما قيل في مناقشة التعديل: وقائع جلسة البرلمان
التصويت على بقاء هيئتي الإعلام والصحافة.. ووعد بحوار مجتمعي
على هامش تعديل الدستور: تصدُّع في تكتل 25/30.. و«القعيد» إلى «سحابة الموالاة»
قال القعيد: «أنا مع السيسي». معلنًا تأييده للتعديلات الدستورية
كيف تغيّرنا بعد سبع سنوات انتخابات
النتيجة محسومة بغض النظر عن المشاركة، لكّن المؤيدين رأوا في مشاركتهم واجب تجاه الرئيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن